Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل لا يزال حياد الدول ممكنا؟

يكون سلبياً أو إيجابياً ويستلزم إعلام الأمم المتحدة أو عقد اتفاقات مع الدول المجاورة

تعد سويسرا الدولة المحايدة الأكثر شهرة وقدماً (غيتي)

ما دامت الحروب والمنازعات والأطماع سارية دوماً بين دول العالم، فإنه لا بد من تعريف وسطي للدول التي ترغب بالوقوف على الحياد، أي التي لا ترغب في الوقوف إلى جانب أي طرف من الأطراف، ولا تقوم بأي عمل يعد مشاركة في الصراع، على ألا يتم التعدي عليها من قبل الأطراف المتحاربين. وموقف الحياد هذا يمكن أن يكون سياسياً أو قانونياً أو مجرد إعلان. فللدولة المحايدة أن تسجل نفسها في الأمم المتحدة على أنها كذلك، أو أن توقع معاهدات مع الدول المجاورة بأنها لن تتدخل في شؤون صراعاتها، أو أن تعلن إعلامياً بأنها دولة تقف على الحياد. 

في العالم اليوم دول كثيرة تعد محايدة، ولو أن أكثرها شهرة هي سويسرا، إذ إنها أقدم دولة محايدة منذ عام 1516، أي بعد عام واحد من الهزيمة التي تكبدتها جيوش الكونفيدرالية الأولى في معركة مارنيون الشهيرة ضد الجيش الفرنسي. ويوجد حالياً عديد من الدول المحايدة، مثل: إيرلندا، والسويد، وفنلندا، والنمسا، وسويسرا، ومولدوفا، وتركمانستان، وهي دول مسجلة كدول محايدة في الأمم المتحدة. ولكي يتم قبول دولة كمحايدة تعريفاً هناك شروط لا بد من تحقيقها، ومنها: استقرار الدولة الداخلي اقتصادياً واجتماعياً، وتحقيق استقرار الدولة الخارجي، وبخاصة عدم وجود منازعات حدودية أو أيديولوجية مع أي دولة أخرى مجاورة.

الأمم المتحدة والحياد

الحياد هو ممارسة تمارسها الدولة والأمم المتحدة كمنظمة تسعى إلى وقف النزاعات والحروب ومحاولة الوصول إلى الحلول السلمية لكل أنواع المشكلات، وهو نوعان: حياد سلبي، أي بعدم التدخل التام، وحياد إيجابي، أي بالتدخل في تأمين الموارد الإنسانية والمساعدات أو للوساطة في حل النزاعات. 

في 2 فبراير (شباط) 2017، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة من دون تصويت القرار 71/275، الذي قدمته تركمانستان، حيث تعترف بها الأمم المتحدة كدولة محايدة بشكل دائم منذ 12 ديسمبر (كانون الثاني) 1995، والتي أشارت إلى الصلة بين الحفاظ على السلام وخطة عام 2030 والتنمية المستديمة، وأعلن يوم 12 ديسمبر يوماً دولياً للحياد.

وتعرف منظمة الأمم المتحدة الحياد على أنه الوضع القانوني الناجم عن امتناع دولة عن المشاركة في حرب مع دول أخرى، والحفاظ على موقف الحياد تجاه المتحاربين، واعتراف المتحاربين بهذا الامتناع وعدم التحيز.

وتكرست أهمية الحياد بسبب التوتر السياسي والأزمات المتصاعدة، فكان لا مفر بالنسبة إلى الأمم المتحدة من التمسك بمبادئ السيادة والمساواة بين الدول وسلامتها الإقليمية وتقرير المصير وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة أخرى، وتشجيع تسوية المنازعات الدولية بالوسائل السلمية بواسطة سياسة الحياد التي تسهم في تعزيز السلم والأمن في مناطق النزاعات على الصعيد العالمي. ويكمن دور المؤسسات الدولية التابعة للأمم المتحدة لتحقيق سياسة الحياد في الوساطة والمساعي الحميدة، وبعثات تقصي الحقائق، والتفاوض، واستخدام المبعوثين الخاصين، والمشاورات غير الرسمية، وبناء السلام، والأنشطة الإنمائية المستهدفة، على أن تضطلع البلدان التي لها صفة المحايدة بدور هام في تقديم المساعدة الإنسانية في حالات الطوارئ المعقدة والكوارث الطبيعية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الدبلوماسية الوقائية والوساطة

ويدخل في إطار الحياد العمليات السياسية القائمة على الدبلوماسية الوقائية، أي الإجراءات الدبلوماسية المتخذة للحيلولة دون تصعيد المنازعات، والحد من انتشار وتوسع النزاعات عند حدوثها، وهو العمل المنوط عادة بالمبعوثين الدبلوماسيين الموفدين إلى مناطق الأزمات بغرض تشجيع الحوار والتوصل إلى حلول توافقية وتسوية التوترات بالوسائل السلمية. 

وعلى صعيد الأمم المتحدة، يتقدم الأمين العام بـ"مساعيه الحميدة" إلى أطراف النزاع، إما شخصياً، أو بواسطة مبعوثين دبلوماسيين يرسلهم إلى مناطق التوتر في جميع أنحاء العالم. وتعد إدارة الشؤون السياسية وبناء السلام هيكل الدعم الرئيس لتلك الجهود، حيث تتولى تحليل النزاع، وتخطيط ودعم عمل مبعوثي السلام، والإشراف على أكثر من 12 بعثة سياسية ميدانية تعمل بمثابة منابر رئيسة للدبلوماسية الوقائية. وفي الحالات القصوى يقوم مجلس الأمن بدعم هذه الجهود، سواء سياسياً عبر قراراته الملزمة، أو عبر التدخل العسكري إذا اقتضى الأمر ذلك، كما حصل في كوسوفو، ورواندا، وليبيريا، وليبيا.

أما الوساطة فتبدأ قبل أن تتصاعد الخلافات بين الدول لتصبح نزاعات مسلحة، أو بعد اندلاع أعمال العنف، وأثناء تنفيذ اتفاقات السلام. ويتطلب نجاح الوساطة في النزاعات وجود منظومة ملائمة للدعم من أجل تزويد المبعوثين بما يلزم من الموظفين المساعدين والمشورة السليمة، وكفالة توفر ما يلزم من موارد لوجستية ومالية لإجراء المحادثات. وتشكل إدارة الشؤون السياسية وبناء السلام في الأمم المتحدة محور ارتكاز جهود الأمم المتحدة في صنع السلام. فالإدارة ترصد التطورات السياسية العالمية وتقدم المشورة إلى الأمين العام للأمم المتحدة في شأن منع الأزمات وإدارتها، بما يشمل الاستعانة بـ"مساعيه الحميدة" الدبلوماسية لمساعدة أطراف النزاع على تسوية منازعاتها بالوسائل السلمية. 

وتعمل الأمم المتحدة على تكريس الحياد في العالم، وفقاً للمادة الثانية من شِرعة تأسيسها، والتي تنص على أن جميع أعضاء الهيئة العامة للأمم المتحدة يفضون منازعاتهم الدولية بالوسائل السلمية على وجه لا يجعل السلم والأمن والعدل الدولي عرضة للخطر.

ويمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة، أو استخدامها ضد سلامة الأراضي، أو الاستقلال السياسي لأي دولة، أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة.

ويقدم جميع الأعضاء كل ما في وسعهم من عون إلى الأمم المتحدة في أي عمل تتخذه وفق هذا الميثاق، كما يمتنعون عن مساعدة أي دولة تتخذ الأمم المتحدة إزاءها عملاً من أعمال المنع أو القمع.