Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في مصر... "سكة السلامة" تحت قيادة المرأة

صعوبات وتحديات تواجهان النساء العاملات في مجال النقل العام بينها معارضة الرجال

مصرية قررت امتهان قيادة النقل العام وسط تحديات صعبة (اندبندنت عربية)

مقود سيارة ضخم يدور في سلاسة ويُسر تحت أصابع نسائية تُحكم قبضتها عليه في ثقة وثبات مُتناهٍ، لا تتناسب وتكوينها الرقيق، تحركه بيد، وتطبق بالأخرى على حفنة جنيهات جمعتها من ركاب العربة بصوت ينافس الرجال في الحزم. يميزها جلباب بلدي نسائي ذو طابع ريفي، وحجاب يغطي رأسها ونقاب يُخفي وجهها في تحدٍّ آخر يحول بين النساء وأداء هذا النوع من الأعمال، ونظرات حولها مليئة بالدهشة تزداد مع زيادة عدد الركاب مع كل محطة جديدة.

"أم عبد الله"، إحدى السيدات اللاتي اخترن مجالاً ساحته خاصة بالرجال فقط، مجال قيادة سيارات النقل العام، لتتجاوز في تحدٍّ وجرأة أخريات حاولن دخول عالم قيادة سيارات نقل الركاب، بداية من "التوك توك"، وصولاً إلى الميكروباص.

تقول الأربعينية "أم عبد الله" لـ"اندبندنت عربية"، إنها أم تعول 4 أطفال، توفي زوجها ليتركهم دون عائل أو ميراث تنفق منه، وأمام صعوبات الحياة وغلاء المعيشة اقتحمت عالم قيادة السيارات، كواحدة من المهارات التي تُجيدها لتكسب منها لقمة العيش. وتضيف "أُحب قيادة السيارات، ووجدت نفسي بعد وفاة زوجي بحاجة إلى عمل، فقررت العمل في ما أُحب، فتوجهت لمركز تدريب قيادة السيارات لإتقانها، وخضعت لتدريبات مكثفة حتى وصلت إلى هذه المرحلة من إتقان قيادة أتوبيس النقل العام".

أوضحت "أم عبد الله": "أعمل وردية يومية مدتها ثماني ساعات، من السادسة صباحاً حتى الثانية ظهراً، الأمر الذي يتطلب مني الاستيقاظ فجراً وأطفالي لا يزالون نائمين، فأعد الإفطار والغداء وأتركهما على الطاولة، وأسرع للحاق بعملي، يصاحب ذلك قلق من تركهم وحدهم طوال اليوم، لكن ليس أمامي سوى العمل لإعالتهم وتوفير متطلباتهم التي لا تنتهي".

واجهت "أم عبد الله" صعوبات وتحديات مختلفة، بينها معارضة الرجال العاملين في المجال لها، فتقول "عارضني كثير من الرجال في الموقف، واستنكروا أن تقود امرأة أتوبيس نقل عام، فكان ردي أن العمل ليس عيباً".

وهناك جانب مشرق على الرغم من معارضة البعض لها، حيث تؤكد أنها تلقى تشجيعاً كبيراً من الركاب عبر عبارات المديح لصنيعها، وكثيراً ما تتلقى تعليقات إيجابية مختلفة من الكثيرين تدعمها في الاستمرار، مؤكدة أنها لم تجد معارضة أو تنمراً من الركاب، سواء الرجال أو السيدات، خلال عملها، رغم دهشتهم من قيادة سيدة أتوبيس نقل عام.

 

 

قيادة السيدات تاريخ من النضال

"بيرثا بينز"، زوجة أول مصنع سيارات الألماني، التي كانت شريكته أيضاً، هي أول من بادرت باتخاذ خطوة جرئية بقيادة السيارة عام 1886، وكانت السيدة الأولى التي أرست حق المرأة في القيادة وتشجيع مثيلاتها في الجرأة بالقيام بالأمر نفسه، دون خوف من الخطورة أو الأعراف المجتمعية.

أما الدوقة "دوزيس" الفرنسية، فهي أول سيدة في أوروبا تحصل على رخصة قيادة عام 1898، لتحصل على مخالفة مرورية بعد شهرين فحسب من ذلك، لتعديها حدود السرعة القصوى أثناء القيادة.

وعلى الرغم من ذلك ظل إقبال السيدات على قيادة السيارة ضعيفاً بحكم الأعراف تارة، والخوف من المجازفة في تجربة جديدة من نوعها تارة أخرى، لكن عام 1976 شهد إقبالاً كبيراً في أوروبا من السيدات على شراء السيارات.

أما الوطن العربي فلم يشهد هذا الوضع نظراً للأعراف المتشددة، لكن المرأة العربية ظلت تدافع عن حقها بالمساواة مع الرجل في قيادة السيارة، إلى أن استطاعت في القرن التاسع عشر الحصول على هذا الحق.

وتعد الآنسة "عباسية أحمد فرغلي" أول مصرية تحصل على رخصة قيادة في الوطن العربي، وذلك في 24 يوليو (تموز) 1920، حيث كتبت باللغة الفرنسية، وتم تسجيل الرخصة برقم 217 من مصلحة الأمن العام لوزارة الداخلية، واستطاعت "عباسية" تحريك المياه الراكدة في تلك القضية وتشجيع غيرها من النساء في مختلف البلاد على اتخاذ تلك الخطوة، وهي شقيقة محمد فرغلي الشهير بـ"ملك القطن"، ويعد صاحب أكبر شركات القطن في تاريخ مصر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"ممنوع على السيدات" إشكالية بلوائح القطاع العام

سعيد سيد، ناظر محطة هضبة الأهرامات، يقول إن "أم عبد الله" تقدمت للعمل كسائقة سيارات نقل عام، وتم قبولها بعد فحص أوراقها التي تثبت اجتياز اختبارات القيادة، وحصولها على رخصة مهنية تسمح لها بقيادة هذا النوع من السيارات، ولكن تنتمي إلى واحدة من شركات القطاع الخاص، وليست تابعة للقطاع العام.

وأوضح ناظر المحطة أنه ممنوع على السيدات قيادة السيارات التابعة لهيئة النقل العام، بحكم اللوائح المنظمة للعمل حتى وإن استوفت كامل الشروط، ومهما امتلكت من كفاءة لا يحق لها العمل سوى بالأعمال الكتابية بالهيئة.

أما محمود أبو اليزيد، محصل بالمحطة، فيؤكد أن "أم عبد الله" أكثر السائقين التزاماً، سواء من حيث الانضباط في العمل والمواعيد أو القيادة على الطرق، حيث إنها الأقل حصولاً على مخالفات خلال القيادة بخلاف باقي السائقين.

يضيف أبو اليزيد، أن "أم عبد الله" لديها من الكفاءة ما تنافس به أمهر السائقين، لكن مع ذلك لا يمكنها الحصول على وظيفة أكثر استقراراً في القطاع العام، لأن اللوائح تمنعها من العمل سائقة، وليس لديها الحق سوى في العمل بالوظائف الإدارية الأخرى.

لوائح هيئة النقل تصطدم بلوائح المرور

في الوقت الذي تسمح فيه الإدارة العامة المرور للسيدات باجتياز اختبارات القيادة التي تؤهلهن الحصول على رخصة القيادة المهنية الخاصة بسيارات النقل العام، يقابل ذلك تناقض في عدم السماح لهن بالعمل من قبل هيئة النقل العام، رغم حصولهن على الأوراق الثبوتية التي تؤهلهن للحصول على الوظيفة مثل الرجال، مرجعين ذلك إلى اللوائح واشتراطاتها.

على الجانب الآخر يؤكد اللواء أيمن الضبع، استشاري تخطيط وهندسة المرور، أن قانون المرور لا يفرق بين رجل وامرأة في الحصول على رخصة القيادة، سواء الخاصة أو المهنية الأولى والثانية والثالثة، مشيراً إلى أن الإجراءات المتبعة مع الرجل هي ذاتها الإجراءات التي تتم مع المرأة، فليس لدينا في قانون المرور ما يمنع حصول السيدات على رخص قيادة مهنية لقيادة جميع المركبات، سواء سيارات نقل أو أجرة أو ميكروباص أو أتوبيس.

ويشير الضبع إلى أن من يتقدم من السيدات وتستوفي الشروط تحصل على الرخصة، بينها الشهادة الدراسية والحصول على مؤهل، وكذلك في ما يخص السن، التي تشترط الرخصة الخاصة لها 18 عاماً كحد أدنى، واللياقة الصحية من خلال شهادات طبية "نظر وباطنة" تتم من خلال الكومسيون الطبي، والخلو من الإصابات والعاهات التي تمنع من القيادة، ومن ثم يتم عمل اختبار فني عملي واختبار نظري على الكمبيوتر للإشارات وعلامات المرور، وكل رخصة لها نوع من أنواع الاختبارات، سواء رخصة مهنية أو رخصة خاصة.

يضيف أن "عدم قبول السيدات من بعض الجهات لقيادة سيارات النقل العام قد يرجع أحياناً إلى اشتراطات التشغيل التي تضعها كل مؤسسة، وليس دائماً بسبب التضارب، لكن من وجهة نظر قانون المرور لا يوجد ما يمنع، وليس به تفرقة بين رجل وامرأة".