Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أين تكمن كوابح التغيير في السودان؟

نظم مؤتمر اقتصادي لكن الجرعة السياسية حوّلت المداولات إلى شعارات وهتافات رافضة لم توصل إلى التغيير

يفتقر الشباب الثائر في السودان إلى الخبرة (حسن حامد)

سيطرت الحالة الثورية على المؤتمر الاقتصادي الأول بعد سقوط نظام البشير الذي أطاحته ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، وقد اندلعت احتجاجاً على سوء الأوضاع المعيشية. وعلى الرغم من أنَّ أجندة المؤتمر تحاول انتشال الاقتصاد السوداني المترنَّح كانت نتاج ورش عمل ممتدة لأيام بإدارة اقتصاديين وأكاديميين، فإنّ الجرعة السياسية كانت كبيرة، مما حوَّل المداولات إلى شعارات وهتافات رافضة ومحتجة لم توصل المؤتمر إلى وضع لبنات التغيير الاقتصادي المنشود.

هذه الحالة الثورية المحتجة والغاضبة سيطرت سابقاً على الشعب السوداني المنتفض على نظام جعفر النميري في 6 أبريل (نيسان) 1985، الذي حكم 16 عاماً إثر انقلاب عسكري في 1969. واستمرت تلك الحالة الثورية بعد النميري خلال الفترة الانتقالية، إلى أن تسلم الحكم رئيس الوزراء الصادق المهدي في فترة الديمقراطية الثالثة (1986-1989).

الفرق في تأثيرات ما بعد الثورة بين نظامَي النميري والبشير هي أنَّ النميري على الرغم من ديكتاتوريته وتأميمه كثيراً من الشركات اهتم نظامه بالمؤسسات الاجتماعية فترة طويلة، ولم يتغيّر ذلك الاهتمام إلَّا بعد تقريبه حسن الترابي وزيراً للعدل (1979-1983). خلال تلك الفترة صاغ قوانين قلَّصت حجم هذه الرعاية وحلَّت محل المنظومة القانونية القديمة ونصَّت على إلزامية الجهاد والضرائب وإنشاء ديوان الزكاة في عام 1980، وتم التأصيل لها بشكل أقرب إلى (الخمس) في إيران. بعد إعداد قوانين سبتمبر (أيلول) 1983 تم تعديل قانون الزكاة لعام 1980 في 1984 بإضفاء الصفة القسرية على عملية الجباية. وفي ظل نظام البشير عُدِّل القانون مرة أخرى في إجازة قانون 2001 بفرض السيطرة الكاملة للدولة على الزكاة في الجباية وصرفها عبر ديوان الزكاة ولا يحق لأي مواطن دفعها لغيره.

وتواصل الأمر مع تدنّي الإنفاق الحكومي على القطاعات الاجتماعية، وتأثير ذلك في قطاعَي الصحة والتعليم بخاصة. وبعدما ضاق الشعب، بدأت إدارة القطاعين بالعون الأهلي والمساعدات التي توفرها المنظمات الدولية، ثم تقلصت بعد فرض العقوبات. بعد ذلك، أنشأ نظام البشير مفوضية العون الإنساني التي كانت تدير وتشرف على الأنشطة الإنسانية الدولية والمحلية على المستوى القومي عبر هياكلها وآلياتها، ومن ضمنها الزكاة. ما يعني أنَّ لدى الثورية السياسية أساساً اجتماعياً متجذِّراً في الحياة السودانية لارتباطها بتفاقم ظاهرة الفقر وظهور مجتمع مقسم إلى طبقات خلقته سياسات الدولة في كل العهود السابقة.

المستفيد النهائي

لا يزال المجتمع السوداني، الذي ثار على ثلاث ديكتاتوريات منذ استقلاله عام 1956، يسجن نفسه في حالةٍ ثورية تؤكِّدها هتافات المطالبة بالشعارات نفسها وأنَّ "الثورة مستمرة". قد تكون الحالة نتيجة لاحباطات من أن ما تحقَّق خلال نحو عامين على الثورة لم يكن بحجم التضحيات، وأن التغيير الذي كان يُتوقَّع حدوثه بين يوم وليلة، ثبت عمليّاً أنَّه يحتاج إلى مزيد من الوقت. ولكن هل يعني ذلك الاستمرار في الثورة أم التحرُّر من حالتها والانطلاق إلى العمل على تحقيق أهدافها؟ يعتقد كثيرون أنَّ النزول من هذه المنصة الثورية يعني خيانة الشهداء والجرحى والمفقودين وذويهم. وهي عبارة حالمة أو متخاذلة لأنَّها لا تغادر نقطة الوقوف في المحطة ذاتها التي راح ضحيتها قتلى الاحتجاجات وفض الاعتصام.

نبَّه أحد المشاركين في المؤتمر الاقتصادي إلى أنَّ بعض التوصيات التي أرفقتها وزارة المالية في تلخيصها ورشة الدعم السلعي السابقة للمؤتمر بأنَّها مزيفة ولم ترد فيها. وإذا علمنا أنَّ بنودها هي ترشيد دعم المحروقات وأنَّ قضية رفع الدعم أو الإبقاء عليه ترتبط أساساً بدور الدولة ووقوفها متفرجة، مثل وصفها بنشاط السماسرة، فستكون الإشارة واضحة إلى أنَّها مجرد سياسات مُستنسخة من النظام السابق. وأهمية هذه الإشارة تكمن في أنَّ خلف هذه الثورة التي قام بها الشباب بحثاً عن الخبز والحرية وفرص العمل، يختبئ مستفيد منها يحاول الثوار أن ينبّهوا له لكن من دون جدوى. قد تكون الثورة السودانية، بعد نحو ثلاثة عقود من الحكم الديكتاتوري، ضعيفة بعض الشيء، بحيث لا تصمد بسبب محاصرتها بمشاريع النخب السياسية  التي تمثل ضغطاً عالياً عليها، خصوصاً أن هذه النخب هي أيضاً تستفيد من استمرار الحالة الثورية.

تصحيح المسار

افتقرت ثورة ديسمبر إلى القيادة القومية أو تنظيم سياسي يلبي رغباتها، لذا ظهرت قوى الحرية والتغيير كحاضنة سياسية مكونةً من شتات الأحزاب، وخليط لا يجمع بينها جامع. فالشارع حشدته الحركة الاجتماعية الساخطة مع غطاء الحاضنة في ما بعد. ثم جاءت فترة ما بعد الثورة لتظهر عدم التوافق على جسم معين، فكان لا بد من إدخال المجلس العسكري ليحافظ على استتباب الأمن في هذه المرحلة، حتى وجد نفسه مسؤولاً عن تحديد المؤسسات السياسية وتقرير السياسات، والإصلاحات الاجتماعية ومقترحات متواضعة لحل المشاكل الاقتصادية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إذا كان المد الثوري يُقاس بمدى التغيير على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإن ما حدث من تغيير لم يتجاوز المستوى السياسي. ولعل هذا الإنجاز تم بوعي الجماهير بقضيتها من حيث الإرادة والتنظيم ورفضها ما كان قائماً، بينما ظل المستوى الاقتصادي والرعاية الاجتماعية قيد نظر الحكومة الانتقالية، إذ إنها حتى الآن لم تستطع وضع خطة محكمة. وإن كانت الحكومة السابقة قد أحدثت فجوة اقتصادية وطبقية بينها وبين المواطنين بفعل الفساد، فإنَّ الحكومة الانتقالية بخاصة قوى الحرية والتغيير تعمل يوماً بعد يوم على تعميق الفجوة بين الأهداف المطروحة والواقع المعيش. وتعكس الاحتجاجات العديدة في ظل الحكومة الانتقالية حالة تذمر يُعبَر عنها باسم تصحيح مسار الثورة وحمايتها من السرقة.

وإذا استمرت الحال على ما هي عليه يمكن أن تؤدي حالة الاحتجاج والرفض المستمر إلى مقاطعة الانتخابات المقبلة بعد انقضاء الفترة الانتقالية وعرقلة التحول الديمقراطي. وهذه المهمة ستقوم بها الأحزاب السياسية، خصوصاً حزب الأمة الذي ظل في حالة رفض مقيم. ففي النظام السابق كان يرفض التسويات السياسية التي تجيء من ائتلاف الأحزاب، ثم يعود ليقدمها بمفرده وبفضل هذه الطريقة حصل على كثير من الامتيازات منه. وهو الآن على المنوال نفسه مع الحكومة الانتقالية، وحصل بفضلها على عدد مُقدّر من المناصب التنفيذية والولائية لأعضائه تفوق حصص الأحزاب الأخرى.

ثورة مضادة

هذا الجو المشحون ثورياً سيجعل حزب المؤتمر الوطني المنحل يعمل من خلال مؤسساته التي لم تطلها يد (لجنة إزالة التمكين) على الإعداد لثورة مضادة، ويُتوقّع أن تكون أقوى من الاحتجاجات المحدودة المضادة التي يقوم بها الشارع السوداني من وقت إلى آخر. هذا الأمر مبنيّ على أنّ النظام السابق سيكون له وجه مؤسساتي وتنظيم مُحدَّد يفتقر إليه الشارع الذي لا تقف على رأسه جهة منظمة وقوية. والسبب في هذه الفوضى هو تعاطي قوى الحرية والتغيير مع الفترة الانتقالية، إذ برز خلاف جوهريّ بين محركات الشارع ومحركات قوى الحرية والتغيير، ومفاده أن ثورة الشارع هي ثورة خبز، وأنَّ قوى الحرية والتغيير تنطلق من فضاءٍ اشتراكي يحاول سجن الثورة في مفاهيمه. لذا، عندما تحقَّقت الثورة انتبه الشارع إلى أنّ معضلة الخُبز لم تُحلّ بعد. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ ضعف برامجها وتعويم مفاهيم النهوض بالبلاد، جعلا الشارع يُحيّدها وفي طريقه إلى الاقتراب إلى أحد الخيارين إما العسكري أو استيقاظ النظام السابق ليعود في ثوب جديد.

في خضم هذه الحالة، فإنّ هناك أطرافاً تعمل على استمرار زخم الثورة وصرف الأنظار عن مراجعة ما تحقق منها وما لم يتحقق. فبينما ديدن المرحلة الانتقالية المعروف هو سلميتها، فإنها تحولت إلى  فترة مشحونة بالعنف اللفظي، ودعوات دائمة للاحتجاج الساخط. وعلى الرغم من أن لا توجد دعوات رسمية من جهات بعينها للخروج إلى التظاهر، فإن هناك جهات تابعة للنظام السابق تقوم بهذه المهمة بغرض إنهاك الشعب والوصول به إلى حالة اليأس من إصلاح الوضع الحالي. وفي حالة التظاهرات أو أي تجمع، يُزجّ بأطراف أخرى تفاقم الشحن العاطفي وترفع درجة الغضب حتى تتدخل القوات النظامية. وفي حالات عديدة استدعت المواجهة بين الحكومة والمحتجين دخول القوات المسلحة والنظامية، ما أدى إلى استعدائها والهتاف ضدها في أكثر من احتجاج. مع ذلك، فإن سقف المطالب لا يتغير، فهو لا يرتفع ولا ينخفض إذ لم يجرب المحتجون المطالبة بأمور ملموسة وتحوّلت إلى شعارات.

مناخ جديد

يعيش السودانيون في هذه الحالة الثورية على أمل الانتظار برفع اسم بلادهم من قائمة الدول الراعية للإرهاب. وعلى أهمية هذه الخطوة، فإنَّها لن تتمكن من إنقاذ الاقتصاد على المدى القريب، لأسباب عدة، منها أنَّه اقتصاد ريعيٌّ يعتمد على العائدات من الزراعة والنفط والماشية، وهذه تحتاج إلى خطة مستقرة وليس فضاءً ثوريّاً. ومن الأسباب أيضاً أنَّ الحد الفاصل بين الشعب والأحزاب غير محدَّد وغير منتظم، ما يهيّء الجو لحدوث فساد جديد ومن دون رقابة، إذ يفتقر الشباب إلى الخبرة، فهم مجموعات ثورية نشطة تفتقر إلى التدريب السياسي. وفي الضفة الأخرى، قادة أحزاب ناضجون لا تنقصهم الخبرة، غير أنَّ الجميع يرنون بأنظارهم إلى كرسي السلطة واقتسام النفوذ والثروة مقدّماً. بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ بعض قادة الأحزاب اندمج في مجموعات بعدما اكتملت الثورة وبدأت تشكل مناخاً جديداً. لم تظهر هذه الحالة الثورية في شكل ثنائية الحزبين التقليديين (الأمة والاتحادي الديمقراطي) من جهة، والحزبين الأيديولوجيين (المؤتمر الشعبي والشيوعي) من جهةٍ أخرى، وإنَّما حاولت كلها الالتفاف حول الثورة وتصدرها والتماهي مع ثوار لا يعرفونهم.

طيلة عهد النظام السابق قامت الاحتجاجات مرات. وعلى الرغم من القمع الدموي كان بالإمكان نجاحها. وحتى قيام ثورة ديسمبر، لم تحمل أي احتجاجات خطة للحكم، إذ إن البديل الحالي تم التوافق عليه نتيجة عدم الجاهزية لتنظيم انتخابات. يبدو أن الطريق طويل أمام بناء نظام سياسي واقتصادي، لأن الحكومة الانتقالية تفتقر إلى أساسين، السياسي بحكم أنَّها ورثت هيكلاً متآكلاً يمكن أن تحكم به خلال فترتها إلى زمن قيام الانتخابات بنص الوثيقة الدستورية، والاقتصادي الذي ينتظر إدارة تنقذ موارد البلاد من الهلاك بعد تحييد الصراعات السياسية على السلطة وتخفيف الجرعة الثورية من أجل البناء.

المزيد من تحلیل