Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جوناثان كو يكتب رواية الصراع الأهلي حول "بريكست"

"وسط أنجلترا" ترصد مخاوف البريطانيين من أوروبا والمهاجرين وصعود النزعة القومية

الروائي البريطاني جوناثان كو (غيتي)

ثمّة مواضيع نعرف مُسبقاً مَن مِن الروائيين سيلمع في مقاربتها، لا لأنه يملك معطيات عنها لا يملكها الروائيون المعاصرون له، ولا لأنه يتفوق عليهم بقدراته السردية والكتابية، بل لأنه يتمتع بحس "إنسانوي" نادر يمنح معالجته ما تتطلبه من عمق وواقعية، ويمد خطابه بما يلزم من رقة وبصيرة كي يترك أثراً بليغاً على نفوس قرائه.

وينطبق هذا الأمر على استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) ــ بأسبابه وتبعاته ــ الذي حظي بمقاربات روائية كثيرة ذات قيمة متفاوتة، قبل أن يتناوله الكاتب البريطاني جوناثان كو في روايته "وسط إنجلترا". رواية رائعة صدرت ترجمتها الفرنسية حديثاً عن دار "غاليمار" الباريسية، ولا تعالج بصفحاتها الغزيرة (554) الموضوع المذكور فحسب، بل مواضيع أخرى كثيرة جانبية يتعذر تجنبها لفهم ما دفع 52 في المئة من البريطانيين عام 2016 على أخذ ذلك القرار المؤسف الذي صدم كثيرين، سواء داخل بلدهم، أو خارجه.

أحداث الرواية تقع في مدينتي برمنغهام ولندن وتغطي الفترة الممتدة من 2010 إلى 2018. فترة شهدت بريطانيا خلالها تراجعاً مقلقاً في قيم التسامح واحترام الآخر التي كانت تميز مجتمعها، كما شهدت إغلاق ما تبقى من مصانع كبرى فيها، وبالنتيجة، ارتفاع معدل البطالة بشكل خطير أدى إلى تظاهرات وأحداث شغب في معظم مدنها. وعلى هذه الخلفية يرفع كو صرح روايته، مستعيناً لسرد قصتها بشخصيات سبق وقدم معظمها في "روترس كلوب" (2001) و"الحلقة المغلقة" (2004). ولمن لم يقرأ هاتين الروايتين، نشير إلى أن الأولى تعود إلى سنوات فتوة بطلها، بنجامين تروتر، ورفاقه خلال مرحلة السبعينيات التي مهدت السبيل، بالأزمة الصناعية التي عرفتها وإرهاب "جيش أيرلندا الجمهوري" وصعود اليمين المتطرف، لمجيء الـ"تاتشرية" (نسبةً إلى مارغريت تاتشر). وفي الرواية الثانية، يتابع الروائي مغامرات حياتهم مطلع الألفية الثالثة، على خلفية اجتياح العراق (2003) واحتداد التوترات العرقية في الشمال البريطاني.

رواية داخل الرواية

أما في "وسط إنجلترا"، فنرى بنجامين تروتر في سن الخمسين يعيش وحده في طاحونة حوّلها إلى منزل جميل وتقع في ريف برمنغهام. حياة هنيئة تسير على وقع الموسيقى الكلاسيكية التي يصغي إليها باستمرار أثناء عمله على الرواية التي بدأها وهو طالب في جامعة أكسفورد. رواية ضخمة تتجاوز عشرة آلاف صفحة، وتتضمن مقطوعات موسيقية من تأليفه، ويسرد فيها قصتين: قصة أوروبا منذ انضمام بريطانيا إلى السوق الأوروبية المشتركة عام 1973، وقصة الحياة التي لم يعشها، منذ النكسة العاطفية التي اختبرها في صباه مع الشابة سيسيلي. ولأنه بات يتعذر عليه تقييم هذه الرواية بسبب السنوات الطويلة التي أمضاها في العمل عليها، يطلب من رفاق الأمس رأيهم فيها. ونتيجة النصائح التي يتلقاها منهم، يجد نفسه مضطراً إلى عدم الاستبقاء منها سوى الجزء الذي يتعلق بقصته مع سيسيلي. نصائح صائبة لأن الرواية، على الرغم من رفض ناشرين كُثُر إصدارها في حلتها الجديدة، ثم صدورها عن دار نشر صغيرة هامشية، لا تلبث أن تخترق اللائحة الطويلة لجائزة "مان بوكر" العريقة وتمنح صاحبها انقشاعاً وبحبوحة مادية لم يكن يتوقعهما.

إلى جانب بنجامين، لدينا والده العجوز كولين الذي يتخبط في المرارة والحنين إلى الماضي نتيجة فقدانه رفيقة دربه وتغير كل معالم بلده حوله. لدينا أخته الكبرى لوييس التي تسعى عبثاً لتجاوز المأساة التي عاشتها عام 1974، حين شاهدت حبيبها يموت ممزقاً بتفجير إرهابي؛ مأساة تفسر جزئياً فشل زواجها من كريستوفر وقرارها في نهاية الرواية الافتراق عنه والعيش قرب أخيها. لدينا ابنة لوييس، سوفي، وهي أستاذة جامعية في تاريخ الفن تقرر، بعد مللها من العلاقات العاطفية القصيرة التي اختبرتها مع شبان مثقفين وجامعيين مثلها، الاقتران بالشاب إيان الذي يعمل مدرب قيادة سيارات. علاقة رقيقة لا تلبث أن تتوتر حين تذهب الترقية التي كان إيان ينتظرها في عمله إلى زميلته السمراء ذات الأصول الشرقية، ويبدأ بالإصغاء أكثر فأكثر إلى أمه العنصرية إيلينا.

خارج عائلة تروتر، لدينا دوغ، صديق بنجامين، وهو محرر سياسي يكتب بانتظام مقالات نقدية حول فشل سياسات اليمين البريطاني التقشفية ونتائجها الخطيرة على الفقراء، لكن لا تمنعه مواقفه اليسارية من الارتباط بعلاقة عاطفية مع النائبة اليمينية، إثر افتراقه عن زوجته الثرية. لدينا ابنته المراهقة كورياندر التي تحتقر والديها على حد سواء، ولا تلبث سوفي أن تدفع ثمن مواقفها اليسارية الراديكالية وبحثها المحموم عن "العدالة". لدينا أخيراً ــ وليس آخراً ــ شارلي صديق طفولة بنجامين الذي يكسب قوته من العمل مهرجاً في حفلات للأطفال ويسعى جاهداً للاعتناء بالفتاة الواعدة أنيكا على رغم رفض أمها أي علاقة جدية معه بسبب فقره.

سؤال "بريكست"

وقد يقال هنا: كل هذا جيد، لكن ما علاقته باستفتاء "بريكست" وبالوضع السياسي والاجتماعي الذي قاد إليه وحدد نتيجته، وبذلك الذي نتج منه؟ الجواب على هذا السؤال يكمن في طريقة التوزيع الحاذقة للأدوار داخل الرواية وتفاعل شخصياتها، وبالتالي في خلط كو بمهارة لافتة الخرافي بالحدثي. فعن طريق الصدمة التي يتلقاها كولين العجوز، حين يرى أن مصنع السيارات الذي كان يعمل فيه أغلقته الحكومة البريطانية، مثل معظم المصانع الكبرى، وصرفت عماله الكثر، يعي القارئ أسباب تفاقم البطالة في بريطانيا، وبالتالي أسباب البؤس والغضب المستشريين فيها. ومن خلال مقابلة مسيرة بنجامين بعد دخوله مدرسة خاصة معروفة ثم جامعة أكسفورد، بمسيرة صديق طفولته شارلي الذي أنجز تعليمه في مدرسة وجامعة حكوميتين، يتجلى جور النظام التربوي البريطاني وعدم مساواته بين أبناء البلد الواحد. وحين يحطم شاب هاتف الفتاة الليتوانية غريتا التي تعمل في منزل إيلينا، أمام عيني هذه الأخيرة، لأنها كانت تتكلم بلغتها الأم مع أختها، ويصرخ في وجهها: "هنا نتكلم الإنجليزية فقط!"، ثم "تنصحها" إيلينا بمغادرة البلاد مع زوجها بدلاً من مرافقتها إلى مركز الشرطة للإدلاء بشهادتها، يتبين كيف تحول المهاجرون في بريطانيا إلى كبش محرقة خلال السنوات العشر الأخيرة. وحين يتلقى إيان ضربة على رأسه تفقده وعيه وتجبره على ملازمة المستشفى خلال أسابيع، فحسب لأنه حاول ردع شبان عن تحطيم واجهة متجر حلويات خلال أحداث الشغب التي شهدتها المدن البريطانية عام 2011، تتضح  الفكرة عن طبيعة العنف الذي كان سائداً في شوارعها آنذاك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبينما نتعرف، عن طريق اللقاءات المنتظمة بين الصحافي دوغ ونائب مدير الاتصالات في حكومة ديفيد كاميرون، الشاب نيغل، إلى سياسة التقشف التي اتبعتها هذه الحكومة وأدت إلى تعميق الهوة بين الأثرياء والفقراء، أو إلى دافع تنظيم كاميرون استفتاء "بريكست" (يقينه الساذج بأنه سيتمكن من التلاعب به وتجيير نتيجته لمصلحته الخاصة)، أو إلى لغة السياسيين المنمطة التي تبقى بعيدة كل البعد عن الواقع الذي تدعي محاصرته؛ يأخذ القارئ  فكرة دقيقة عن الدور الذي أداه بعض رجال السياسة الشعبوية قبل الاستفتاء وبعده في تعزيز مخاوف البريطانيين من أوروبا، و"الغرباء" عموماً، وفي تأجيج المشاعر القومية داخلهم، عبر تطعيم الكاتب سرديته ببعض خطاباتهم وشعاراتهم. أما الانقسام العميق داخل المجتمع البريطاني الذي أحدثه الاستفتاء، فيتجلى في تمزق علاقة سوفي وإيان وافتراقهما نتيجة اختلاف رؤيتهما لمستقبل وطنهما.

باختصار، تمنح "وسط إنجلترا"، أفضل من أي دراسة أو بحث علمي، صورة واضحة ومفصلة عما حدث في بريطانيا خلال السنوات الثماني المقاربة، علماً بأن قيمتها لا تكمن في ذلك بقدر ما تكمن في البورتريه الدقيق الذي يخطه كاتبها لأبناء وطنه ويعري فيه برقة مكامن ضعفهم، وضعف الكائن البشري عموماً. وفي هذا السياق، تمس القارئ في العمق، الطريقة التي ينقل فيها شكوى عجوز متقاعد فقد زوجته وينتظر موته القريب، أو مقاربته الحساسة للقلق الملازم لمنتصف العمر وتحويله إياه إلى نشيد احتفاء بالأشياء التي تتغير وتلك التي تبقى على حالها، أو تجسيده البارع لصراع الأجيال.

ولإنجاز كل هذا، يستعين كو بلغة سيالة وصائبة، وبطرافة ناجعة تظهر خصوصاً في مشاهد لم يخطئ أحد النقاد بوصفها بـ"المنمنمات الكاملة": عشاءات، جنازات، محاولات فاشلة ومضحكة لممارسة الجنس في سن الخمسين. طرافة تلطف جدية موضوعات الرواية وتجعل من قراءتها متعة حقيقية، من دون أن تبدد الكأبة التي تصبغ نصها وتنبع تارةً من العبور السريع للزمن، الملموس داخلها، وتارةً من حنين بعض شخصياتها إلى أشياء توارت (كولين، بنجامين)، وتارةً من ضياع سنوات طويلة إما في الكراهية (إيلينا) أو في حب الشخص غير المناسب (بنجامين) أو في علاقة زوجية غير مرضية ومحكومة بالفشل (لوييس، دوغ).

المزيد من ثقافة