Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ثلاثية لزرع الأمل من المخرج الهوليوودي فرانك كابرا

روج لسياسات سيد البيت الأبيض ووضع  اسم المخرج فوق العنوان

مشهد من فيلم "مستر ديدز في المدينة" (غيتي)

لم يكن من سمات السينما الأميركية أن تربط أسماء كبار مبدعيها بتيارات أو شخصيات سياسية محددة، وإن كان من المعروف أن شخصية الرئيس التي تعكس وجود تيار شعبي عريض جاء به إلى السلطة وتحلق من حوله، تعكس توجهات عامة تطاول نوعيات الأفلام المحققة كما تطاول بعض الفنون الأخرى. فمثلاً يمكننا أن نتحدث عن سينما تسير في خط الانفتاح الذي مثله كنيدي، وأخرى تسير في خط الانغلاق الذي مثله ريغان، من دون أن يعني هذا أن هناك سينمائياً يمكن أن ينتسب إلى كنيدي أو إلى ريغان.

سياسة الرئيس على محك السينما

 مع ذلك لو أننا درسنا عن كثب تلك المواضيع التي حملتها ثلاثة على الأقل من الأفلام الكبيرة التي تحمل توقيع المخرج الهوليوودي، من أصول إيطالية، فرانك كابرا، سنخرج بانطباع أقل ما يوحي به إلينا، هو أن الأفلام الثلاثة معاً يمكن أن تعد المعادل الفني لتلك السياسة الاقتصادية "العجائبية" التي مكنت الرئيس روزفلت منذ وصوله إلى السلطة في سنوات الثلاثين من القرن العشرين، من تخليص بلاده، وربما العالم كله بعد ذلك، من مغبة تلك الكارثة المالية والاقتصادية الرهيبة التي حلت ببورصة نيويورك عام 1929، فقلبت ازدهار العالم رأساً على عقب ودمرت اقتصادات، ونسفت طبقات بأسرها مفلسة شركات ومغلقة مصانع. لقد كان وضعاً كارثياً سيكون مع الزمن المعيار والمثال لأية كارثة تالية تحل بالبشرية. ونعرف أن وطأة تلك الكارثة على الولايات المتحدة، كانت ثقيلة إلى حد نُسف معها الحلم الأميركي من أساسه. ومن هنا جاءت سياسة الرئيس روزفلت التي عُرفت بـ"النيو ديل" لتبدأ في إنقاذ البلد وإخراجه من الكارثة، ولو من طريق سيكولوجية أول الأمر. وهنا بالتحديد كان سيد البيت الأبيض يحتاج إلى الفن، وربما إلى فن السينما تحديداً، فهو الفن الذي كان الأكثر شعبية والأكثر وصولاً إلى عشرات الملايين بالتالي الأكثر قدرة على زرع الأمل وسط سواد الكارثة وانعدام الأمل.

هل كان كابرا واعياً بما يفعل؟

 هنا بالتحديد كان دور فرانك كابرا، حتى وإن كانت ثمة دلائل كثيرة تشير إلى أنه هو شخصياً لم يكن واعياً تماماً بقيمة هذا الدور كما سنشير بعد سطور. مهما يكن فإن المخرج الذي كان في تلك الأثناء يحقق أفلاماً تكفي عناوينها للتعبير عما تقوله، مثل "شقراء بلاتينية" و"جنون أميركي" و"لن تأخذها معك" وجد نفسه يحقق ثلاثة أفلام متتالية تختلف كلياً عما كان قد سبق له أن حققه. أفلام لن تدخل تاريخ الفن السابع فقط بكونها أمنت أوسكارات عديدة وتسميات للأوسكار لمخرج ما كان يمكنه أن يحلم بذلك من قبل، ولا المصير الشخصي لمخرجها بكونها أمنت له عقوداً مدهشة مع وزارة الدفاع الأميركية لتحقيق أفلام عديدة في خانة "لماذا نحارب" و"اعرف عدوك" خلال الحرب العالمية الثانية. بل أكثر من هذا، فلئن كان فيلم "عناقيد الغضب" لجون فورد عن رواية جون شتاينك قد اعتبر الفيلم الأكثر تعبيراً عن الكارثة الاقتصادية والأكثر سوداوية، ها هي أفلام كابرا الثلاثة التي حققها تباعاً بدءاً من عام 1936، "مستر ديدز" ثم "مستر سميث يذهب إلى واشنطن" (1939) ثم "رجل الشارع" (1941)، ها هي تنتفض ضد السوداوية زارعة الأمل في النفوس محفزة الشعب على التحرك و"الإيمان بالديمقراطية الأميركية".

ويومها كان حسب الأفلام أن تنال رضى روزفلت الذي سيبقى دائماً الرئيس الأكثر ديمقراطية في التاريخ الأميركي، كي يُقبل عليها الناس. وربما وسط دهشة مخرجها نفسه، الذي سيعود بعد الحرب ليتوجها بفيلم قد يصح اعتباره خلاصة لها، "يا لها من حياة رائعة!". ومنذ ذلك الحين سيحق لكابرا أن يتحدث عن "اسم المخرج فوق عنوان الفيلم"!

استثناء مدهش للقاعدة      

كان من الواضح أنه بات على هوليوود أن تنظر إلى فرانك كابرا باعتباره استثناء في قاعدة الفصل بين البيت الأبيض والفن التي افتتحنا بها هذا الكلام، فقد بات من المنطقي لأفلامه الرئيسة أن تربط من قبل المؤرخين والنقاد بالتيار الروزفلتي، فاعتبرت التعبير السينمائي الحي والمنطقي عن ولادة الإنسان الأميركي الجديد، الذي كانت صفقة روزفلت الجديدة (نيو ديل) قد وعدت بولادته.
ومع هذا لم يكن كابرا معروفاً قبل ذلك بمواقفه السياسية بل إن بداياته كانت تحوم من حول السينما الهزلية الخالصة (تحقيق أفلام من تمثيل هاري لانغدون)، وكان يعتبر هو نفسه من الساذجين في مجال التعبير السياسي. بعد ذلك مع حلول أواسط سنوات الثلاثين وفي وقت كانت فيه شهرة كابرا قد وصلت إلى الذروة في مجالين على الأقل، مجال الأفلام الهزلية، ومجال التعبير المتشدد عن أخلاقية أميركية طهرانية استخدم من أجله كابرا كل ترسانته الكاثوليكية ومقدرته الفائقة في إدارة الممثلين وإيصالهم إلى أقصى درجات الشفافية في التعبير عن التمسك بالقيم الأخلاقية السائدة، حتى لو ضحوا في سبيل ذلك برغباتهم وملذاتهم. في ذلك الوقت جاء روزفلت إلى السلطة حاملاً معه عنصرين أساسيين، بدا في ذلك الحين أن أميركا في أمس الحاجة إليهما، أولهما الإيمان بأن الولايات المتحدة ستخرج من أزمتها الاقتصادية المستشرية بفضل تضافر جهود أبنائها وانفتاحها على العالم الخارجي، وثانيهما الإيمان بالدور الذي سيلعبه الأميركي المتوسط، والأميركي العادي في ذلك كله. كانت اندفاعة روزفلت هذه أساسية وكان من الطبيعي أن يتلقفها نوعان من المبدعين في هوليوود، النوع الأول يمثل الفنانين من ذوي الفكر الليبرالي المنادي بأرجحية الدور البشري وبعنصر التقدم كعنصر فاعل في المجتمع، حتى إن كان أصحاب هذا الفكر لا يرون أن التقدم يتعين أن يكون له محتوى أيديولوجي معين، والنوع الثاني يمثله الفنانون من ذوي الاتجاهات اليسارية المختلفة التي كان ما يميزها عن النوع الأول، المحتوى الأيديولوجي الذي تسبغه على مفهوم التقدم نفسه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الفن لصناعة أميركا جديدة!

أما ما جمع النوعين عند بدايات عهد روزفلت فكان الإيمان المشترك بحلم أميركي قادر على أن يقوم من سباته العميق ليصنع أميركا الجديدة والإيمان بدور الإنسان المتوسط كما أشرنا. والحال أن أفلام كابرا الرئيسة في ذلك الحين عرفت كي تعبر عن ذلك وكان فيلم "السيد ديدز يتوجه إلى المدينة" (1936) فاتحة سلسلة من أفلام مشابهة وضعت الإنسان المتوسط أمام مصيره حتى وإن كان هذا الفيلم ينتمي إلى غاري لاركين كاتب السيناريو اليساري الذي جعله في الوقت نفسه محضر اتهام لتوجهات الإنسان الرأسمالي، وأنشودة تغني التقدم والحرية والنقاء الأخلاقي، ما جعل كابرا يشعر أن ثمة ورطة ما في الأفق، فإن أفلام كابرا التالية والمشابهة راحت تتتالى لتقدم رؤية أكثر وضوحاً للحلم الأميركي، حلم الصعود في داخل المجتمع على سلم البراءة المظفرة في نهاية الأمر.
من "السيد ديدز" إذاً إلى "السيد سميث في واشنطن" (1939) و"رجل الشارع" (1941) سارت أفلام كابرا في ذلك الحين على هدى خطوات روزفلت مترجمة توجهاته وآرائه وانفتاحه صوراً على شاشة كان الجمهور يتلقفها بلهفة، لأنها كانت تقول له إن أميركا إذا كانت قوية إلى هذا الحد فلأنها الدولة الوحيدة في التاريخ التي صنعها أبناؤها البسطاء حقاً.
طبعاً لم تكن هذه "الثلاثية" كل أفلام فرانك كابرا فهو حقق طوال مساره السينمائي بين 1922 و1961 (تقاعد بعد ذلك حتى رحيله عام1991 مكللاً بآيات الفخر والمجد في أوروبا أكثر مما في أميركا على أي حال) أكثر من خمسين فيلماً تراوحت بين الكوميديا الاجتماعية والأفلام الدعاوية والأفلام ذات الالتزام الأخلاقي. وكان كابرا يفخر دائماً بأنه كان واحداً من أوائل المخرجين الأميركيين الذين وضعوا اسمهم فوق عنوان الفيلم لا تحته، ومن هنا حمل كتاب مذكراته الرئيس عنوان "الاسم فوق العنوان".

المزيد من ثقافة