Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

غيوم "أون لاين" تحتشد فوق العام الدراسي الجديد في مصر

منذ عقود تهيمن ثلاث كلمات على الأجواء المصرية الأسرية ومفاهيمها المصيرية وهي: الأسئلة والامتحانات والدرجات

مخاوف من انتشار جائحة كورونا وسط التلاميذ ومطالب بتحويل الدراسة إلى التعليم عن بعد  (أ ف ب)

عام ليس كمثله عام. واستعدادات لا ملمح لها أو معلم. وهرج مكتوم تدور رحاه على أثير مجموعات "واتسآب" باتت تعمل وكأنها خلايا سرية، ومرج صوته عال لعله يصل إلى من يهمه الأمر الذي تبقى هويته غير معلومة وإمكانية تدخله للحل غير معروفة.

أنين الأمهات من العام الدراسي المبهم الجديد، وأزيز الآباء الذي يناطح الطائرات المحلقة في محاولات النأي بالذات والعقل والفكر عن عام جديد يطرق الأبواب غير معلوم المصروفات وغير متوقع الإرهاصات يقفان على الجبهة المقابلة لفلذات الأكباد الذين يعيشون أزهى عصور الغياهب الدراسية والغيوم المدرسية.

غيوم مدرسية

الغيوم المدرسية في العام الدراسي 2020- 2021 تلوح في سماء مصر، وفي كل ركن من أركانها. بعضها تعمل وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني على إزاحته، والبعض الآخر يصر على التحليق فوق رؤوس الجميع.

الجميع في مصر يعلم أن العام الدراسي الجديد الذي يبدأ في كنف الوباء الذي قرر أن يبقى على ظهر الكوكب حتى إشعار آخر سيكون مختلفاً. أول مظاهر الاختلاف تبدو واضحة جلية على مجموعات "الأمهات" (الماميز) على "واتسآب" وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي. هذه المجموعات بدأت جهداً محموداً لمناقشة مشكلات الأبناء والبنات، وتبادل الخبرات وقصص النجاح، ثم تحول البعض منها إلى شوكة في حلق العملية التعليمية برمتها إذ تحولت "الماميز" إلى خبيرات في المناهج واستشاريات في الامتحانات وجهابذة في شؤون المعلمين و"متكتكات" محنكات في كل كبيرة وصغيرة تدور في كواليس ديوان الوزارة.

ديوان الوزارة أعلن قبل أيام عن خطة الإجراءات الوقائية تحسباً لخط سير وباء كوفيد-19 أو كورونا المستجد. الخطة تنص على "غلق الفصل المدرسي" في حال حدث أكثر من حالة مؤكدة لطلاب أو معلمين فيه لمدة 28 يوماً؛ وعلى "غلق المدرسة" في حال أغلق أكثر من فصل فيها. وهو ما يعد مؤشراً على زيادة معدل انتقال المرض، وذلك لمدة 28 يوماً؛ وعلى "غلق مجمع المدارس" في حال غلق أكثر من مدرسة، ثم "غلق مدارس قرية أو مدينة" إذا فرض الحجر الصحي في القرية أو المدينة؛ وعلى "غلق مدارس المحافظة" بناء على توصية لجنة إدارة الأزمة وتطور الوضع الوبائي على أن تطبق هذه الإجراءات على المدارس الحكومية والخاصة والدولية.

 

 

ضوابط عامة

أما الضوابط العامة للعام الدراسي الجديد، فقد أعلنها طارق شوقي وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، ممثلة في اعتماد الدراسة على القنوات التعليمية لشرح مناهج المواد الأساسية المدرجة في المجموع على أن تطبق الأنشطة والتطبيقات العملية على ما يشرح في هذه القنوات في أيام الحضور إلى المدرسة. وعن أيام الحضور، قال شوقي إنه "لن يقل عددها عن يومين قابلين للزيادة حسب الجدول المعلن من جانب كل مدرسة بعد تحقيق شرط التباعد الاجتماعي". وأوضح أن المنهج الدراسي سيدرس كاملاً على مدار الـ14 أسبوعاً وهي مدة الفصل الدراسي.

وما إن انتشرت تفاصيل الخطة الجديدة للعام الجديد الفريد في ظل الوباء حتى نشطت "غروبات الماميز" واشتعلت صفحات الأمهات المدشنة على "فيسبوك" ومعها مجموعات المعلمين المتضررين أشد الضرر من الإجراءات الاحترازية المتبعة لمنع انتشار كورونا من جهة والمنصات والبدائل التعليمية الرسمية المتاحة لشرح المناهج واختبار الطلاب من جهة أخرى لمواجهة أي خطة تصدر عن الوزارة ومباغتتها بخطط بديلة ترى الأمهات والمعلمون أنها الأمثل والأفضل.

حلول "مبتكرة"

"أفضل حل للعام الدراسي الجديد هو تحويله كله ليكون أون لاين مع إغلاق المدارس بالكامل"، "التصور الأمثل للعام الدراسي الجديد هو تقسيم الطلاب إلى قسمين يتناوبان الذهاب إلى المدرسة بنظام يوم ويوم"، "أعداد الإصابات بكورونا أصبحت قليلة جداً وليس هناك ما يدفعنا إلى تأجيل أو تقليل الأيام المدرسية. يجب العودة إلى النظام المدرسي العادي مع الكشف الدوري على الطلاب"، "أعداد الإصابات المعلنة لا علاقة لها بالواقع، زوجة ابن عمة جارتي تعمل في وزارة الصحة، وقالت لها إن الأعداد تزيد. يجب إغلاق المدارس تماماً وإن لزم الأمر إلغاء العام الدراسي كله"، "ربنا هو الحامي والحافظ. وزارة التربية والتعليم لا تنظر إلى الأمهات العاملات ولديهن أبناء وبنات صغار تجبرهم الوزارة على البقاء في البيت أغلب أيام الأسبوع. على الوزارة أن تجد للأم العاملة حلولاً"، وتمضي التنظيرات والتعليقات والمقترحات والمعلومات غير الموثقة في التواتر في مئات الصفحات والمجموعات العنكبوتية من دون هوادة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الهدنة الوحيدة التي تتخلل موجات وهبات التنظير والتخطيط الإستراتيجي للعام الدراسي الجديد ينعم بها الجميع حين يتناول برنامج "توك شو" ليلي جانباً من جوانب العام الدراسي الجديد. يشارك الوزير عبر مكالمة هاتفية هنا، يستضيف برنامج أحد مسؤولي الوزارة هناك، ينوه عن فقرة تستضيف "جبهة أمهات مصر" أو "اتحاد أمهات الطلاب" أو "طلاب مصر خط أحمر" أو "تعليم ولادنا وصحة أكبادنا" وغيرها، ما يؤدي إلى حالة من الاستنفار على متن هذه المجموعات، حيث تقسم القوات إلى قوة للمتابعة، وأخرى للتسجيل، وثالثة للتحميل، ورابعة للهجوم على خطوط الهواتف المعلن عنها لإيصال الصوت للمسؤول وطرح الخطط البديلة المتاحة دائماً وأبداً.

أبدية الخطط البديلة

أبدية الخطط البديلة المطروحة من قبل الأمهات تضع العام الدراسي الجديد في فوهة مدفع القيل والقال. المقولة الأكثر انتشاراً في الساعات القليلة التي تسبق بدء العام الجديد هي "التعليم عن بعد هو بعد عن التعليم". عدد المرات التي تتداول هذه الجملة وغيرها فيها، مما يحمل رفضاً واعتراضاً على التعليم عن بعد أكثر من أن يعد أو يحصى، لا سيما وأنه تجري إعادة تدويره ومعاودة طرحه. سعاد الناظر (38 عاماً) إحدى الأمهات الناشطات والنشيطات على عدد من مجموعات وصفحات الأمهات اللاتي يتداولن ويتناقشن في أمور تتعلق بالتعليم المدرسي. تقول إن "عداد الإصابة اليومي بكورونا على مدار شهر كامل يشير إلى انخفاض كبير، كذلك عداد الوفيات. ما الداعي إذاً إلى إبقاء الطلاب والطالبات في البيت ثلاثة أيام إضافة إلى عطلة نهاية الأسبوع واللجوء إلى التعليم عن بعد غير المجدي؟! الوزارة مخطئة تماماً في هذا القرار. يجب أن يعود الجميع إلى مدارسهم".

الوزير طارق شوقي، من جهته، رأى أن على المعارضين أن يعوا جيداً أن وباء كورونا ما زال قائماً وأخطاره ما زالت مستمرة، مشيراً إلى أن خطة الدولة للعام الدراسي الجديد هي رؤية متكاملة ومدروسة تتيح استمرار العملية التعليمية بالرغم من الوباء. وأضاف أن الخطة تنص على إجراءات صحية احترازية ممثلة في الالتزام بالتباعد وتقليل كثافة الفصول الدراسية، وهذا ما دفعنا إلى تقليل أيام الحضور إلى المدرسة وتقسيم الأيام بين الطلاب.

سعادة الإغلاق

الطلاب أنفسهم تطغى عليهم مشاعر السعادة لتقليل عدد أيام الحضور إلى المدرسة. مشاعر العداء الكلاسيكية التي يكنها الطالب تجاه المدرسة كمنظومة تتجلى في أزهى صورها. وعلى الرغم من أن أصوات أصحاب الشأن أنفسهم- جموع الطلاب والطالبات- خافتة لدرجة السكون التام، وذلك أمام الهجمة الشرسة لأصوات الأمهات، فإن الحديث معهم يسفر عن رؤى ذكية وأفكار منطقية وتقبلات تنويرية لا يفصحون عنها بالضرورة للأمهات الغاضبات المعترضات القلقات. أمجد حازم (17 عاماً) (طالب في المرحلة الثانوية) يقول إنه "أصبح يعتبر مناقشات والدته معه أو مع صديقاتها في شأن قواعد العام الدراسي الجديد أشبه بالموسيقى التصويرية". يضيف "أتفهم تماماً قلقها سواء بسبب الفيروس أو بسبب تقليل عدد أيام الذهاب إلى المدرسة. لكن المنطق يقول إنه يستحيل الجمع بين الإصرار على أن يكون العام الدراسي كما كان قبل كورونا، وفي الوقت نفسه أحصل على ضمانات بأنني لن أصاب بالفيروس. وإذ إنني فشلت تماماً في توصيل هذه الفكرة، فقد قررت أن أكتفي بهز رأسي كلما تحدثت والدتي عن الدراسة وكورونا".

ولا يرى حازم مشكلة في مسألة التعليم عن بعد، لا سيما أن مدرسته تتبع طريقة الفصول الدراسية عبر تطبيق "زووم" منذ الفصل الدراسي الثاني من العام الماضي. كما أن عدداً كبيراً جداً من المعلمين تمرس في تنظيم الدروس الخصوصية عبر التطبيق نفسه!

 

تطبيقات للجميع

التطبيقات العنكبوتية لا يمكنها الامتناع عن تلبية رغبات معلمي الدروس الخصوصية. وعلى الرغم من الإجراءات التي أعلنت عنها وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني ضمن حزمة قرارات العام الجديد في ظل كورونا، والتي تنص على ضوابط خاصة بـ"مجموعات التقوية"، فإن الغالبية لا تعيرها اهتماماً. مجموعات التقوية التي تعد البديل الأمثل للدروس الخصوصية، حيث تعقد المجموعة الأشبه بالدرس الخصوصي الجماعي، ولكن تحت إشراف المدرسة وفي مقابل مادي رمزي يحصل منه المعلم على النسبة الأكبر ولكن بطريقة قانونية، تعود بقوة هذا العام عبر جداول محكمة، واختيارات عدة يمكن أن يختار من خلالها الطالب المعلم الذي يفضله والمكان الأقرب إلى سكنه وتحت إشراف الوزارة. الغريب أن كثيرين من المعلمين يناهضون الفكرة ويشجعون الأهل على مقاطعتها على اعتبار أنها غير ذات جدوى "حيث الدرس الخصوصي لا غنى عنه سواء كان على أرض الواقع أو عبر أثير العنكبوت".

أثير العنكبوت

أثير العنكبوت يفرض نفسه لاعباً أساسياً هذا العام في ظل استمرار انتشار خطر الوباء، ويحسب له أنه خفف بنداً ثقيلاً مريعاً من بنود الإنفاق المنزلي، اسمه "بند السابلايز". هذا البند السنوي الذي يخشاه آباء مصر وأمهاتها، حيث قوائم مطالب ومشتريات إدارات المدارس التي يمعن بعضها في المغالاة والتطرف لم يختفِ كلياً، ولكن تقلص. وتقول هنادي سليمان (أم لطفل في الصف الأول الابتدائي في مدرسة خاصة) إنها في العام الماضي كادت تنفصل عن زوجها بسبب الـ"سابلاي ليست". "مناشف ورقية، أقلام رصاص هندسية وأخرى مخصصة لطلاب كليات الفنون الجميلة والتطبيقية، ألوان مياه وجافة وشمع، زينة كريسماس، زينة رمضان، زينة فالنتاين، زينة عيد الأم، عشرات الكراسات، رُزم أوراق للطباعة، حبر لطابعات الكمبيوتر، وغيرها من الطلبات التي تكلفت بضعة آلاف من الجنيهات. هذا العام، تسلمت سابلاي ليست صغيرة وخفيفة لأن عدد أيام الدراسة قليل".

الرزق القليل

"بارك الله في الرزق القليل" بهذه الكلمات الدالة وبنبرة كلها أسى شرح "عم صابر" صاحب مكتبة صغيرة لبيع الأدوات الدراسية في حي "ميدان الجامع" في مصر الجديدة (شرق القاهرة) الموقف الآني. نسبة إقبال الطلاب على شراء الكراسات والأقلام ولوازم الدراسة انخفضت جداً، لكن الكتب الأجنبية تحافظ على مكانتها إلى حد ما. وذيل عم صابر تقييمه لبداية العام الجديد بقوله "الله يخرب بيتها الكورونا".

وبشكل مختلف ولكن بالمعنى ذاته شرح عضو مجلس إدارة شعبة الأدوات الكتابية والمدرسية في غرفة القاهرة التجارية، مصطفى خالد حسن، ما جرى على هذا الصعيد بفعل كورونا. قال إن اختلاف نمط العام الدراسي الجديد بسبب الوباء أثر سلباً على نسب المبيعات هذه الأيام، والتي كانت تصل أوجها في العقود الماضية. وأضاف أن الوباء وآثاره الاقتصادية انعكسا انخفاضاً في نسبة المبيعات بنسب تراوح بين 30 و50 في المئة، على الرغم من التخفيضات الكبيرة التي يروج لها. كذلك انخفضت فاتورة الاستيراد بنحو 40 في المئة مقارنة بالعام الماضي لوجود وفرة من العام الماضي بعد ما تأثرت سوق الأدوات المدرسية في الفصل الثاني من العام الدراسي الماضي.

أسئلة امتحانات درجات

منذ العام الدراسي الماضي، وقبل الماضي، وقبل قبل الماضي، وصولاً إلى بدء تدهور العملية التعليمية في مصر في سبعينيات القرن الماضي تهيمن ثلاث كلمات على الأجواء المصرية الأسرية ومفاهيمها المصيرية. "الأسئلة الامتحانات الدرجات".

هذه الكلمات الثلاث تسيطر سيطرة كاملة على عقول الملايين من الآباء والأمهات والطلاب والطالبات والمعلمين والمعلمات، ولا تتزحزح قيد أنملة ولو كان الداعي إلى التغيير كورونا. مراراً وتكراراً يتحدث الوزير طارق شوقي عن المفهوم الجديد للعملية التعليمية، حيث نواتج التعليم هي الأهم من البحث عن الأسئلة وصم الإجابات وتفريغها على الورق وصراع التصحيح والحرب من أجل اكتناز الدرجات. يحاول شوقي كلما أتيحت له الفرصة أن يدعو الأهل والطلاب إلى اعتناق المفهوم الجديد، ألا وهو أن النجاح ليس الحصول على المجموع بعد "تقفيل" (إجابة الأسئلة جميعها إجابات صحيحة تضمن الدرجات النهائية) الامتحان، وقبلها رحلة بحث مضنية عن الأسئلة المتوقعة وحفظ الإجابات النموذجية.

الأسئلة المرتقبة في العام الدراسي الجديد لن تأتي من المنهج! هذا ما أعلنه الوزير شوقي. وهذا ما أدى إلى حالة من الهلع ووضعية من التأهب للهجوم على الوزير والمنظومة الجديدة والمطالبة بإبقاء الوضع على ما هو عليه، ويكفيهم ما فعلته كورونا.

وأمام هجمة الأمهات وغزوة التمسك بتلابيب النظام القديم تنهار كورونا وتنزوي مخاوف الأهل على أبنائهم وبناتهم منها. ويظل العام الدراسي الجديد الذي يبدأ تباعاً في المدارس الخاصة ورسمياً 17 أكتوبر (تشرين أول) الحالي جديداً شكلاً وموضوعاً بفعل كورونا ومنظومة التعليم الجديدة وإطلالة "أون لاين" المستمرة وجهود "غروبات الأمهات" مع الإبقاء على باب اللجوء إلى التعليم عن بعد كلياً أو إغلاق المدارس جزئياً أو انقلاب أوضاع رأساً على عقب بحسب ما تمليه الظروف والأحوال والمتطلبات.