Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تقف طباعة النقود عائقا أمام انتعاش الاقتصاد العالمي؟

محللون لـ"اندبندنت عربية": السيولة الفائضة قد تنذر بفقاعات مالية وشيكة في الأسواق

المحللون والمتخصصون يحذرون من مخاطر طباعة الأموال وزيادة النقد الرخيص بالأسواق العالمية (غيتي)

حذر محللون ومختصون اقتصاديون، من مخاطر طباعة الأموال وزيادة النقد الرخيص بالأسواق العالمية، ما ينذر بارتفاع التضخّم وحدوث فقاعة مالية في أسواق السندات، ويحدّ من قدرة السياسات النقدية في السيطرة على تحجيم ضعف العملات. وقالوا في إفادات متفرقة لـ"اندبندنت عربية"، إنه على الرغم من المخاطر الكبيرة لطباعة النقود من دون غطاء، لكنها تشبه "مُسكّناً" لعلاج انهيار محتمل وتأخيره إلى حين تعافي الاقتصاد، مؤكدين أن طباعة النقد هي طوق نجاة من الأزمة الحالية يخلق مشكلات يصعب علاجها بالمستقبل.

ومعروف عن طباعة النقود من قبل البنوك المركزية أنها عملية فنية معقدة اقتصادياً، فكل وحدة نقدية مطبوعة لا بدّ أن يقابلها رصيد من احتياطي النقد الأجنبي أو رصيد من الذهب، أو سلع وخدمات حقيقية تمّ إنتاجها في المجتمع، حتى تكون النقود المتداولة في السوق ذات قيمة حقيقية وليست مجرد أوراق مطبوعة.وفي حالات الدول النامية، عادةً ما يتمّ تجاوز هذه القواعد، وتُطبع نقود بمعدلات تفوق المسموح به، ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم.

وذكر المحللون أن الدول غير مقيّدة بالتزام عالمي للحدّ من طباعة النقود، فلكل دولة الحق في طباعة الأموال الكافية التي تراها مناسبةً لإنعاش اقتصادها، إلا أن طباعة أموال تفوق حجم الاقتصاد تقلّل القيمة الشرائية للعملة، وأثبتت التجارب العالمية أن الطباعة غير المسؤولة للنقود تخلق مشكلات أكثر مما تحلها. وهناك الكثير من الدول التي لجأت في مراحل مختلفة من تاريخها إلى طباعة الأموال بشكل لا يتناسب مع الحجم الفعلي للاقتصاد، مثل ألمانيا وبوليفيا وأخيراً زيمبابوي، حيث تخطّى التضخّم ستة آلاف مليار وطُبعت أوراق نقدية قيمة الواحدة منها 100 مليار، فضلاً عن طباعة عدد لا محدود من العملة وتوزيعه على المواطنين، ما أدّى إلى فقدان العملة قيمتها بشكل كامل تقريباً، ليتوقّف السكان في عام 2009 عن استخدام العملة الوطنية واستبدالها بعملات أجنبية.

أعلى زيادة يقوم بها الاحتياطي الفيدرالي

وعلى الصعيد ذاته، سجّل الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (المصرف المركزي) أعلى معدّل زيادة في النقود المطبوعة خلال مارس (آذار) الماضي، مع بداية ظهور تداعيات جائحة فيروس كورونا، عندما ارتفعت أصول المصرف بنسبة 12.6 في المئة و10.6 في المئة على التوالي. وبحسب بيانات الفيدرالي، ارتفع حجم الميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي من 4.16 تريليون دولار في 26 فبراير (شباط) 2020، إلى 7.17 تريليون دولار بحلول 10 يونيو (حزيران) الماضي. ويتولى الفيدرالي الأميركي طباعة النقود (أو إنشائها رقمياً)، ثم يستخدم تلك الأموال لشراء السندات، أي أنه ضخّ نحو 3 تريليونات دولار في الاقتصاد خلال ثلاثة أشهر ونصف الشهر، في محاولة لخفض أسعار الفائدة أملاً في أن يقترض الأفراد والشركات لينفقوا المزيد بغية إنعاش الاقتصاد.

خطط لتحفيز الاقتصاد

مستشار المخاطر لدى بنك "سوسيتيه جنرال" في لوكسمبورغ، نادر حداد، أوضح أن عمليات التيسير الكمي هي في الأصل تدخّل من قبل البنك المركزي في بلد ما، يقوم خلالها بشراء أصول مقابل توفير السيولة اللازمة وقت الأزمات، لافتاً إلى أن هذه العملية المعقّدة تندرج ضمن السياسات النقدية للبنوك المركزية، وتُعتبر غير تقليدية لتخفيض سعر الفائدة وتحفيز الاقتصاد، لا سيما وقت الانكماش الاقتصادي.

وقال حداد، "عادةً، تقوم البنوك المركزية بعمليات بيع وشراء للأصول من خلال عمليات السوق المفتوحة، وعندما يقوم البنك المركزي بشراء الأصول فإنه يسمح بصفة مباشرة بتوفير سيولة نقدية أكبر في الاقتصاد". وأشار إلى أن ذلك يشكّل في حدّ ذاته خطراً كبيراً على الحياة الاقتصادية، لأن توفير السيولة أكثر من اللازم، خصوصاً في الاقتصاد الأميركي، يُعتبر خطراً على التوازنات المالية، لا سيما التضخم الذي يستطيع أن يخرج عن السيطرة، ما دفع الفيدرالي الأميركي أخيراً إلى رفع سقف التضخم لأكثر من 2 في المئة، في سابقة من نوعها.وأوضح حداد أن عمليات شراء الأصول بصفة مكثفة، كما حدث أثناء أزمة كورونا، تجعل من إعادة بيع هذه الأصول في السوق المالية أمراً صعباً لكثرتها، وهذا يُحدث ما يسمّى بـ"الفقاعة في سوق السندات".

وأكد مستشار المخاطر أن عمليات التسيير الكمي لا تستهدف الاقتصاد مباشرة، بل هي عمليات شراء أصول لشركات كبرى تُحدث انفصالاً بين السوق المالية والاقتصاد الحقيقي، الأمر الذي لاحظناه مع ارتفاع سوق الأسهم بصفة غير مسبوقة، منتفعةً من الكتلة المالية التي ضخّها الفيدرالي، على الرغم من تراجع الاقتصاد الأميركي وارتفاع البطالة بمعدلات قياسية.

وأضاف حداد أن عملية التسيير الكمّي هي بالأساس سياسة نقدية ذات تداعيات سلبية على الاقتصاد المحلي والعالمي، مرجعاً ذلك إلى ارتفاع التضخّم وتراجع أداء البنوك إثر تقليص سعر الفائدة إلى الصفر أو القريب من الصفر، فيتّجه المستثمرون إلى الملاذات الآمنة مثل الذهب والين الياباني، مما يُضعف الطلب على الدولار الأميركي ويقود الفيدرالي الأميركي إلى فتح ما يسمى بعمليات الـ"swap lines" مع البنوك المركزية الأخرى لتوفير الكمية اللازمة من الدولار الأميركي في العالم.

سياسات تسهيلية مكثفة

رأى عاصم منصور، محلل اقتصادي أول لدى شركة "أوربكس" لتداول العملات، أن البنوك المركزية العالمية الكبرى اتجهت إلى اتباع سياسات تسهيلية مكثفة للخروج من أزمة كورونا، إذ لم تكن أدوات السياسة النقدية العادية، مثل خفض معدلات الفائدة، كافيةً لتحفيز النمو الاقتصادي. وقال، "لم يكن ذلك كافياً، بل قام الفيدرالي بزيادة حيازته من الأصول لتصل الموازنة العامة لديه إلى حوالى 7 تريليونات دولار مقارنة بـ 4 تريليونات ببداية العام الحالي، بينما أعلن الكونغرس خطة تحفيز قيمتها 3 تريليونات دولار، في حين تترقب الأسواق تقديم حزمة مساعدات مالية إضافية لتحفيز الاقتصاد". ولفت إلى أنه على الرغم من ارتفاع نسبة العجز إلى الناتج المحلي الإجمالي، مع تزايد الديون لدى البنوك المركزية، إلا أنه يبدو أن تلك الطريقة هي الوحيدة للحفاظ على استقرار الأسعار وعدم انهيار الأسواق.

طباعة النقود

وأشار منصور إلى أنه مع الاستمرار في طباعة البنوك المركزية النقود وزيادة حيازتها من الأصول، ارتفعت نسبة الموازنة إلى الناتج المحلي في منطقة اليورو إلى 63.6 في المئة مقارنة مع 36.3 في المئة لدى الفيدرالي الأميركي و135.3 في المئة لدى بنك اليابان من الموازنة العامة.وأكد أن تلك السياسة أدت إلى تزايد مخاطر تكوّن فقاعات سعرية في العديد من القطاعات، خصوصاً في أسواق الأسهم، نظراً لزيادة الأموال الرخيصة في الدورة الاقتصادية في ظل بيئة تتّسم بمعدلات فائدة منخفضة، ومن المتوقع أيضاً أن تتسارع وتيرة معدلات التضخم خلال العامين المقبلين.

ولفت منصور إلى أنه يجب ألا تعتمد الحكومات على البنوك المركزية بشكل كبير في تحفيز النمو الاقتصادي، بل أن تدعمه عبر العديد من القرارات الأخرى، مثل توفير حزم تحفيز مالية وإرساء ركائز النمو المستدام من خلال إعادة هيكلة القطاعات الاقتصادية وتذليل القيود التي تحدّ من عجلة النمو وضرورة عقد المزيد من الاتفاقات التجارية العالمية لتحفيز النمو العالمي ككل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

طوق النجاة الأخير

رئيس شركة "تارغت للاستثمار"، نور الدين محمد، رأى من جهته أن طباعة النقود بالأزمة الراهنة تُعتبر طوق النجاة الأخير الذي تتمسك به الدول، خصوصاً الكبرى منها، لإنقاذ الاقتصاد من كبوته والحفاظ على بعض القطاعات الرئيسة من التعثّر الشديد أو الاختفاء الكامل من خريطة الاقتصاد. وقال محمد إن لطباعة الأموال من دون غطاء العديد من الآثار السلبية الخطيرة، التي قد تمتد لأعوام عدة في المستقبل وقد يصعب علاجها، إلا أن نقص السيولة الشديد الناجم عن الأزمات الاقتصادية هو السبب الرئيس وراء عمليات الطباعة الهادفة إلى تفادي انكماش أو ركود عميق تستمر آثاره سنوات مقبلة.

وأضاف، "هذا هو بالضبط ما حدث في أزمة الجائحة في بدايات هذا العام، وهو ما اضُطرّ الدول وخصوصاً الكبرى منها إلى سلوك هذا الاتجاه لتوفير سيولة بالسوق لشراء الأصول الحكومية وخفض أسعار الفائدة لتوفير تمويل رخيص الثمن للشركات والمؤسسات لمساعدتها على مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة بتكلفة تسمح لها بالاستمرار حتى نهاية الأزمة". وعدَد رئيس "تارغت للاستثمار" الآثار السلبية لهذه الطباعة، وفي مقدمتها زيادة معدلات التضخم وفقدان العملات قيمتها، مما يفقد المستثمرين والأفراد بصفة عامة الثقة بالنقود فيتجهون إلى الملاذات الآمنة مثل الذهب والمعادن النفسية للحفاظ على القيمة. وأشار محمد إلى أن طباعة النقود من دون غطاء هي أحد أسباب ظهور شركات ومؤسسات "الزومبي"، التي اعتمدت على القروض وأسرفت فيها لتستمر في التشغيل والعمل، لكنها ستنهار مع ظهور أول مشكلة لديها، مما قد يتسبب في أزمة كبيرة مستقبلاً.وقال إنه على الرغم من أن الانكماش الاقتصادي الذي يُعالج بطباعة الأموال قد يقود إلى انهيار كامل لاقتصاد بعض الدول، لكن في المقابل "لا نرى بديلاً لهذا النهج حالياً، وننصح بأن تتم هذه الطباعة بشفافية كاملة ضمن ضوابط تطبق على الجميع ومعايير محددة لا يتم الاستغناء عنها أو مخالفتها".

المزيد من اقتصاد