Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كورونا يقطع الطريق أمام اليوم العالمي للسياحة

عائدات القطاع تتراجع في تونس 80 في المئة وانفجار مرفأ لبنان دمر 136 فندقاً وارتفاع النمو بالسعودية 1.5 مليار دولار ومصر تتعافى نسبياً من 4 أزمات

بدأت مصر تنشيط وترويج السياحة الداخلية في البلاد (أ ف ب)

في الوقت الذي تواجه السياحة العالمية التحدي الأصعب في تاريخها بانتشار وباء كورونا، تترقب الدول حلول اليوم العالمي للسياحة، الموافق 27  سبتمبر (أيلول) الحالي، الذي اختارت له الأمم المتحدة عنوان "السياحة والتنمية الريفية" رغبة في تشجيع المواطنين للاتجاه إلى السياحة الداخلية ببلادهم في محاولة للحفاظ على التراث الثقافي والطبيعي، للتعافي من آثار جائحة كورونا، التي أصابت اقتصاد البلاد بالشلل وزادت معها حالة الارتباك الناتجة عنها؛ بعدما خلت الفنادق في مختلف دول العالم من السياح، وألغيت الرحلات والنشاطات على أنواعها، وأُقفلت معالم سياحية عديدة، الأمر الذي هدد دول العالم بخسائر مليارية. فما من وجهة آمنة تماماً في هذه المرحلة بعدما صارت المعالم والمزارات خراباً يأبى إلا أن يستمر ويتوغل.

حكايات الأهل والأصدقاء لا تخلو هذه الأيام من قصص حزينة عمن فقد مصدر رزقه من العمل في السوق الهامشية المتصلة بالسياحة، أو آخر انقلبت أوضاعه الاجتماعية رأساً على عقب بعدما أغلق الفندق الفاره أبوابه، أو تقلصت حوافز العمل، وتقزمت أرباح شركة السياحة. ورغم محاولات البعض السخرية من الأوضاع بضحك يترك مرارة في الحلق، يظل أمل التعافي معلقا بطوق نجاة؛ فكرة مبتكرة هنا، أو أخرى هناك خارج الصندوق. وإنْ ظل جميعها في اليوم العالمي للسياحة مجرد أضغاث أحلام في كوكب ضرب الوباء قطاعاته الاقتصادية دون استثناء، مُمعناً في القطاعات الأكثر حساسية والأسرع تأثراً وعلى رأسها قطاع السياحة.

تونس في حالة ترقب

تعد تونس من أوائل البلدان التي فتحت حدودها من أجل إنقاذ القطاع السياحي، فانتشر وباء كورونا ولم تأتِ السياحة، وعلى الرغم من إعادة فتح الحدود في 27 يونيو (حزيران) الماضي، والسماح للفنادق بإشغال 50 في المئة من طاقتها الاستيعابية، فإن كثيراً منها لم يتمكن من إشغال أكثر من 20 في المئة. وذكر مصدر مسؤول في وزارة السياحة التونسية، أنه لم يتم بعد تحديد حجم الخسائر التي تكبدها القطاع جراء الوباء. في المقابل، أفادت الجامعة التونسية وكالات السفر، أن "خطر الإفلاس يهدد نحو 98 في المئة من وكالات السفر في تونس مع حلول نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2020، في حال لم يتم تنفيذ إجراءات الدعم المادي، التي أقرتها الحكومة لمصلحة القطاع منذ بداية الأزمة الصحية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حالة قلق

رغم حالة الكساد التي يشهدها القطاع لم تتخلف تونس عن الاحتفال باليوم العالمي للسياحة، تحت شعار "السياحة الريفية ودورها في دعم التنمية الجهوية المستدامة"، في خطوة لتشجيع السياحة الداخلية خلال موسمَي الشتاء والربيع، ومحاولة لتنويع السوق السياحية بالبلاد لفتح آفاق أرحب. وتتمحور فعاليات الاحتفال هذا العام، حول القدرة الاستثنائية للقطاع على خلق فرص خارج المدن الكبرى، والحفاظ على التراث الثقافي والطبيعي في كل أنحاء العالم، وفق المنظمة العالمية للسياحة. وتحتضن الاحتفال المنطقة السياحية في طبرقة، عين دراهم بولاية جندوبة شمال غرب تونس.


لكن هذا الاحتفال لا يُخفي حالة القلق التي يعيشها أهل القطاع. يقول رئيس الاتحاد الوطني للصناعة والفندقة عفيف كشك لـ"اندبندنت عربية"، إن "كل توقعاتنا منذ انتشار الوباء مع بداية العام الحالي خاطئة" موضحاً، "اعتقدنا أن تونس سيطرت على الوضع الوبائي وأن القطاع السياحي سيرجع إلى نشاطه، بخاصة أن وزارة السياحة عملت على الترويج لتونس كوجهة آمنة صحياً بعد فتح الحدود".

أضاف، "لكن القطاع السياحي شُل تماماً منذ مارس (آذار) الماضي إلى يومنا هذا"، مبيناً، أن "الفنادق نشطت فقط بسبب السياحة الداخلية خلال الصيف"، إلا أن هذا الوضع غير كافٍ حسب تقديره، خصوصاً أن الوضع الوبائي أجبرهم على اتباع البروتوكول الصحي وقبول 50 في المئة فقط من طاقة الاستيعاب. وأفاد بأن "عائدات القطاع السياحي في تونس تراجعت بنسبة 80 في المئة بسبب جائحة كورونا، وأن الوضع ما زال مستمراً بحدة أكثر مع تزامن انتشار الوباء خلال الأشهر القليلة المقبلة"، مبدياً اعتقاده بأن "السياحة الداخلية التي أنقذت نسبياً الموسم السابق لن تقوم بالدور ذاته خلال العطل المدرسية المقبلة".

وعبر رئيس الاتحاد الوطني للسياحة والفندقة عن مخاوفه من تواصل الأزمة الصحية، التي أصبحت غامضة ولا يعرف أحد متى ستنتهي، وكيف، وكم ستخلف من خسائر؟. ورغم كل هذا الغموض، أكد كشك أن الاتحاد يفكر في المستقبل، وأنجز مخططاً كاملاً من أجل التسويق مجدداً للوجهة التونسية التي يمكن أن يكون لها مستقبل أفضل بتضافر جهود كل الفاعلين في القطاع.

تذليل الصعوبات

وفي السياق ذاته، انعقدت جلسة في مقر وزارة الاقتصاد والمالية ودعم الاستثمار بالعاصمة تونس، الأربعاء الماضي، في محاولة لإنقاذ القطاع السياحي بالبلاد، أشرف عليها وزير الاقتصاد والمالية ودعم الاستثمار، ووزير السياحة، وخصصت لتسريع تنفيذ القرارات الحكومية التي اتخذت لفائدة القطاع السياحي منذ شهر مايو (أيار) المنقضي باعتباره أهم القطاعات المتضررة من جائحة كوفيد-19.

كما تناول الاجتماع مسائل ذات علاقة بالضرائب في القطاع السياحي، وأهمية العمل على تطوير التشريعات بما يتلاءم ومتطلبات المهنة. كما تم الاتفاق على وضع تصور عميق، في مرحلة لاحقة على المدى المتوسط والبعيد، من أجل دفع القطاع والمساهمة في تطوير الخدمات التي يقدمها بعيداً عن الحلول التقليدية مع تطوير الجانب التشريعي، ومواصلة عقد اجتماعات دورية في إطار تعزيز سياسة التواصل بين جميع الأطراف المتدخلة في القطاع.

وتوقعت المنظمة العالمية للسياحة تراجع عدد السياح في العالم بما يتراوح بين 60 و80 في المئة في 2020. كما اعتبرت المنظمة، أنه لا يمكن الحديث عن عودة طبيعية للنشاط السياحي قبل مارس 2021، وأن جميع الجهود يجب أن تركز لإنقاذ المؤسسات السياحية، والحفاظ على مواطن الشغل والمرور إلى الفترة المقبلة بأخف الأضرار، وأن عودة النشاط السياحي مرتبطة باستئناف النقل الجوي.

ومنذ بداية مارس الماضي، تاريخ اكتشاف الحالات الأولى لوباء كوفيد في تونس، أغلقت غالبية الوحدات الفندقية في البلاد أبوابها، وخصص عدد قليل منها للحجر الصحي، وأصبحت المناطق السياحية أشبه بمدن أشباح. وحققت تونس خلال العام الماضي نتائج قياسية لم تحققها منذ الثورة، واقتربت السياحة التونسية من الأرقام التي كانت تسجلها قبل 2011 حيث بلغ عدد الوافدين خلال 2019 أكثر من 8 ملايين سائح، وتجاوزت المداخيل السياحية 4.6 مليار دينار.

 

 

لبنان وانهيار القطاع السياحي

وشهد القطاع السياحي في لبنان، الذي شكّل أحد القطاعات الاقتصادية الرائدة وأسرعها نمواً مصدراً رئيساً للدخل والتوظيف بالبلاد في مرحلة سابقة، انهياراً بعد ضربات متتالية تلقاها في السنوات الأخيرة، وصولاً إلى ما تعرّض له هذا العام. فكانت الضربة القاضية التي أدت إلى توجه نحو نصف المؤسسات السياحية إلى الإقفال.

وإذا كان القطاع السياحي في لبنان حيوي للاقتصاد اللبناني باعتباره ليس من البلاد المنتجة زراعياً وصناعياً، فإنه شهد تقلبات كثيرة خلال حقب عديدة، إذ من المعروف أن لبنان يعتمد بشكل أساس على السياح الخليجيين الأكثر قدرة على الإنفاق. لذلك كان للمقاطعة الخليجية أثرها الواضح في السياحة اللبنانية، فشهدت معاناة واضحة خلال سنوات عديدة؛ إذ "بلغ مدخول السياحة في لبنان 10 مليارات دولار أميركي في عام 2010، و5.6 مليار في 2017، و6.3 مليار في 2018. أما في 2019 فعاد مدخول القطاع السياحي إلى الارتفاع فبلغ 7 مليارات دولار أميركي مع إلغاء المقاطعة الخليجية"، بحسب مستشار وزير السياحة مازن بو درغم، الذي يؤكد أن لبنان شهد تحسناً ملحوظاً في القطاع السياحي عام 2019 فكانت سنة جيدة جداً إلى أن تدهورت الأوضاع في الأشهر الثلاثة الأخيرة مع الأزمة الاقتصادية وتبعاتها.

ورغم أن عام 2020 شهد انهيار السياحة العالمية بسبب تفشي وباء كورونا، فإن القطاع في لبنان واجه عدة تحديات خاصة، فبعد أن استطاع احتواء الوباء في مرحلة أولى وكان من الدول الـ15 الأولى التي فعلت هذا، بدأت الآمال تعلّق على تحسّن محتمل في القطاع بعد إعادة فتح المطار. ويشير مازن بو درغم، إلى توقعات قدوم السياح الراغبين بالخروج من بلادهم بعد ظروف الحجر الصعبة واختيارهم لبنان كوجهة آمنة، لكن للأسف تسارعت الأحداث وتوالت الضربات مع ارتفاع أعداد الإصابات بشكل مخيف والانتقال إلى مرحلة تفشي المرض ثم مع انفجار مرفأ بيروت، الذي قطع الطريق أمام أي أمل بالتحسن التدريجي. فيواجه لبنان اليوم الوباء والأزمة الاقتصادية والوضع الأمني المتوتر في الوقت ذاته، فليس وارداً التطلع إلى تحسن في القطاع السياحي رغم أنه في الأوضاع الطبيعية كان من الممكن أن يكون القطاع السياحي بمثابة المنقذ للبنان، وأصبح هذا مستحيلاً بعد أن عجز لبنان عن الحفاظ على صورته كوجهة آمنة من النواحي كافة.

وحدهم السياح العراقيون يقصدون لبنان حتى اليوم، خصوصاً أن السياحة الطبية عنصر جذب أساس لهم. هذا إضافة إلى المغتربين اللبنانيين الذين حضروا بأعداد كبيرة في الأشهر الأخيرة. أما الأوروبيون فقد تزايدت أعدادهم في السنوات الماضية، وفق بو درغم، وكثيرون كانوا يسعون إلى الإقامة في لبنان قبل أن يتدهور الوضع. كذلك بالنسبة للكويتيين والمصريين والقادمين من أفريقيا بسبب التطور بالمجال الطبي في لبنان.

 

 

لا حلول تلوح في الأفق

لا تقتصر تداعيات تهاوي القطاع السياحي على المداخيل التي يخسرها لبنان، فمئات المؤسسات السياحية تضم موظفين وعائلات تعيش منها، شارفت على الانهيار نتيجة الضربات المتتالية التي تلقاها لبنان والقطاع السياحي.

"ما شهده القطاع السياحي في لبنان من انهيار خلال هذا العام غير مسبوق فلم نشهد مثيلاً له حتى في حقبة الحرب"، بحسب نقيب أصحاب الفنادق بيار الأشقر. ففي تلك الأيام، كانت المؤسسات معدومة لكن منها ما استطاع الاستمرار لأن القدرة الشرائية كانت أفضل. "بدأت الأزمة في القطاع أولاً منذ 8 سنوات بسبب المقاطعة الخليجية ثم بسبب الوضع الأمني المضطرب".

رغم ذلك يتذكر الأشقر عام 2016 الذي شهدت فيه البلاد تنويعاً في السياحة وبدأ التركيز على السياحة الأوروبية نظراً للمقاطعة الخليجية فزادت المداخيل بنسبة 30 في المئة حينها. إلا أن القطاع السياحي اللبناني لا يمكن أن يعتمد بشكل أساس على الأوروبيين، على حد قوله، لاعتبارهم كسياح لا ينفقون كما يفعل الخليجيون الذي لهم المزيد من المتطلبات. كما أن مدة إقامتهم أقصر، فلا تستفيد الفنادق والسياحة عامةً بالمعدل نفسه. فتراجعت مداخيل الفنادق مقارنة بما كانت عليه في عام 2010، على الرغم من هذه التقلبات في المداخيل والأوضاع بقي القطاع يواجه التحديات صامداً حتى أواخر عام 2019. ساء الوضع إلى أقصى حد، وأصبحت الخسائر فادحة حتى بلغ المدخول نحو 1 في المئة.

لا ينكر الأشقر أن وضع السياحة سيء في مختلف دول العالم، لكن في لبنان المصائب كثيرة ومنها القيود المصرفية التي لا تشجع السائح على الحضور إلى لبنان، وآخرها كان انفجار المرفأ، إذ "تضرر 136 فندقاً في بيروت منها فنادق من مجموعات دولية. وبعد تقويم الوضع مع البنك الدولي ومسح الأضرار تبين أنه ثمة حاجة إلى 800 مليون دولار أميركي للتمويل وإعادة تأهيل المؤسسات المدمرة من فنادق ومطاعم وغيرها. إضافة الى خسائر بعشرات آلاف الدولارات للمؤسسات بسبب انعدام السياحة. فبقي الأمل محصوراً بالمغتربين والمواطنين بقدراتهم المحدودة على الإنفاق".

قطاع المطاعم لم يكن أوفر حظاً في الفترة الأخيرة؛ فمع التدهور التدريجي للأوضاع، وتراجع أعداد السياح من جهة والقدرة الشرائية للبنانيين، بدأ الانهيار يطاله شيئاً فشيئاً. فهذا القطاع الذي كان يعوّل على السياح الخليجيين بشكل أساس لقدراتهم الكبرى على الإنفاق، لا يمكن أن يعتمد على القدرة الشرائية للبنانيين لتراجعه بشكل ملحوظ. كما شهد أيضاً إقفال نحو 1200 مؤسسة من سبتمبر (أيلول) 2019، ومنها 250 مؤسسة في يناير (كانون الثاني) 2020 وحده، بحسب أمينة سر نقابة أصحاب المطاعم مايا نون.

توضح مايا نون، أن تدهور العملة المتزايد في الأشهر الأخيرة، بالإضافة إلى أزمة كورونا زادا الوضع سوءاً أكثر، و"الأسوأ أن كافة البضائع تؤمن بالدولار الأميركي وعلى سعر الصرف في السوق السوداء، فتتكبد المطاعم خسائر فادحة نظراً لحالة الركود السياحي، وعدم إمكان البيع بالمعدلات نفسها، وأتى انفجار مرفأ بيروت ليشلّ المدينة أكثر بشكل تام".

الأوضاع كلها لا تدعو إلى الاطمئنان على القطاع السياحي بوجود الوباء المتفشي بالبلاد، والتوتر الأمني الواضح، فضلا عن أن قيود المصارف لا تحمس السياح إلى اختيار لبنان كما كان يفعلون في سنوات ماضية عندما كان وجهة سياحية مفضلة لكثيرين منهم. لكن يأمل المعنيون بالقطاع أن تتحسن الأوضاع الأمنية ويتقيد اللبنانيون بإجراءات الوقاية من كورونا لعودة السيطرة على الوباء، لعل ذلك يشجع السيّاح مجدداً على اختيار لبنان كوجهة سياحية آمنة، ما قد يشكّل محركاً للدورة الاقتصادية.

السياحة الريفية والداخلية في مصر

لطالما افتخر قطاع السياحة في مصر باستيعابه نحو ثلاثة ملايين مصري يعملون في مهن ووظائف لها علاقة بحركة السياحة، وهو ما يعني أن نحو ثلاثة ملايين أسرة مصرية كانت تعتمد على هذا القطاع كمصدر دخل رئيس لها.

أحدث الإحصاءات المتاحة (2014) تشير إلى أن العاملين بشكل رسمي في قطاع السياحة؛ أي المسجلة بياناتهم باعتبارهم ينتمون لقطاع السياحة وليس إلى بائعي البرديات وسائقي الأجرة ونادلي المطاعم وغيرهم من الملايين التي كانت تتكسب من حركة السياحة من المهن الثانوية غير الرسمية في القطاع، كانوا مرشحين للزيادة بعدما بدأت الحركة تستعيد عافيتها أعقاب أحداث سياسية وأمنية بين عامي 2011 و2013 أثرت سلباً في الحركة برمتها.

ورقة الرأي الصادرة عن "المركز المصري للدراسات الاقتصادية" قبل أسابيع تحت عنوان "رأي بأزمة قطاع السياحة في مصر" تشير إلى أن قطاع السياحة بطبيعته بالغ الحساسية والتأثر بالأحداث المحلية والعالمية، لا سيما السلبية، هو ما يفسر سرعة التعافي بعد أحداث 2011 و2013، ثم سرعة الانتكاس في ضوء وباء كورونا. وتشير الورقة إلى أربع أزمات وتعافيات ألمت بقطاع السياحة المصري على مدار العقد الماضي، وهي ترجمة فعلية لطبيعة القطاع بالغة الحساسية؛ تلخصت الأولى في تداعيات أحداث يناير (كانون الثاني) 2011، التي أثربت سلباً في الأعداد السياحية الوافدة بنسبة 13.3 – في المئة، وعلى العائد السياحي بنسبة 8،6 – في المئة؛ وتمثلت الثانية في بدء التعافي في 2011- 2012، ما قلص الأثر السلبي في أعداد السياحة ليرتفع إلى 8.2 – في المئة لكن زاد الأثر السلبي على العائد السياحي بنسبة 11 – في المئة؛ وظهرت الثالثة في تداعيات أحداث يونيو (حزيران) 2013، التي قلصت أعداد السياحة الوافدة مجدداً بنسبة 34.8 – في المئة والعائد السياحي لنحو 48 – في المئة، وتمثلت المرحلة الرابعة في قرارات الحظر التي أصدرها عدد من الدول ومنع مواطنيها من السفر إلى مصر أعقاب سقوط الطائرة الروسية فوق سيناء ما أثر في أعداد السياحة الوافدة بنسبة 32.6 – في المئة وعلى العائد السياحي بنسبة 48.9 – في المئة. أما المرحلة الحالية فهي مرحلة كورونا، وإنْ كانت ضبابية مبهمة. فمن جهة، الأرقام المعلنة عن أثر كورونا في السياحة المصرية لم تكتمل بعد، ومن جهة أخرى يستحيل التنبؤ بما ستؤول إليه الأوضاع في المستقبل القريب لأن الوباء ببساطة يصر على التطور والتغير المستمرين.

أزمات وتعافيات

فمن ظهور الفيروس أواخر 2019 وبداية 2020 واستمرار حركة السياحة إلى مصر بشكل شبه عادي، إلى بداية الانتشار الشديد للفيروس منتصف مارس (آذار) الماضي وحفاظ القطاع السياحي في مصر على قدر معتبر من حركة السياحة لدرجة أن فبراير (شباط) شهد أعلى عائد سياحي (بليونا دولار أميركي) مقارنة بالأعوام السابقة، إلى مرحلة التفاقم وانتشار الذعر والإغلاق وتوقف حركة الطيران في العالم وخسارة مصر للجانب الأكبر من إيرادات السياحة، وأخيراً مرحلة التعافي "المؤقت" أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول)، وهو التعافي المعلق في هواء معاودة الفيروس الانتشار في موجة ثانية بعدد كبير من الدول المصدرة للسياحة إلى مصر.

وزارة السياحة والآثار أعلنت قبل أيام أن مصر استقبلت نحو 250 ألف سائح منذ استئناف حركة السياحة في يوليو (تموز) الماضي. أغلب هؤلاء قدموا إلى محافظتي البحر الأحمر وجنوب سيناء من أوكرانيا وييلاروس وصربيا والمجر وسويسرا ورومانيا ومقدونيا وبريطانيا. مصر التي تمتلك ثروة سياحية عظمى تحوي تشكيلة من الأنواع والأنماط التي قلما توجد في دولة واحدة تحاول رأب الصدع الذي تسبب فيه الفيروس. سياحة أثرية ودينية وشاطئية ورياضية وثقافية وترفيهية، بالإضافة إلى سياحة السفاري والصحراء واليخوت والبيئة والعلاج والمحميات الصحراوية والبحرية والمعسكرات والقائمة طويلة، لكنها تعاني الأمرّين.

تقليل المر

محاولات تقليل المرّ كثيرة. فقبل أسابيع، ومع الفتح التدريجي للأماكن العامة وإلغاء قواعد حظر التجول، بدأت مصر في تنشيط والترويج للسياحة الداخلية حيث يمد المصريون أياديهم لبعضهم البعض لإعادة ضخ الحياة في شرايين السياحة وملايين الأسر المعتمدة على هذا القطاع، وهي حائط الصد والملاذ الآن الذي دائماً يهرع إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من قطاع السياحة كلما تعرض لضرر جراء أوضاع أمنية أو سياسية أو اقتصادية.

سياحة التقاليد والنكهات

المصادفة وحدها هي التي تجعل من اليوم العالمي للسياحة هذا العام مناسبة مثلى لتسليط الضوء على القطاع الأكثر تعرضاً للظلم والتجاهل في مصر؛ قطاع السياحة الريفية. فـ"السياحة والتنمية الريفية" هو عنوان وزاوية الاحتفال باليوم العالمي للسياحة هذا العام. منظمة الأمم المتحدة للسياحة تقول في مناسبة هذا اليوم المُحتفى به في ظل كورونا، إن "السياحة أثبتت أنها شريان حياة للعديد من المجتمعات الريفية، ومع ذلك، لا تزال قوتها الحقيقية بحاجة إلى الانتشار. قطاع السياحة الريفية ليس مجرد مصدر رئيس للعمالة، لا سيما للنساء والشباب، لكنه يوفر كذلك فرصاً للتماسك الإقليمي والإدماج الاجتماعي والاقتصادي للمناطق الأكثر ضعفاً. وتساعد المجتمعات الريفية على التمسك بتراثها الطبيعي والثقافي الفريد، بالإضافة إلى دعم مشروعات الحفاظ على الطبيعة، لا سيما تلك التي تحمي الأنواع المهددة بالانقراض والتقاليد أو النكهات المفقودة".

القاصي عبر الحدود والداني من المحافظات

وفي مصر نكهات ريفية مفقودة، وتقاليد ريفية مهددة بالانقراض، وسياحة ريفية تعاني الهجر والحرمان. من الفيوم حيث السواقي والمزارات والآثار إلى دهشور حيث التراث العالمي الذي وثقته منظمة "يونسكو" والأراضي الزراعية وتراث وتقاليد ليس لها نظير في أي مكان آخر، إلى حديقة النباتات في أسوان التي يحيطها اللون الأخضر من كل جانب، إلى كفر الشيخ وما تحويه من مزارع وحقول ومناحل عسل وأسلوب حياة ريفي حتى النخاع، وغيرها المئات من القرى والنجوع التي تنتظر من يكتشفها، وما يؤهلها لأن تحتل مكانة تستحقها على قائمة أنواع السياحة التي تجذب القاصي عبر الحدود والداني من المحافظات المصرية، ربما يكون الاتجاه نحو الريف وسياحته المتفردة أحد المخارج التي تمد يد العون الإنمائي والاقتصادي للمجتمعات الريفية والأخرى لقطاع السياحة كله إلى أن يتخذ الوباء قراراً حاسماً في شأن نواياه.

 

 

السياحة والانفتاح على العالم  

وقفزت السعودية خطوة واسعة في ظل انفتاح البلاد على العالم وفي إطار جهود تنمية صناعة السياحة وجعلها مصدراً قوياً من مصادر الدخل القومي، إذ نجحت في استصدار موافقة أعضاء المجلس التنفيذي لمنظمة السياحة العالمية على إنشاء مكتب إقليمي للشرق الأوسط يتخذ من الرياض مقراً له، لإدارة وتنفيذ أنشطة المنظمة بالإقليم ولتدريب وتنمية قدرات العاملين في قطاع السياحة، وأصدر مجلس الوزراء قراراً بالموافقة على إنشاء هيئة السياحة في البحر الأحمر، وتنظيم مجلس التنمية السياحي، في ظل الجهود التي يشهدها النشاط السياحي خلال الشهر الحالي، إذ تسارع المملكة الخطى للارتقاء بالقطاع السياحي في البلاد.

وبحسب مركز المعلومات والأبحاث السياحية "ماس"، فإن السياحة السعودية تمثل القطاع الاقتصادي الثاني، نظراً لنسبة توطين الوظائف وتوفير فرص العمل، وتتمتع البلاد بموقع استراتيجي على خريطة العالم، إذ تمتد على مساحة مليوني كيلو متر مربع، ما يمثل 70 في المئة من إجمالي مساحة شبه الجزيرة العربية، الواقعة جنوب غرب قارة آسيا، وتقسم مناطقها الإدارية إلى 13 منطقة، مما ينعكس بدوره على الثراء الثقافي والتنوع الاجتماعي.

فلكلور شعبي جاذب للسياحة 

اتساع مساحة السعودية رسم لوحة تنوع فلكلوري مميزة لثقافات السكان، إذ يوجد بها أكثر من 60 لهجة مختلفة، كان لها الدور المحوري في تنوع الفنون الشعبية الجاذبة للسياح من مختلف مناطق العالم. ومن بين أشهر هذه الفلكلورات "العرضة النجدية" التي كانت أحد أهازيج الحروب التي يؤديها سكان منطقة نجد بالطبول والأشعار، وعرفت عليها لاحقاً بالعرضة (الرقصة) الرسمية للسعودية، وأدرجت على قائمة اليونيسكو للتراث الثقافي غير المادي في عام 2015. وتتنوع الفنون الأخرى ما بين "البدواني، والرديح، والبيشانة، والعجل، والتعشير الحجازي، والدمة" التي تنتشر بالبلاد، بعدما استخدمها السكان الأصليون في الحروب والتحذيرات من الغزو وغيرها.

السياحة الدينية

عرفت السعودية بأنها حاضنة العالم الإسلامي كونها تعنى بخدمة زوار المناطق الدينية "مكة، والمدينة"، إذ يتوافد إليها سنوياً ملايين الحجيج والمعتمرين أو الزائرين، وبلغ عددهم خلال الخمس وعشرين سنة الماضية أكثر من 54 مليون زائر، وتعتبر السياحة الدينية إحدى أهم ركائز الاقتصاد للسعودية، إذ يبلغ عدد المسلمين حول العالم أكثر من مليوني نسمة بمختلف المذاهب. وفي سياق السياحة الدينية، أعلن مصدر بوزارة الداخلية السعودية، الثلاثاء، استئناف استقبال المعتمرين من الداخل تدريجياً بعد توقفها سبعة أشهر تقريباً، استجابة لتطلع المسلمين في الداخل والخارج لتكون المرحلة الأولى لاستقبال المعتمرين في 4 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، بما نسبته 30 في المئة من الطاقة الاستيعابية للمسجد الحرام وفق الإجراءات الاحترازية (6 آلاف معتمر في اليوم الواحد)، وتتبعها ثلاث مراحل تدريجية ترفع الطاقة الاستيعابية للزوار وفق الإجراءات الاحترازية للحد من انتشار فيروس كورونا بين المعتمرين والزائرين، على أن يتاح للزائرين من الداخل والخارج في المرحلة الثالثة زيارة الأماكن المقدسة بحلول نوفمبر (تشرين الثاني)، بنسبة مئة بالمئة من الطاقة الاستيعابية التي تراعي الإجراءات الاحترازية الصحية بالمسجد الحرام (20 ألف معتمر في اليوم).

 

 

 ثراء وثقافة

دأبت السعودية على الاهتمام بالسياحة التراثية والثقافية في مختلف مناطقها، إذ تحتوي على أكثر من 10 آلاف موقع تراثي وثقافي، منها 53 متحفاً حكومياً و23 متحفاً تابعاً لقطاع التراث الوطني، وأكثر من 160 متحفاً خاصاً. وسجلت السعودية خمسة مواقع تراثية عالمية منذ عام 2008، وهي "مدائن صالح، والدرعية التاريخية، وجدة التاريخية، والرسوم الصخرية في حائل (شمال البلاد)، وواحة الأحساء في عام 2018". وبلغ عدد رحلات السياحة الثقافية في السعودية أكثر من 8.5 مليون رحلة، منها 9.3 مليون رحلة محلية و9.1 وافدة حتى عام 2015.

الطبيعة كنز 

تتفوق السياحة الطبيعية والرياضية في السعودية على كثير من الدول نظراً لاتساع مساحتها واختلاف تضاريسها الذي يعكس تنوع الأنشطة المتاحة فيها، ومع منع السفر في محاولة للتحكم بانتشار كوفيد-19، اتجهت أنظار المواطنين والمقيمين في السعودية إلى السياحة الداخلية.

وتعاقدت هيئة السياحة السعودية مع العديد من الشركات والمنشآت المعنية بتقديم الخدمات للسائحين، بهدف تطوير الحزم السياحية المقدمة للعائلات والأفراد، وشهدت البلاد ارتفاعاً بنسبة 26 في المئة بالسياحة الداخلية خلال الجائحة عنها في 2019، ووصل الإنفاق السياحي إلى أكثر من 6 مليارات ريال سعودي (5.1 مليار دولار أميركي)، إثر حملة ترويجية أطلقتها الهيئة، مستهدفة 11 موقعاً سياحياً مختلفاً. وفي السياق ذاته، تحتل السعودية المرتبة الخامسة والثلاثين عالمياً والسابعة عربياً في قائمة أفضل الوجهات العلاجية في العالم، وهو ما ينعكس على توقعات الخبراء بزيادة نسبة السياحة الطبية في السعودية، لا سيما بعد الإجراءات الاحترازية الكبيرة للحد من انتشار جائحة كورونا.