Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الاقتصاد البريطاني يفيق على مخاطر بريكست مع بدء تنفيذ الاتفاق

قطاعات الزراعة والأغذية والخدمات المالية الأكثر تضرراً في الشهر الأول خارج أوروبا

يشكّل النقل بالشاحنات نحو 60 في المئة من التجارة بين بريطانيا وأوروبا (أ ف ب)

بعد مرور ثلاثة أسابيع على تطبيق اتفاق التجارة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، الذي بموجبه خرجت لندن من أوروبا (بريكست)، بدءاً من الأول من يناير (كانون الثاني) 2021، يشعر البريطانيون الآن بوضوح بالفارق بين عضوية بلدهم في الاتحاد، وخروجها منه.

وأفاقت الشركات والأعمال على تفاصيل اتفاق بريكست الذي بدأ يتضح أنه "ليس كما روج له السياسيون" باعتباره انتصاراً، وما زالت المؤسسات تحاول استيعاب التفاصيل، وتكييف نظم عملها على أساس العلاقة الجديدة مع أوروبا.

وفور إعلان التوصل إلى مسودة اتفاق بريكست، عشية عيد الميلاد نهاية الشهر الماضي، قال رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون: "لن تكون هناك حواجز جمركية أمام التجارة"، لكن من يتعاملون مع أوروبا اكتشفوا لدى عودتهم من العطلات أن الواقع "غير ذلك تماماً".

وانتبه كثيرون في قطاعات الأعمال المختلفة إلى الحقيقة التي أشار إليها رئيس منظمة التجارة العالمية السابق باسكال لامي، حين قال عن محادثات بريكست، العام الماضي "هذه أول مفاوضات في التاريخ تبدأ بين طرفين بينهما تجارة حرة تماماً، لبحث القيود والحواجز التي سيتفقان عليها".

وأخذت وسائل الإعلام البريطانية في نشر تفاصيل المفاوضات للتوصل إلى "بريكست"، وكذلك تحقيقات موسعة عن المشكلات التي بدأت تواجهها الشركات والأعمال مع بدء تطبيق الاتفاق، خصوصاً في قطاعات الأغذية والزراعة والسيارات والنقل بالشاحنات والخدمات المالية، وغيرها.

مخاطر ومواجهة

وأصدرت وحدة استخبارات الإيكونوميست، هذا الأسبوع، تقريراً عن المخاطر على قطاعات الاقتصاد البريطاني من "بريكست"، بعد أن اتضحت تفاصيل الاتفاق، وقدرة الشركات والأعمال على مواجهتها. وخلص التقرير إلى أن "المخاطر ارتفعت لأغلب القطاعات، مع ما أدى إليه بريكست من حواجز غير جمركية أمام التجارة، إضافة إلى تعقيدات للعمالة".

وحدد التقرير القطاعات الأكثر تضرراً، من حيث المخاطرة والقدرة على التعامل معها، منها قطاع الأغذية والزراعة والخدمات المالية وصناعة السيارات، إضافة إلى النقل بالشاحنات والنقل التجاري عموماً.

وأضاف "سيؤثر التوازن بين المخاطر والقدرة على مواجهتها على الاستثمار والاستراتيجيات التشغيلية للشركات المحلية. أجل كثير من الشركات قرارات الاستثمار، عدة سنوات، حتى تتضح صورة (بريكست) أكثر. كما سيؤثر هذا التوازن في الاستثمار الأجنبي المباشر نحو بريطانيا، إذ إن الشركات الأوروبية هي أكبر مستثمر مباشر".

ويشير التقرير إلى أن بريكست أدى إلى "تراجع كبير" في الاستثمار الأجنبي المباشر داخل بريطانيا حتى قبل الخروج النهائي باتفاق، وأن الفترة من 2017 إلى 2020 شهدت "انخفاضاً مطرداً" في تلك الاستثمارات.

وعلى الرغم من أن الاتفاق يوفر للمملكة المتحدة وصولاً للسوق الأوروبية المشتركة، التي تخدم 450 مليون نسمة في 27 بلداً، فإن هناك تعقيدات أخرى ستتحملها الشركات والأعمال التي تصدر أو تستورد من دول الاتحاد الأوروبي.

حواجز غير جمركية

على الرغم من أن حركة النقل والشحن لم تعد إلى مستوياتها المعتادة بسبب الإغلاق الجديد في مواجهة الموجة الجديدة من كورونا، فإن الحركة عبر المنافذ البريطانية مع أوروبا تشهد تعقيدات ومشكلات بسبب الإجراءات الجديدة التي يفرضها "بريكست". وربما لم تشعر الشركات الكبيرة بعد بتأثير الإجراءات المصاحبة لتطبيق الاتفاق، إلا أن الأعمال الصغيرة والمتوسطة بدأت بالفعل تعاني.

ويشكل النقل بالشاحنات نحو 60 في المئة من التجارة بين بريطانيا وأوروبا، فعلى سبيل المثال تمر عبر معبر دوفر - كاليه 10 آلاف شاحنة يومياً. وكانت تلك الشاحنات الأكثر تضرراً على الرغم من أن أثر كورونا ما زال لا يظهر الضغط الذي تشكله إجراءات العبور مع قلة الحركة حتى الآن. فبسبب إجراءات الحظر والإغلاق، ما زالت حركة الشاحنات في الموانئ البريطانية، مثل ميناء دوفر لا تزيد على 40 في المئة من معدلات الحركة المعتادة.

وتقدر الحكومة البريطانية أن الأعمال والشركات البريطانية سيكون عليها ملء 215 مليون استمارة جمارك ورسوم إضافية سنوياً، أي بمعدل 600 ألف استمارة يومياً، إضافة إلى اضطرار البعض لدفع رسوم فحص وتقدير.

وترى مصلحة الجمارك أن تكلفة تلك الإجراءات تصل إلى أكثر من 10 مليارات دولار (7.5 مليار جنيه إسترليني). وحسب شركة دارتموث كراب كومباني التي تصدر أسماك المحار للبرتغال، فكل شحنة تحتاج إلى 8 وثائق (نحو 40 صفحة) عليها تقديمها قبل عبور الشاحنات من بريطانيا إلى فرنسا.

الكل متضرر

كما أن الشركات والأعمال عموماً ما زالت تستوعب تفاصيل القواعد المنصوص عليها في الاتفاق لكل قطاع. وقد بدأ بعض الأعمال والشركات في تحديث أنظمته المحاسبية وبرامج الكمبيوتر على أساس القواعد الجديدة، إلا أن ذلك قد يأخذ شهوراً من الوقت والتكلفة، بل إن مصروفات التحديث وتبعات الإجراءات جعلت بعض الأعمال الصغيرة تتوقف بالفعل عن العمل أو تقلص نشاطها تماماً في التعامل مع أوروبا باعتباره "غير مجد اقتصادياً".

حتى الشركات الكبيرة لم تسلم من الحواجز والتعقيدات الجديدة، فمثلاً "فورد" لا تعاني مشكلات في سلسلة التوريد، لأنها تأتي بالمحركات من المكسيك، لكن بعض موديلات الشركة التي تنتج في أوروبا ستُفرَض عليها رسوم جمركية بريطانية ستضيف إلى سعر السيارة الواحدة أكثر من ألفي دولار (1500 جنيه إسترليني)، بالطبع سيتحملها المشتري في بريطانيا.

بالنسبة إلى الجانب الأوروبي، لم يتضح بعد حجم الأضرار الناجمة عن الوقت والتكلفة لملء استمارات مماثلة ومدى التأخير في الوقت، لأن الحكومة البريطانية لن تبدأ عملية الفحص الجمركي قبل يوليو (تموز) المقبل.

السيادة والخسارة

وبدأت قطاعات الأعمال البريطانية تستوعب أن ما جرى التوصل إليه من اتفاق بريكست لم يكن كما وعد به السياسيون، خصوصاً المتحمسين لبريكست في حزب المحافظين الحاكم. ونشرت صحيفة "فاينانشيال تايمز"، الجمعة، تحقيقاً مطولاً حول عام المفاوضات حول الاتفاق، استند إلى شهادات مفاوضين من الجانبين البريطاني والأوروبي ومصادر رسمية أخرى.

والخلاصة، إن حكومة بوريس جونسون كانت حريصة فحسب على ما تعده "استعادة السيادة" من دون اهتمام بخسائر الشركات والأعمال عموماً. وأنها خلال المفاوضات اعتبرت مسألة عدم الالتزام بأي معايير أوروبية مقدمة على أي مطالب تحقق مصالح اقتصادية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكانت النتيجة واضحة فيما يتعلق بالبنود الخاصة بحقوق الصيد التي جعلت منها حكومة جونسون مشكلة كبرى لاعتبارات سياسية من دون جدوى اقتصادية. وفي النهاية جاء الصيادون الاسكتلنديون بشاحناتهم المحملة بالسمك الذي لم يستطيعوا تصديره إلى أوروبا هذا الأسبوع إلى وسط لندن في محاولة لإلقاء الصيد الفاسد أمام مبنى مقر الحكومة في داوننغ ستريت.

وفي المقابل، لم يحظَ قطاع الخدمات باهتمام المفاوضين البريطانيين، على الرغم من أن قطاع الخدمات يشكل نحو 80 في المئة من الاقتصاد البريطاني. وعلى الرغم من تعهدات الحكومة بأن تقليل الالتزام بالقواعد والقوانين الأوروبية سيمثل أرضية لانطلاقة جديدة للقطاع المالي البريطاني، فإن القطاع يشعر بخيبة أمل وهو يرى المليارات من أموال التعامل في الأسهم والسندات والمشتقات الاستثمارية الأخرى تنتقل إلى أوروبا.

ويبلغ حجم الخدمات المالية للشركات والبنوك في حي المال والأعمال بالعاصمة البريطانية (سيتي أوف لندن) 180 مليار دولار (132 مليار جنيه إسترليني) تشكل سبعة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي البريطاني.

وفي نص الاتفاقية التي تقع في نحو 1500 صفحة، جرى ذكر كلمة "سمك" 368 مرة، بينما "الخدمات المالية" 90 فقط، على الرغم من أن قطاع صيد الأسماك لا يشكل سوى 0.1 في المئة من الاقتصاد البريطاني (بينما الخدمات المالية 70 ضعف ذلك).

ويتوقع أغلب الاقتصاديين ألا تظهر تأثيرات اتفاق بريكست على الاقتصاد البريطاني، بقطاعاته المختلفة، بشكل كامل قبل أشهر، وحين تنتهي القود المصاحبة لانتشار كورونا.

المزيد من اقتصاد