Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

معركة الحياد تكشف عن عمق الصراع على لبنان

بما أن "الوضع قد ينزلق إلى ما هو أكثر خطراً" فالمطلوب مساعدة بيروت لا تركها لإيران

متظاهر لبناني يقف وسط شارع أقفل بالإطارات المشتعلة احتجاجاً على الوضع الاقتصادي المتردي (أ ف ب)

لبنان، خلافاً لكثير من البلدان، يحتاج إلى "صيانة" دائمة. وهو إذ دعا المستشار النمساوي مترنيخ في النصف الأول من القرن الـ19، إلى "ما يصونه من العنف"، تعرّض تكراراً للعنف واستخدامه "ساحة" في الصراعات الخارجية.

اليوم، يدعو البطريرك الماروني بشارة الراعي إلى حياد لبنان في إطار القانون الدولي، على طريقة سويسرا والنمسا والسويد وفنلندا. وهي دعوة فتحت معركة تدور بالأصوات العالية في زحام الأزمات الوطنية والسياسية والمالية والاقتصادية والاجتماعية، والمطالبة الشعبية بالإنقاذ. ففي السابق، كانت الدعوات إلى الحياد، وقد تعدّدت في مراحل منذ الاستقلال، تبقى في إطار الحوار شبه الأكاديمي والسجال النظري. أما هذه المرة، فإن الحياد بدا كأنه قضية مصيرية، لا بل كأنه قضية حياة أو موت بالنسبة إلى طرفين: واحد خائف من خسارة لبنان التاريخي التعدّدي، " لبنان- الرسالة" والعيش المشترك كما وصفه البابا الراحل يوحنا بولس الثاني. وآخر خائف على مشروعه الذي يقترب في تصوّره من تحقيق الغلبة ضمن مشروع إيران الإقليمي.
واحد يعيد التذكير بالميثاق الوطني الاستقلالي، الذي بُني بقيادة رئيس الجمهورية بشارة الخوري ورئيس الحكومة رياض الصلح، على معادلات "لا شرق ولا غرب- لا حماية فرنسية ولا وحدة مع سوريا، لا مقرّ ولا ممرّ للاستعمار".

سياسة "النأي بالنفس"

ثم بالتفاهم بين الرئيس جمال عبد الناصر والرئيس فؤاد شهاب في "لقاء الخيمة" على الحدود اللبنانية - السورية. ثم باتفاق الطائف الذي نصّ على أن لبنان "وطن نهائي لجميع أبنائه". ثم بتقليد السابقة الصينية في مجلس الأمن لجهة "النأي بالنفس"، بحيث صارت سياسة "النأي بالنفس" عن حرب سوريا وصراعات المحاور الإقليمية، بنداً ثابتاً في البيانات الوزارية منذ حكومة الرئيس نجيب ميقاتي. وأخيراً بالتفاهم في عهد الرئيس ميشال سليمان على "إعلان بعبدا"، الذي نصّ على تحييد لبنان، وتبنّاه مجلس الأمن الدولي وتراجع عنه "حزب الله".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وثانٍ يشارك في الحكومة ويوافق على "النأي بالنفس" في البيان الوزاري، وينخرط في حرب سوريا إلى جانب النظام، ويكرّر التهجم على أميركا والسعودية.
ومع أن البطريرك الراعي أعلن بوضوح وتكرار استثناء الموقف من إسرائيل العدو ومن القضايا العربية، فإنّ الهجوم على الراعي ودعوة الحياد جاء من رجال دين ومدنيين شيعة. ولم يتورّع المفتي الجعفري الممتاز أحمد قبلان الذي نعى في السابق الميثاق الوطني، وما فعله بشارة الخوري ورياض الصلح، عن القول إن الحياد "حرام وخيانة". وليس بين التوقّعات ضمان الموافقة الدولية والإقليمية والمحلية على حياد لبنان في إطار القانون الدولي والدستور اللبناني. ولا بالطبع أن يلتزم "حزب الله"، "تحييد" لبنان بقرار سياسي عن صراعات المحاور، ولو وافقت كل القوى على ذلك. لكن الوقائع تؤكد أن دعوة بكركي إلى الحياد التي قوبلت بتأييد لبناني واسع، باستثناء "الثنائي الشيعي" ومعه العهد والحكومة، كشفت عن كامل البعد الحقيقي للصراع في لبنان وعليه، حيث محور "الممانعة والمقاومة"، وهو اسم مستعار للمشروع الإيراني. وهو نفسه البعد الحقيقي للصراع في سوريا واليمن والعراق، حيث يكرّر رئيس الجمهورية برهم صالح ورئيس الحكومة مصطفى الكاظمي ووزير الخارجية فؤاد حسين الحرص على منع تحويل العراق "ساحة للصراعات وتصفية الحسابات".

مشروع نهوض عربي


ذلك أن العداء لإسرائيل ليس اختصاصاً إيرانياً وشيعياً، بصرف النظر عن كون "فيلق القدس" يلعب في المنطقة والعالم، باستثناء إسرائيل. ولا هو بداية العالم ونهايته. ولا يصحّ أن يكون المقياس الوحيد لأيّ عمل وطني وسياسي واقتصادي.

والاحتجاج على الحياد، وإن كان المحتجون يعرفون أنه لن يحدث، هو عملياً احتجاج على أية محاولة لاستعادة لبنان من محور "الممانعة والمقاومة"، وعودته إلى موقعه الطبيعي في العالم العربي كبلد ينصّ دستوره على أنه "عربي الهوية والانتماء". وهي عودة تحدث تغييراً جيوسياسياً في الصراع الدائر على المسرح العربي بين إسرائيل وإيران وتركيا، برعاية أميركية وروسية. فضلاً عن أنها عودة تحتاج إلى أن تكتمل بمشروع نهوض عربي.
والمطلوب، ما دام الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط يرى "أن الوضع في لبنان خطير للغاية ويمكن أن ينزلق إلى ما هو أكثر خطراً"، هو مساعدة لبنان، لا تركه لإيران. فلا لبنان يمكن اختصاره بالمسؤولين في واجهة السلطة. ولا "حزب الله" الذي هو صاحب السلطة، يستطيع أن يكون صاحب لبنان.


 

المزيد من تحلیل