Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حين وضع برغمان كاميراه في خدمة "الناي المسحور"

الأوبرا تتجول فوق الخشبة والصورة تلاحقها بكل هدوء

مشهد من فيلم "الناي المسحور" لبرغمان (1975) (موقع الفيلم، الصورة خاضعة لحقوق الملكية الفكرية)

باكراً منذ الصباحات الأولى للسينما الصامتة حقق كل من سيسيل دي ميل عام 1915 وإرنست لوبتش عام 1918، فيلماً عن أوبرا "كارمن" للفرنسي جورج بيزيه. وكانت تلك البداية المزدوجة للتزاوج بين الأوبرا والسينما. ومنذ ذلك الحين وحتى الآن سيكون ثمة تاريخ طويل مشترك بين الفنين إلى درجة يمكن أن نقول معها إنها كانت نادرة تلك الأوبرات التي لم تُحوّل أفلاماً، وغالباً لاستحالة ذلك التحويل، ويصدق هذا الكلام بخاصة على بعض أصعب أوبرات فاغنر. المهم، على طول تاريخ الفن السابع شكلت الأوبرا مصدراً من الأكثر جدية لأفلام حملت عناوين أوبرالية لا لبس فيها. من "ريغوليتو" فيردي إلى "موسى وهارون" لشونبرغ، مروراً بـ"فيديليو" بيتهوفن و"بوريس غودونوف" لموسورغسكي.

لائحة تطول

والحقيقة أننا لو شئنا هنا وضع لائحة كاملة بالأفلام الأوبرالية وأخرى مكملة لها بأفلام جعل الواحد منها الأوبرا موضوعه الرئيسي حتى وإن لم يكن نسخاً لها (كما مثلاً في الجزء الثالث من "العراب" لكوبولا حيث تلعب أوبرا "الفارسة الريفية" نحو ثلث زمن الفيلم من دون أن تكون لها علاقة مباشرة بموضوعه) سنحتاج مساحة تفوق كثيراً تلك المخصصة لهذه الزاوية. أما ما نريد قوله هنا فهو ذلك الترابط وغالباً في أفلام شديدة الرقيّ بين المسرح الشعري العظيم وفنون الصورة المتحركة. وفي هذا السياق قد يكون من المفيد أن نذكر أن أوبرات عدة أُفلمت مرات عدة (ثمة عشرات الاقتباسات من "كارمن" مثلاً كما من "البوهيمية") بل ثمة من السينمائيين من جعلوا الأوبرا أساساً لعدة أفلام لكل منهم (فرانكو زيفيريللي مثلاً، أو الإنجليزي كينيت برانا الذي بين اهتماماته الشكسبيرية وإقدامه في الآونة الأخيرة على العودة إلى أشهر روايات آغاثا كريستي لأفلمتها من جديد وكان آخر عملين باهرين له في هذا السياق "جريمة في قطار الشرق السريع" و"جريمة على النيل" الذي لم يعرض في الصالات بعد).

ونحن لئن كنا قد ذكرنا تفوق الاقتباس عن موتسارت على اقتباسات من غيره من كبار الكلاسيكيين، لا بد من الإشارة إلى العدد اللامتناهي للاقتباسات السينمائية من "دون جوان" ولكن بخاصة من "الناي المسحور" تلك الأوبرا التي تنوعت اقتباساتها منذ فجر السينما بين أعمال للأطفال وأعمال للكبار. أعمال تأخذ الأوبرا في حذافيرها وأخرى تحاول قراءتها بين سطورها. ويمكننا أن نذكر عملين سينمائيين كبيرين انطلقا من "الناي المسحور" أحدهما في عام 2006 لكينيث برانا والثاني يعود إلى عام 1975 في ذلك الفيلم الفاتن الذي حققه إنغمار برغمان.

 

للحصول على راحة نفسية

فبين العامين 1974 و1975 وكان المخرج السويدي إنغمار برغمان قد انتهى من تحقيق واحد من أصعب أفلامه حتى ذلك الحين ونعني به فيلمه المزدوج "مشاهد من الحياة الزوجية"، والمزدوج بمعنى أنه حققه يومها في نسختين إحداهما من ست حلقات للتلفزيون، والثانية في أكثر من ساعتين للسينما، وبات في حاجة إلى الراحة إنما من دون أن يدري أن السنوات التالية خلال النصف الثاني من السبعينيات ستكون أكثر صعوبة عليه ولكن ليس لأسباب سينمائية إبداعية مباشرة، ولكن لأسباب إدارية ضرائبية كما سوف نعرف لاحقاً، حقق على التوالي فيلمين هما "الناي المسحور" و"وجهاً لوجه"، يحملان من التناقض في ما بينهما قدراً مدهشاً، لكنهما يلتقيان معاً وكل على طريقته مع الطرفين الأقصيين من المواضيع والأساليب التي ميّزت دائماً سينماه.

فهو لئن كان أول الأمر في حاجة إلى شيء من الراحة النفسية بعد أن استهلكت ساعات الحلقات التلفزيونية الطويلة التي صور عبرها النسخة الأطول من فيلمه الذي حققه للشاشتين الكبيرة والصغيرة، "مشاهد من الحياة الزوجية"، ها هو يحقق أول الأمر فيلماً قد يكون صعباً من الناحية التقنية لكنه بالتأكيد سيكون برداً وسلاماً عليه: "الناي المسحور" في اقتباس مباشر عن مسرحية موتسارت الشهيرة، ليتبعه على الفور بفيلم قد يكون سهلاً من الناحية التقنية، لكنه سيتبدى صعباً وقاسياً من الناحية النفسية وهو كما أشرنا "وجهاً لوجه" الذي سيشهد مجابهة على الشاشة الكبيرة من تلك التي اعتاد برغمان تصويرها إنما بين امرأتين هنا هما إنغريد برغمان وليف أولمان. بيد أننا سنتوقف هنا عن الحديث على هذا الفيلم لأن اهتمامنا سيتركز على "الناي المسحور" باعتباره أتى فذاً في رسم العلاقة بين فني السينما والأوبرا.

نحو إبداع تقني بسيط

في عمله على هذا الفيلم، حتى وإن كان برغمان سيتعامل مع موضوع أوبرالي تاريخي يعتمد على الديكور والملابس وعلى دقة التصوير الموسيقي، وبعيداً من التعامل بالطبع مع ممثليه المعتادين، لن يعرف التعب النفسي الذي رافقه طوال عمله على تلك المشاهد من الحياة الزوجية التي وضع فيها وفي حواراتها قسطاً كبيراً من روحه. بدا الأمر بالنسبة إليه هنا، إلى حد ما على أية حال، وكأنه يؤفلم عرضاً أوبرالياً بكاميرا وثائقية، فهو في نهاية الأمر لم يشأ أن يكون له أيّ تدخل غير تقني وإبداعي من الخارج، بحيث أنه وكما سيقول في تصريحات صحافية لاحقة تعمّد ألا يراجع أية تحليلات تتعلق بتاريخية الأوبرا الموتسارية متناسياً ما يذكره معظم مؤرخي سيرة موتسارت ودارسي أعماله عن الخلفيات الأيديولوجية والفكرية التي انطلق منها الموسيقي الكبير لوضع تلك الأوبرا. لقد فضّل برغمان القراءة الشكلية، بالتالي السطحية، للعمل ليس فقط على سبيل الراحة ولكن لكي يطلع من ذلك كله بفيلم بسيط مسلٍ وبديع لا أكثر.

وربما كان يريد بشكل موارب أن يستعيد شيئاً من ألق الطفولة في ذلك العمل الذي أتى ليربط حينها بين ضروب شغفه الفني الثلاثة: السينما، الأوبرا والمسرح. ولقد كان الأمر كذلك بالفعل، حيث أنه من أجل الفيلم، الذي حققه للتلفزيون إنما بلغة سينمائية كعادته في تلك السنوات حيث كانت محطة تلفزيونية من هنا وأخرى من هناك تتولى إنتاج جديده، لجأ إلى قاعة مسرحية حقيقية بل حتى تاريخية في منطقة دروتنينغهولم غير بعيد من ستوكهولم حيث قدم الأوبرا بإخراج مسرحي حقيقي، تاركاً لكاميرا مدير تصويره، سفن نيكفست المهمة الأصعب: تصوير الفيلم وكأنه عمل سينمائي حقيقي بما في ذلك تغلغل الكاميرا بلعبة تكاد تكون وثائقية، بين الشخصيات وفي صفوف متفرجين ينتمون في ردود فعلهم وملابسهم وتبرجهم إلى أزمنة قديمة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

شهور ممتعة متعبة

نجحت التجربة بالطبع. وحتى وإن كان العمل على "الناي المسحور" قد استغرق شهوراً طويلة وتطلب إمكانات تقنية استثنائية، فإنه لم يكن متعباً نفسياً بالنسبة إلى مخرجنا، بل شكل بالنسبة إليه ما يشبه فترة استجمامية سيقول حينها إنه كان في حاجة إليها، قبل أن يعود في إنتاجه التالي إلى الأفلام الصعبة، نفسياً إن لم يكن تقنياً.

مهما يكن من أمر لا بد أن ننقل هنا عن المبدع نفسه أن ذلك المشروع المتعلق بأوبرا موتسارت كان مشروعاً قديماً جداً لديه، بل أشبه بحلم صبا كان يهجس به، منذ شاهد قبل عقود طويلة الفيلم الذي حققه السير لورانس أوليفييه عن مسرحية شكسبير "هنري الخامس" (1944)، وتساءل بينه وبين نفسه: ترى لماذا لا يشتغل المبدعون على تلك الشاكلة حين يحققون للسينما – ثم للتلفزة لاحقاً – أفلاماً عن مسرحيات وأوبرات وما شابه ذلك، مقدمين العمل الأصلي كما هو ومن ثم تاركين الكاميرا تتحرك على سجيتها؟

كان ذلك هو جوهر هذا العمل. وبما أن النتيجة أتت طيّبة وكان لديه في نهاية الأمر فيلم مميّز ومسلٍّ، لن يزعج برغمان ما سوف يقال من أنه لم يعبأ كثيراً خلال العمل على الفيلم بأن يكون أميناً للرسالة "الماسونية" التي وضع موتسارت أوبراه كلها إنطلاقاً منها!

المزيد من ثقافة