Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جوزيه ساراماغو يخوض الحرب في رواية أخيرة ومجهولة

"مَطارد" لم تتخط 70 صفحة لكنها تسائل حتمية العنف ووسائله

الروائي البرتغالي الراحل جوزيه ساراماغو (غيتي)

حين رحل الكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو عن هذه الدنيا عام 2010، ظننا جميعاً أن متعة قراءته التي لا تضاهى، باتت محصورة في الكتب التي نُشرت له وهو حي، واقتنعنا بذلك، نظراً إلى غزارة هذه الكتب التي تتضمن عشرين رواية وثلاث مجموعات قصصية وخمسة نصوص مسرحية وثلاث مجموعات شعرية وسبعة أبحاث، إضافةً إلى دفتر يوميات يقع في ستة مجلدات ضخمة ومئات المقالات. لكن هذا العملاق، الذي حصد جائزة نوبل للآداب عام 1998، ما برح يفاجئنا منذ وفاته بنصوص باهرة وغير متوقعة، آخرها رواية بعنوان "مَطارد" (Hallebardes) كان قد انطلق في كتابتها بضعة أشهر قبل أن توافيه المنية، لكن وفاته حالت دون تجاوزه الفصل الثالث منها. رواية غير منجزة إذاً، لكن هذا لم يمنع دار "سوي" الباريسية من نشر ترجمتها الفرنسية حديثاً، بالتزامن مع صدور نصها الأصلي في لشبونة، نظراً إلى قيمتها الأدبية الأكيدة، والطريقة الطريفة والحاذقة التي اعتمدها ساراماغو فيها لمقاربة موضوع الحرب والتأمل في نتائجها الرهيبة.

القصة التي تنتظرنا في هذا العمل، هي قصة محاسب في شركة برتغالية للصناعات العسكرية يدعى أرتور باز سيميدو، يحب عمله إلى حد تبريره ما تنتجه شركته من أسلحة قاتلة من منطلق ضرورة الحروب، على رغم أهوالها. وضعية تكلفه علاقته بزوجته المسالمة، التي تفترق عنه، وتدفعه يوماً إلى مشاهدة فيلم مقتبس من رواية أندريه مالرو "الأمل"، يكتشف فيه أن عمال شركة سلاح تم إعدامهم رمياً بالرصاص خلال الحرب الأهلية الإسبانية بتهمة تخريبهم القذائف التي تنتجها شركتهم. اكتشاف يقلب قدره رأساً على عقب، خصوصاً حين يحاور زوجته في هذا الموضوع.

وفعلاً، تقوده المحنة الأخلاقية التي يختبرها إثر مشاهدته هذا الفيلم إلى اتباع نصيحة زوجته، واتخاذ قرار التحقيق داخل شركته في مدى تورطها في الحرب الإسبانية والحرب العالمية الثانية، وكشف هوية الجهات المتقاتلة التي باعت هذه الشركة أسلحة لها وحجم هذه الصفقات. تحقيق يبرره لرب عمله برغبته في مقارنة أرقام المبيعات بين فترة الثلاثينيات والأربعينيات والفترة الراهنة، يؤدي إلى اكتشافات داخل أرشيف الشركة تجعله يتخلى عن قناعاته السابقة، ويتأمل في الحرب باعتبارها نبذاً خطيراً للأخلاق من جانب البشرية.

مآل هذه القصة غير متوافر، لكن المتوافر لحسن الحظ، هو الملاحظات التي خطها ساراماغو على هامش عمله على هذه الرواية، وتتضمن أفكاره حول الطريقة التي كان ينوي فيها ختمها. ملاحظات تحضر في نهاية النص على شكل دفتر يوميات ويسر الكاتب فيها أيضاً بأشياء كثيرة ثمينة حوله، منها أنه لطالما أثارت فضوله حقيقة أن شركات الأسلحة، بخلاف الشركات الأخرى لا تعرف الإضراب، متسائلاً حول مدى مسؤوليتها في الحروب التي وقعت إلى حد اليوم. تساؤل يواجهه بطله ويجازف داخل عمله للإجابة عنه.

التشكيك بالحرب

في ملاحظة أخرى بتاريخ 26 ديسمبر (كانون الأول) 2009، نقرأ، "شهران من دون كتابة. بهذا المعدل، قد يجهز الكتاب في العام 2020...". ومع أن ساراماغو نشط إثر هذا الاستنتاج في الكتابة وخط سبعين صفحة من هذه الرواية، لكن وفاته ستة أشهر بعد هذا التاريخ في جزيرة لانزاروت الإسبانية التي كان يقيم فيها، حال مع الأسف دون إنجازه نصها، السياسي بامتياز، الذي أراد صاحب "العمى" و"البصيرة" فيه تمزيق فكرة فائدة الحرب أو ضرورتها، والتشكيك بحتمية العنف المفترضة عبر تعريته الوسائل التي نضعها في تصرفه وتغذيه إلى ما لا نهاية.

 بالتالي، لا يحتاج القارئ تتمة "مَطارد" للاستمتاع إلى أبعد حد بقراءتها، إذ يحضر ساراماغو كاملاً فيها، بأسلوبه الروائي الشيق والفريد، الذي يعيد فيه ابتكار وظائف علامات الترقيم ويطوّع علم النحو بعبقرية مدهشة، بسرده الأخاذ وطرافته الساحرة المعهودة، بالتزامه النبيل قضايا عصرنا ووضعه الإصبع على مكامن ضعفنا وخلل مجتمعاتنا، وبالتالي على أسباب عذاباتنا، وخصوصاً مهارته في ابتكار شخصيات مؤثرة وشديدة الواقعية، مثل أرتور باز سيميدو، الذي هو عبارة عن مزيج من "كانديد" ومعلمه "بانغلوس" (في حكاية فولتير الفلسفية)، أو عن دون كيخوته راهن نتعلق به لطرافة شخصيته وطبيعة علاقته بزوجته، ولتحقيقه بمثالية ساذجة في موضوع يتجاوزه، شخصية يحثنا عدم اكتمال قصتها إلى تحريك مخيلتنا لسد هذا النقص ومحاولة الإجابة عن الأسئلة التي تراودنا أثناء القراءة، وأبرزها، "إلى أي مدى سيُسمح لأرتور في الذهاب في تحقيقه؟ وفي أي لحظة سيصبح هذا التحقيق مجازفة؟ وهل سيكلفه فضوله حياته؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفعلاً، تفتح الصفحات السبعون المتوافرة من الرواية حقل الممكنات كفاية لإثارة مخيلتنا وحثنا على تخمين تتمتها بأنفسنا. مهمة غير صعبة، خصوصاً لمن قرأ روايات ساراماغو السابقة وتآلف مع مشروعه الروائي ومآل قصصه وعِبَرها، علماً أن هذا النص لا يشكل فقط فضاء إصداء لصوت صاحبه فحسب، إذ نصغي فيه أيضاً إلى أصداء متأتية من مراجع أدبية وفنية أخرى، كما أشار إلى ذلك أحد النقاد، مستحضراً أفلام الإثارة (thriller) السياسية التي أخرجها كوستا غافراس، أو روايات الإيطالي ليوناردو سياسيا البوليسية وكتاباته الأخرى. ولا عجب أو مصادفة إذاً في قرار ناشر هذه الرواية استتباعها بنص طويل وضعه الكاتب المحقق في نفوذ المافيات الإيطالية، الإيطالي روبرتو سافيانو، في مناسبة تواري صديقه ساراماغو. نص يمنحنا فيه تأملاً شخصياً ومقلقاً في موضوع "مَطارد"، مبيناً أن لشخصيتها الرئيسة أصناء حقيقيين، أشخاصاً وجدوا أنفسهم في وضعيات حرجة دفعتهم إلى سلوك بطولي، وغالباً ما تعرضوا من جراء ذلك لتهديدات بالقتل، وأحياناً تم اغتيالهم.

يبقى أن نشير إلى أن ساراماغو في هذه الرواية، كما في جميع رواياته السابقة، لا يكتفي بإسقاط كلماته بمهارة لصوغ تأمل عميق في موضوعه،   بالتالي منح قارئه رأيه فيه، بل يعمد، من خلال جمله الطويلة المحبوكة بفن يملك وحده أسراره، إلى إرشاد هذا القارئ داخل تعرجات فكره المنير من أجل تحذيره من المخاطر، التي تتهدد عالمنا وحثه على الحراك. مخاطر لم تفت صديقه الآخر، الكاتب والرسام الألماني غونتر غراس، الذي أنجز لإكمال نص ساراماغو الأخير سلسلة رسوم حول موضوعي الحرب والعنف، تتوزع داخل صفحات الكتاب. رسوم تعبيرية معتمة وكابوسية توسع حقل خيال سردية "مَطارد" وتعزز وقع خطابها

المزيد من ثقافة