Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

القوة الأفريقية الأوروبية وتحدي مكافحة الإرهاب

تداخل الولاءات السياسية جعل بعض الدول تأوي معارضة الأخرى

تنتشر القوات الدولية لمساعدة القوات الإقليمية في عدد من مناطق النزاعات الأفريقية منها دارفور (حسن حامد)

منذ إنشاء مجموعة دول الساحل الأفريقي الخمس المكوّنة من مالي وبوركينا فاسو والنيجر وموريتانيا وتشاد في 2014، وهي تعمل على هدفين أساسيين، هما مكافحة الجماعات الإرهابية والبحث عن تنمية المنطقة التي جفّت منابع الاستثمار الدولي فيها بسبب النشاط الإرهابي الذي بدأ منذ عام 2012 في مالي. وخيّم العنف على منطقة الساحل الأفريقي التي تحولت إلى مسرح لنشاط الجماعات الإرهابية، لم تخفّ وطأته حتى مع وجود قوات تابعة للأمم المتحدة لحفظ السلام إلى جانب حضور عسكري لدول في مقدمتها فرنسا. ومواصلة لهذه الجهود، أعلنت مفوضية الأمن والسلم في الاتحاد الأفريقي عن استكمال الترتيبات لنشر قوة أفريقية مكوّنة من ثلاثة آلاف جندي أفريقي قبل نهاية 2020، بدعم من قوة عسكرية أوروبية لمواجهة جماعات الإرهاب في منطقة الساحل، كان قد تم تأجيلها بسبب تفشي كورونا.

منبع العنف

دخلت "حركة تحرير أزواد" في مناوشات مع حكومة مالي نتيجة لثغرات أمنية وسياسية نتجت منها حرب مع الجيش النظامي المالي. وأعقبت ذلك سيطرتها على مساحة واسعة ومطالبتها بحكم ذاتي لشمال الدولة التي يقطنها الطوارق ومجموعات قبلية أخرى بنسبة أقل. ويعدّ تداخل العامل القبلي مع الأيديولوجي السائد في معظم الدول الأفريقية مؤجّجاً للنزاعات فيها. هذا الاضطراب وضعف حكومة أمادو توماني توري، أديا إلى انقلاب عام 2012، هو الثالث في تاريخ مالي منذ استقلالها عن فرنسا عام 1960، والأول الذي تزامن مع بدء نشاط "حركة تحرير أزواد" التي أصبحت جاذبة لمجموعات أخرى من المتشددين الإسلاميين، لا يوحّد بينها تنظيم. ثم كان الانقلاب الرابع في 18 أغسطس (آب) من العام الحالي، بدأ بتمرّد عدد من العسكريين بقيادة ساديو كامارا على حكومة إبراهيم أبو بكر كيتا، ثم اعتقال قادة الدولة والسيطرة على المنافذ والحدود.

قوة مشتركة

لم يعد أمن الدول الأفريقية مشكلة داخلية مع امتداد الصراعات العابرة للحدود، إذ أصبح يعبّر عن تنظيم مجموعة من الدول تنتمي إلى إقليم جغرافي واحد، في ظلّ تعاون سياسي وأمني وعسكري في ما بينها لمكافحة الإرهاب. وفي صورة أكبر، عندما يتعدّد الفاعلون الدوليون يأخذ مفهوم الأمن الإقليمي صفته الدولية. وعليه فقد تطوّرت العمليات العسكرية المحدودة داخل كل دولة إلى تكوين القوة الأفريقية المشتركة التابعة لدول الساحل الخمس، عام 2017، من خمسة آلاف عنصر بقرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ودعم فرنسي وتبنٍّ كامل من مجلس الأمن والسلم التابع للاتحاد الأفريقي.

وتشكّلت القوة في الأساس لتحقيق أهداف عدة، هي مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود والإتجار بالبشر. ومع النشاط المكثَّف للجماعات الإرهابية، طغت مكافحة الإرهاب على الأهداف الأخرى، إلا أن نشاط هذه القوة صاحبته مآخذ كثيرة. ففي الوقت الذي تثير الجماعات الإرهابية قلقاً واضطراباً أمنيّين واسعين، يواجه عدد من جنود القوة الأفريقية المشتركة لدول الساحل تجاوزات عدة بحق المدنيين، إذ إن مجلس الأمن اتهم عناصر من قوات مالي وبوركينا فاسو والنيجر بارتكاب انتهاكات تتعلق بحقوق الإنسان وبإعدام مئات المدنيين خارج نطاق القانون على يد الجيش المالي، تحديداً بعد اتهامهم بالتواطؤ مع الإسلاميين. وبدأ المجلس التحقيق في هذه الأحداث في يونيو (حزيران) الماضي. وهنا، يتضح اختلاط عمليات المكافحة مع الانتهاكات في دائرة العنف التي شملت غرب أفريقيا، وهي لا تختلف كثيراً عن القوات المنتشرة في عدد من مناطق النزاعات في القارة الأفريقية التي اتهمت بتجاوزات مشابهة مثل دارفور وجنوب السودان وأفريقيا الوسطى، سواء كانت من القوات الداخلية أو الإقليمية أو الدولية، وفق نماذج كثيرة لحالات التحالف والتعاهد والتعاون الإقليمية المسنودة دولياً في أفريقيا.

تدخل أم حماية؟

لجأت حكومة مالي إلى فرنسا لمساعدتها في مكافحة الجماعات الإرهابية، فبدأت فرنسا أولى عملياتها، "سيرفال"، في يناير (كانون الثاني) 2013، ثم تلتها بعملية "برخان" الأوسع مشاركة ودعماً. ويعتبر كثيرون أن أي صراع وأعمال عنف في غرب أفريقيا، تهديداً لفرنسا مثلما هي تهديد لدول الجوار الأفريقي. 

وعندما شبّه البعض التدخل العسكري الفرنسي في منطقة الساحل بالتدخل العسكري الأميركي في أفغانستان، نظراً إلى تركيزها على المنافسة على مستعمراتها السابقة، نشط تيار شعبي فرنسي يروّج الفكرة الأوروبية القديمة التي كانت تبرر غزو أفريقيا وتقول إنه من أجل نشر الحضارة والتقدّم. ثم اتسعت رقعة الاعتراض الشعبي الفرنسي المناوئ لتدخل بلادهم في مالي اعتراضاً على مقتل عشرات من الجنود الفرنسيين، إضافة إلى التكلفة المادية الباهظة.

بعد هذه الضغوط، حاولت فرنسا إشراك الدول الأوروبية في مساعي إقناع دول حليفة، مثل ألمانيا، بأن تكون جزءًا من القوة الهجين "تاكوبا" التي كوّنت في 15 يوليو (تموز) الماضي، ويتوقع أن تباشر نشاطها مع نهايات العام الحالي، جنباً إلى جنب مع القوة الأفريقية المشتركة لدول الساحل الأفريقي. وتوسّع فرنسا من مفهوم التدخل الدولي بسبب عدم مقدرتها منفردة على القضاء على هذه الجماعات، ومن ناحية أخرى لترسيخ مفهوم الموازنة بين وجودها والاستقرار في هذه الدول حتى لو استعانت بدول أخرى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي ما يتعلّق ببقية الدول العظمى الأخرى، فإن الولايات المتحدة تحاول المحافظة على الأوضاع كما كانت سابقاً، أي لا استقرار ولا صراع، كي تبقى بعيداً من تصاعد العنف في المنطقة. أما روسيا والصين، فلا يزال دورهما محلّ تساؤل لأنهما اختارتا تكثيف وجودهما في غرب أفريقيا في فترة يسودها الاضطراب، وكانتا تركّزان على وسط أفريقيا وشرقها للاستفادة من الثروة والمزايا الجيوسياسية. وقد قدّمت الصين جملة من المساعدات في إطار "صندوق السلام والأمن الصيني- الأفريقي"، وهو حصيلة منتدى التعاون الأفريقي الصيني الذي يعقد سنوياً في الصين ودول أفريقية على التوالي، ويقدّم مساعدات متواصلة تتنوع بين القروض من دون فائدة والمنح، فقد أرسلت بدايات هذا العام حوالى 43 مليون دولار لمكافحة الإرهاب في دول الساحل وتطوير قوة مشتركة لدول الساحل الخمس.

صيغة أمن أفريقي

لا تملك غالبية الدول الأفريقية القدرات الكافية التي تسمح لها بالاندماج في قوة إقليمية أخرى. وعلى الرغم من خبرتها في فضّ النزاعات ومكافحة العنف داخل حدودها، فإن انتقالها وتوحدها في قوة إقليمية دائماً ما يفشل. وأدى عدم نجاح دول المواجهة الأفريقية في بناء جيوش قادرة على مكافحة الإرهاب إلى أن يقوم الاتحاد الأفريقي بإعداد صيغة لمجلس الأمن والسلم الأفريقي تأخذ في الاعتبار المتطلبات العسكرية لبنائه والحالة الأفريقية الراهنة التي تعاني، ضمن أمور أخرى، من عدم الاستقرار. فهناك دول أفريقية ما زالت في حالة صراعات داخلية. وهذه الصعوبات جعلت تكوين القوة الأفريقية لا يمرّ بسلاسة، إذ واجهه نقص لوجيستي. 

وطالبت الدول الخمس في قمة دول الساحل التي عقدت في نواكشوط في يوليو (تموز) الماضي بإلغاء نهائي لديونها للتفرغ لمكافحة الإرهاب ودعم جهود التنمية، في الوقت الذي تحتاج القوة المشتركة وبرنامج تنمية منطقة الساحل إلى تمويل أيضاً.

ويستوجب تكوين قوة أمنية وعسكرية قادرة على صدّ الجماعات الإرهابية مقوّمات عدة، منها استقلالية بناء هذه القوات، وهي جزء من الاستقلالية العسكرية غير التابعة لأي تقلبات سياسية تقع في الدولة الواحدة أو بين الدول الأفريقية. ويعرقل نجاح القوة المشتركة عدم اتفاق القادة الأفارقة على هدف واحد، إذ تتضارب مصالح دولهم حتى لو دخلت في تحالفات مؤقتة. كما أن تداخل الولاءات السياسية جعل بعض الدول تأوي معارضة الأخرى التي يزداد خطرها، خصوصاً في حالة المعارضة المسلحة. وعدم الاتفاق على إقامة بنية عسكرية أفريقية موحدة، جعل الحاجة الدائمة للقوات الدولية، من متطلبات الاستقرار.

منعرجات الأمن والسلم

لم تعرف أفريقيا مفهوم الأمن القومي الأفريقي إلا بتكوين مجلس السلم والأمن في الاتحاد الأفريقي بعد تحوّله من منظمة الوحدة الأفريقية عام 2002. ومرّ هذا المفهوم بمنعرجات عدة، هي حرب دارفور وانفصال جنوب السودان وتضاعف النزاعات والعنف السياسي والقبلي في عدد من الدول أيضاً. وعلى الرغم من أن تكوين قوة أفريقية واجهتها مصاعب عدة حالت دون نجاحها في مكافحة الإرهاب، إلا أن إعادة بنائها كشراكة إقليمية هي جزء من منظومة مجلس الأمن والسلم الأفريقي بتوسيع قاعدة الاتحاد الأفريقي ليشمل القضايا المستجدة، يمكن أن يطوّر عملها الذي كان يقتصر على فضّ النزاعات. ولا بد من الاعتراف بدور القوة الأوروبية، إذ إنها على الرغم من أجندتها الواضحة، إلا أنها تقتصر على المصالح المتبادلة، في غالبية الأحيان، ولن تكون روسيا أو الصين بديلاً منها.

المزيد من تحلیل