Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

«ملحمة السويس» عرض يحقق نجاحه انطلاقا من أحداث شائعة

مسرحية مصرية تتناول أوضاع أهل القناة بعد نكسة 1967 وتحصد جوائز

من مسرحية "ملحمة السويس" (تصوير مدحت صبري - حقوق الصورة تخضع للملكية الفكرية)

هل يمكن لنص عادي، أحداثه معروفة وليس فيها ما يكسر أفق التوقع لدى المشاهد ويضيف إليه جديداً غير معلوم، أن ينتج عرضاً جيداً؟ هذا ما حدث مع عرض "ملحمة السويس" الذي شارك في مهرجان نقابة المهن التمثيلية بمصر، وحصد جوائزه، إذ نال جائزة أفضل عرض، وأفضل إخراج وديكور وإضاءة وأزياء، وحصلت بطلته "أسماء عمرو" على جائزة أفضل ممثلة، وأحد أبطاله "بسام عبد الله" على جائزة أفضل ممثل دور ثان.

العرض كتبه وأخرجه محمد زكي، يتناول قصة كفاح وبطولات أهالي مدينة السويس المصرية بعد نكسة يونيو (حزيران) 1967، مروراً بحرب الاستنزاف، وانتهاء بانتصار أكتوبر (تشرين أول) 1973، ورفض، أثناء حرب الاستنزاف، بعضهم مغادرة المدينة بناء على تعليمات قيادة الجيش، ومشاركتهم في العمليات الفدائية ضد العدو.

أضاف الكاتب المخرج خطاً فرعياً يتناول قصة حب بين شاب وفتاة يرفض والدها تزويجهما، مدعياً أن ظروف البلد لا تسمح بذلك، في حين أن سبب رفضه الحقيقي، كما يتكشف من الأحداث، هو علاقة حب قديمة بين والد الفتاة ووالدة الشاب لم تكلل بالزواج، وإن كان وافق بعد تحقيق النصر وفقد ابنه الذي كان صديقاً مقرباً للشاب حبيب الابنة.

بعيداً عن هذا الخط الفرعي، الذي يبدو عادياً هو الآخر، فإن أحداث العرض يكاد يحفظها المصريون عن ظهر قلب، ويدرسها التلاميذ في المدارس، ولا جديد فيها يضيف إليهم، أي أن المخرج عمل على قماشة بالية، وفكرة مستهلكة، فما الذي بقي إذاً للخروج بعرض مسرحي جيد؟

المخرج والمؤلف

المخرج هنا انتصر على المؤلف، وأفصح عن مهارته في اختيار عناصر عرضه الأخرى، وتوظيفها بشكل جماعي خدمة لموضوعه، كما استطاع تقديم هذه الحكاية المكررة، في صورة مسرحية شديدة السبك والإبهار، عوضت كثيراً عادية النص، الذي يبدو أنه كتبه تحديداً كرد فعل على عرض سابق له "سوبيبور" عن معسكر الإبادة النازي، واتهم بسببه بالتعاطف مع اليهود وإظهارهم في صورة المضطهدين، في حين أن العرض في نهايته تساءل: كيف لمن تم تعذيبه بهذا الشكل أن يمارس الأمر نفسه على غيره من الفلسطينيين، وإن جاء التساؤل بصورة خاطفة لم تشفع للمخرج لدى مهاجميه؟

أراد المخرج من خلال "ملحمة السويس" توضيح موقفه، وإزالة اللبس الذي أحدثه عرضه السابق، وهو أمر مربك حقاً ومختلف حوله، حيث رأى البعض أنه لم يكن هناك داع لذلك، خصوصاً إذا جاء على حساب جودة النص، بينما اعتبر البعض الآخر، هذا العرض رداً فنياً وفكرياً واضحاً كان لا بد منه، خصوصاً أن الفيصل هنا هو كيف قدم وجهة نظره بطريقة فنية غير مباشرة.

جدارة واستحقاق

أياً يكن الأمر فالعرض، الذي حصد جوائز المهرجان، حصدها عن جدارة، ويكفي أن لجنة التحكيم لم تمنحه جائزة النص إدراكاً منها لعدم أحقيته بها.

 

استطاع المخرج في عدة مشاهد تقديم نفسه بشكل جيد، والتعبير عن رؤيته بطريقة تنم عن مهارة فائقة، في بناء المشاهد ورسم خطوط الحركة والتعامل مع الإضاءة، الثابتة والمحمولة، فعندما أراد مثلاً التأكيد على تلاحم أبناء السويس استخدم الإضاءة (صممها إبراهيم الفرن) فجعل أسرتي الشاب والفتاة يجلسان على منضدة طعام واحدة، وتتبادل كل أسرة منهما الحديث في ما بينها، في حين أن كل أسرة قابعة في بيتها، كذلك الحوار بين الفتاة والشاب العاشقين، كل منهما في بيته، وتتكفل الإضاءة بجعلهما في مكان واحد، وغيرها من المشاهد التي تطلبت وعياً وحرفية في التنفيذ، واعتمدت على تقنيات سينمائية بأبسط الإمكانات.

الأحداث تدور داخل حارة شعبية (صمم الديكور مينا نبيل) لدينا مخبز ومقهى وبيوت وخلافه، هناك حركة دائبة، وإذا كان الحوار يدور بين شخصين أو عدة أشخاص، فإن باقي الممثلين فاعلون أيضاً من خلال الحركة، المرسومة بعناية، والحوار غير المسموع، أي أن وقوفهم على الخشبة لم يكن لمجرد ملء الفراغات بقدر ما كان جزءاً من المشاركة في الحدث، وتفعيلاً له.

اختار المخرج مقدمة خشبة المسرح للقاء شباب المدينة الراغبين في القيام بعمليات فدائية ضد العدو، وفي العمق الحارة بشخوصها وأحداثها، ونجح مهندس الديكور في تصميم المنظر المسرحي بما يناسب طبيعة المدينة والفترة الزمنية التي تدور الأحداث خلالها، واستجاب لمتطلبات المخرج لتجسيد أكثر من حدث في نفس الوقت من دون التشويش على المشاهد، فكل شيء كان محسوباً بدقة، وغير متروك للصدفة.

تكامل العناصر

وعلى الرغم مما أظهره العرض من مهارة لمخرجه، فإن هذه المهارة لم تكن لتضح بصورة جيدة لولا وجود مصمم إضاءة لديه رؤية هو الآخر وليس مجرد منفذ، حيث استطاع المصمم مجاراة المخرج في طموحاته، وفي إيقاعه اللاهث، والانتقال السريع والخاطف من لحظة إلى أخرى، ومن مكان إلى آخر، وهو أمر مرهق للغاية، وهفوة واحدة يمكن أن تفسده، وفي لحظات الصراع المحتدم بين والد الفتاة وأمها عندما كشفت له عن سر رفضه خطبتها، تجلت براعة الإضاءة في الكشف عن أدق انفعالات الممثلين اللذين لم يظلا في مواجهة بعضهما البعض طوال المشهد، فثمة حركة وثمة التفاتات سريعة ودوران كل منهما حول الآخر، وابتعادهما لمسافة طويلة، وإن ظلت الإضاءة راصدة ذلك كله وكأننا أمام شريط سينمائي لا أمام عرض مسرحي حي يُنفذ في التو واللحظة، بكل هذه الدقة.

لم تفلت الأزياء هي الأخرى (صممتها روان علاء) من فكرة الاعتناء بالتفاصيل كافة، حيث حرصت المصممة على الرجوع إلى أزياء تلك الفترة (ستينيات القرن الماضي) واستلهمتها، بخاصة تلك التي تستعملها الطبقة الشعبية في مدينة السويس، فناسبت بيئة العرض وفترته الزمنية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اختار المخرج ممثليه بعناية شديدة، ففي دور والد الفتاة الذي يمتلك مخبزاً، نجح محمد هاني بمواصفاته الجسدية في أداء شخصية ذلك الرجل الشعبي الوطني، المحب القديم والرافض لقصة حب ابنته، بطريقة واعية لأبعاد الدور ومتطلباته، أما الابنة نفسها "أسماء عمر"، فقد أدت مشهداً واحداً يكفي لتأكيد موهبتها وجدارتها بالجائزة الأولى في التمثيل، وهو عبارة عن رقصة في موقف حزين، بدت فيها، وبشكل مؤثر ومقنع، وكأنها تتمزق من داخلها، وبدا ذلك واضحاً في لغة الجسد، وبخاصة في تعبيرات وجهها، فضلاً عن مشاهدها الأخرى بالطبع، ولكن هذا المشهد تحديداً كان من أصعب وأنجح المشاهد.

وعلى الرغم من أدوارهما التي لم تشغل مساحة كبيرة داخل العمل، فقد تميز أداء هؤلاء الممثلين بالعمق والفهم الجيد والواعي لطبيعة وأزمة الشخصيات التي لعبها، نيفين أغا (جائزة الممثلة الثانية)، بسام عبد الله (جائزة الممثل الثاني)، وكذلك كريم محجوب، ونهاد سعيد، ومروان عنتر، ومحمد خلف، وعبد الرحمن السبكي، وسعاد الهواري، وفادي القاضي، ومحمد رشدي، ورنا حسن، وإبراهيم الزيادي.

المزيد من ثقافة