ملخص
بدت فرنسا وكأنها تصارع البقاء في القارة السمراء، بخاصة بعد تراجع نفوذها على خلفية خسارتها عدداً من مستعمراتها الأفريقية على غرار مالي وبوركينا فاسو والنيجر والغابون والتشاد، إثر انقلابات عسكرية تسببت في إنهاء أنظمة سياسية موالية للدبلوماسية الفرنسية، وهو فراغ سارعت دول كروسيا والصين لتعبئته سريعاً عبر أدوات عسكرية واقتصادية.
كثفت فرنسا من تحركها الدبلوماسي خلال العام الحالي في ليبيا التي تعاني منذ سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011 الانشقاق الأمني والانقسام السياسي، حيث توجد حكومتان على الأرض واحدة في الشرق والأخرى بالغرب الليبي، ولكل منهما ذراع أمنية.
وبدت فرنسا وكأنها تصارع البقاء في القارة السمراء، بخاصة بعد تراجع نفوذها على خلفية خسارتها عدداً من مستعمراتها الأفريقية على غرار مالي وبوركينا فاسو والنيجر والغابون والتشاد، إثر انقلابات عسكرية تسببت في إنهاء أنظمة سياسية موالية للدبلوماسية الفرنسية، وهو فراغ سارعت دول كروسيا والصين لتعبئته سريعاً عبر أدوات عسكرية واقتصادية.
ورفعت فرنسا أخيراً من وتيرة عملها الدبلوماسي في ليبيا، محاولة تجاوز صورتها النمطية المرتبطة بدعمها العسكري لمعسكر "الرجمة" بقيادة المشير خليفة حفتر في حربه على العاصمة الليبية طرابلس عام 2019، حيث عثر على منصة صواريخ تابعة لفرنسا في غريان الليبية.
وتحاول فرنسا الحفاظ على بقايا نفوذها في أفريقيا انطلاقاً من ليبيا الغنية بالموارد النفطية، بخاصة أنها كانت إحدى مستعمراتها السابقة، إذ سبق أن احتلت فزان (جنوب) بين عامي 1941 و1943، التي يمثل موقعها الجغرافي حلقة ربط بين مستعمرات فرنسية عدة في القارة الأفريقية.
وسارع السفير الفرنسي الجديد في ليبيا تييري فالات بعد اعتماده مباشرة إلى عقد لقاء مع رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، وهو تحرك جاء مباشرة بعد زيارة قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا أفريكوم الجنرال داغفين أندرسون، إلى ليبيا خلال الأيام القليلة الماضية.
تحسين الصورة
في قراءته الموضوع، يقول المستشار العسكري السابق للمجلس الرئاسي ولجنة الأمن القومي للمجلس الأعلى للدولة العميد عادل عبدالكافي، إن فرنسا تسعى إلى تجميل صورتها في ليبيا مستغلة الأدوات الدبلوماسية عوض الدعم العسكري لطرف من أطراف الصراع على حساب الآخر.
ويؤكد عبدالكافي لـ"اندبندنت عربية" أن الأطماع الفرنسية ما زالت مصوبة نحو الجنوب الليبي، بخاصة أن فزان إحدى مستعمراتها السابقة، مشدداً على أن أولوية فرنسا الحالية تأمين استمرار استثماراتها في ليبيا، بخاصة أنها تمتلك شركة من الشركات العملاقة في الأنشطة النفطية تعرف بـ"توتال" Total، وهي في حال تنافس متواصل مع نظيرتها الإيطالية "إيني" ENI.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وشركة "توتال" الفرنسية موجودة في ليبيا منذ عام 1954، وتسهم في تطوير حقول نفطية ليبية على غرار "المبروك" و"الشرارة" و"الواحة"، وتننج ما يقارب 600 ألف برميل نفط يومياً أي ما يعادل نصف إنتاج ليبيا اليومي من النفط، وينوه عبدالكافي إلى أن "توتال" هي إحدى أهم الأدوات الدبلوماسية الاقتصادية التي تتحرك عبرها الدولة الفرنسية في ليبيا.
ويرى أنه على مدى عقود أدت فرنسا دوراً سيئاً في دول الساحل والصحراء الأفريقية، وأيضاً في ليبيا التي فقدت فيها موقعها وإمكاناتها مقارنة بالنفود الروسي، كما هي الحال في دول الساحل والصحراء الأفريقية، لذلك هي تسعى الآن إلى استغلال التغيرات السياسية في ليبيا من خلال التحرك الذي تقوده "أفريكوم"، الذراع العسكرية للسياسة الخارجية للولايات المتحدة، التي تحاول إحداث تقارب بين بعض القوى في طرابلس وفي الجنوب الليبي بالتنسيق مع معسكر "الرجمة" لتشكيل نواة قوة معنية بحماية الحدود الليبية.
ويؤكد عبدالكافي أن فرنسا تبحث عن دور لها تحت العباءة الأميركية من خلال المشاريع التي تستفيد منها كل من تركيا ومصر في المنطقة الشرقية والغربية، إذ تحاول هي الأخرى أن يكون لها دور على صعيد الاستثمارات النفطية، لأن هناك اتفاقات أبرمت في واشنطن بين أطراف من حكومة طرابلس وأميركا تهم الاستثمارات في النفط الليبي، لذلك هي تسعى إلى أن يكون لها حصة في هذه الاستثمارات حتى تعزز وجودها في ليبيا.
تحرك متأخر
وعن تحرك فرنسا الكثيف في العام الحالي، يقول المتخصص في الشؤون الأمنية والسياسية الليبية إنه يعد متأخراً، لأن الدور الروسي واسع ومتغلغل في المنطقة الشرقية والجنوبية ومنه نحو أفريقيا، والولايات المتحدة من جهتها تتلاعب بالطرفين شرقاً وغرباً، إذ استطاعت إحكام السيطرة على المشهد العسكري باعتباره المدخل للسيطرة على بقية المجالات السياسية والاقتصادية داخل الأراضي الليبية، مؤكداً أن فرنسا تحاول استغلال العباءة الأميركية من خلال عودتها للمشهد عبر توسيع نفوذها بإشراكها في استثمارات اقتصادية.
ويضيف أن التمدد الروسي والوجود الأميركي والتركي والإيطالي، جعل فرنسا تشعر أنها استبعدت من المشهد بسبب مناصرتها عسكرياً أحد أطراف الصراع (حفتر)، لذلك تسعى إلى العودة من البوابة الخلفية حتى تعزز وجودها داخل ليبيا بالمرور عبر صفقات اقتصادية، أو التأثير في المسار السياسي أو العسكري، حتى تكون قريبة من المشهد الليبي الذي فقدت زخمه، فحتى معسكر "الرجمة" لم يعد يثق بها بعدما تخلت عنه إبان فشله في السيطرة على طرابلس في أبريل (نيسان) عام 2019.
ويستبعد المتحدث ذاته أن يصير لفرنسا دور سياسي أو عسكري مستقبلاً في ليبيا، موضحاً أن تحركاتها الدبلوماسية تصب فقط في خانة المحافظة على استثماراتها في البلاد، لا سيما أن الولايات المتحدة لا تقبل بشراكات كهذه، لأنها تسعى إلى السيطرة على المشهد العسكري، الذي تستطيع عبره أن تؤثر في المسارات السياسية والاستثمارات النفطية داخل ليبيا.
عامل مؤثر
من جهته، يقول المحلل والكاتب السياسي إبراهيم لاصيفر إن فرنسا لم تبد أي تغير في سياساتها في ليبيا بصورة خاصة، وفي أفريقيا بصورة عامة، مؤكداً أن باريس كانت وما زالت عاملاً مؤثراً في المعادلة الليبية، والجميع يعرف الدور الذي قامت به في الثورة عام 2011، حين كانت محركاً مهماً ورئيساً في إصدار القرار 1971، الخاص بحماية المدنيين واستهداف قوات القذافي التي كانت تنوي البطش بالمعارضة الليبية.
ويواصل أن انتهاج فرنسا نهجاً آخر باصطفافها مع حفتر، وضبط بعض الأسلحة الفرنسية في مدينة غريان خلال حرب 2019، أضر بصورتها في ليبيا، مما دفعها الآن إلى البحث عن موطئ قدم لتكون لاعباً رئيساً كعادتها، بخاصة بعد خسارتها نفوذاً مهماً لمصلحة روسيا في مالي والنيجر، وفي أفريقيا الوسطى والكونغو.
ويرى لاصيفر أن فرنسا لا تريد التضحية بكل أوراقها في أفريقيا، وليبيا إحدى أهم هذه الأوراق بالنسبة إليها، ففرنسا متداخلة في الشأن الليبي عبر صراع النفط والطاقة من خلال شركة "توتال"، كذلك فإنها تضع حقل NC7 من حوض "غدامس" نصب عينها، إذ تحاول أن تلعب على المتناقضات الدولية باصطفاف واضح ومباشر مع المعسكر الشرقي، ومن خلال عملية دبلوماسية بروتوكولية مع المعسكر الغربي.
ويلاحظ الكاتب السياسي أن فرنسا دولة مهمة تلعب على مصالحها، وبحث الدول عن توسعها الخارجي ليس بمعيب في مصطلح السياسة الدولية، داعياً الساسة الليبيين إلى لعب دور فرنسا نفسه لتكون العلاقة مع البلدين علاقة مصالح متبادلة، ففرنسا دولة مهمة في مجلس الأمن، وهي من الدول الخمس الدائمة العضوية التي تتمتع بحق النقض، لذلك فإن بناء جسور العلاقة السياسية الحقيقية التي تصب في مصلحة البلدين أمر مهم جداً.
ويشير لاصيفر إلى أنه حتى الآن لم تقدم فرنسا أي تغير في خطابها مع ليبيا، فعلى أرض الواقع من يغير المعادلة هي الدول المتدخلة بصورة مباشرة التي تمتلك قواعد اللعبة، وهنا الحديث يدور عن الدول التي تمتلك قوات عسكرية نظامية أو غير نظامية، والمتحالفة مع الطرفين مثل تركيا وإيطاليا وروسيا، مما يعني أن فرنسا تستحوذ على هذا القدر من التغيير، غير أن صوتها في مجلس الأمن الدولي مهم جداً، ويجب على الساسة الليبيين تقديم مصلحة ليبيا في عملية التعاطي مع الدولة الفرنسية.