Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تنقذ عودة الماموث كوكب الأرض؟

تجربة ماعز "بوكادو" المثيرة وتطور التقنيات يُحفِّزان الباحثين

في أواسط عام 2003، أعاد فريق من العلماء الإسبان والفرنسيين إلى الوجود "بوكاردو"، أحد أنواع الماعز البري المنقرضة والمعروف باسم "وعل البيرينيه". كان بوكاردو حيواناً كبير الحجم بوزن يصل إلى 100 كيلوغرام، وقد عاش لآلاف السنين متجولاً في قمم ومنحدرات جبال البيرينيه الفاصلة بين فرنسا وإسبانيا، مقتاتاً على أوراق الأشجار متحملاً قساوة برودة الشتاء.

مع تطور الأسلحة النارية منتصف القرن السادس عشر، تمكن الصيادون من اقتناص قطعان بوكاردو في عقر موائلها المنيعة. وفي عام 1989، أجرى العلماء الإسبان دراسة مسحية توصلوا من خلالها إلى أنه لم ينجُ من هذا الماعز إلا زهاء 12 رأساً. وبعد عقد واحد فقط، لم يتبق سوى بوكاردو واحد: أنثى أُطلق عليها اسم "سيليا". قام فريق يقوده ألبرتو أرياس، الطبيب البيطري المتخصص في الحياة البرية، بالإيقاع بهذه الأنثى وطوقوا عنقها بحلقة موصولة بجهاز تتبع، قبل إعادة إطلاقها. تسعة أشهر على ذلك، أصدر الجهاز إشارة تنبئ بنفوق سيليا، كان ذلك إيذاناً رسمياً بانقراض حيوان "بوكاردو" كلياً.

تم الإبقاء على بعض خلايا سيليا حية داخل المختبرات. وخلال السنوات التي تلت ذلك، قام فريق من الباحثين المتخصصين في علم وظائف الأعضاء التناسلية بقيادة الدكتور خوسيه فولك، بحقن أنوية من هذه الخلايا داخل بويضات ماعز مفرغة من حمضها النووي، ثم زرعها داخل أرحام أمهات بديلة. وتقول دورية "ذي أتلانتك" إنه بعد إجراء 57 عملية زرع، لم تحبل منهنّ سوى سبع، أجهضت ست منهنّ. لكن أنثى واحدة أتمت فترة حملها بالخلية التي أخذت من سيليا. ثم أجرى فولك وزملاؤه عملية قيصرية واستخرجوا الجنين الذي كان يزن 2.5 كيلوغرام. عندما حمل فولك أنثى بوركادو الحديثة الولادة بين يديه، لاحظ أنها كانت تجد صعوبة كبيرة في التنفس. وعلى الرغم من الجهود التي بذلت لمساعدتها على التنفس، لم تمر إلا عشر دقائق على ولادتها حتى ماتت.

بين الحقيقة والخيال

ظلت فكرة إحياء الأنواع المنقرضة تتأرجح بين الحقيقة والخيال لأكثر من عقدين من الزمن، منذ أن كتب الروائي مايكل كرايتون رائعته الديناصورية "الحديقة الجوراسية". فقد ظل البحث في إمكانية إحياء الأنواع المنقرضة غالباً حبيس قصص الخيال العلمي باستثناء نسيلة "سيليا" التي تعد من أنجح حالات البحث في هذا الاتجاه.

وفي الواقع، فإن الأنواع التي يمكن أن نأمل في إحيائها من جديد تقتصر على تلك التي اختفت خلال المدة التي تفصل الماضي عن الحاضر ببضع عشرات آلاف السنين، وخلَّفت بعض البقايا التي تحمل خلايا سليمة أو في أسوأ الأحوال ما يكفي من حمض نووي لإعادة تأهيل جينوم هذه الحيوانات. وبالنظر إلى السرعة الطبيعية التي يتحلل بها الحمض النووي، يستحيل استعادة الجينوم الكامل للديناصورات التي اختفت منذ 65 مليون سنة.

دور جديد للتقنية الحديثة

عندما حاول أرياس إحياء البوكاردو لأول مرة منذ زهاء 15 عاماً، كانت أدواته المتاحة بدائية وغير متطورة كما هو الحال اليوم. وخلال تلك الفترة، كان العلماء يستنسخون حيواناً معيناً من خلال أخذ إحدى خلاياه وإدخال حمضها النووي داخل بويضة أفرغت من عناصرها الوراثية. وكانت صدمة كهربائية واحدة كافية لكي تبدأ البويضة في الانقسام. بعد ذلك، يضع العلماء الجنين داخل رحم بديلة. لكن، كانت الغالبية العظمى من حالات الحمل تنتهي بالفشل. أما العدد القليل من الحيوانات التي كانت تولد بهذه الطريقة فغالباً ما كانت تعاني مشاكل صحية.

وقد سهلت هذه الأساليب التقنية إمكانية إعادة إحياء الأنواع المنقرضة. وقد تحدث العلماء والمستكشفون لعقود عدة عن إعادة إحياء الماموث. وكان إنجازهم الأول هو اكتشاف حيوانات ماموث محفوظة بشكل جيد في التندرا السيبيرية. وخلال السنوات الماضية عُثر داخل أحد الأنفاق على قطع من أنسجة الماموث الخلوية بما في ذلك نخاع العظم، والشعر، والجلد، والشحم. وعلى عكس الديناصورات التي بادت منذ زمن طويل، كان الماموث موجوداً على الأرض منذ 4000 عام فقط. يضاف إلى ذلك أن العديد من أجزاء العالم التي عاش فيها الماموث لا تزال شديدة البرودة، ما يعني أن الكثير من الحمض النووي لا يزال سليماً إلى حد معقول في الجثث المجمدة التي تم استردادها من التندرا، وهو ما يكفي علماء الجينات لإعادة بناء جينوم منها، تمكّنك من أن تطمح إلى إنتاج حيوان.

لكن استنساخ ماموث من نواة سليمة سيكون صعباً من الناحية التقنية، إذ يحتاج الباحثون لنقل النواة إلى بويضة أنثى فيل تم إفراغها من نواتها الأصلية. وسيتطلب هذا الأمر استئصال بويضات من أنثى فيل، وهي عملية لم يسبق لأي أحد أن قام بها. وإذا كان الحمض النووي الموجود داخل النواة في حالة جيدة تسمح له بالتحكم في وظائف البويضة، فمن الممكن أن يبدأ في الانقسام والتحول إلى جنين ماموث. ولو استطاع العلماء تخطي هذه العقبة، فإن مهمة أكثر صعوبة تنتظرهم، وهي زرع الجنين داخل رحم أنثى فيل. ثم يتعين عليهم التسلح بالكثير من الصبر، والانتظار مدة تقارب السنتين ليتبينوا ما إذا كانت هذه الأنثى ستلد ماموثاً سليماً.

بين الفيل والماموث
تساعد حقيقة أن الماموث نوع من الأفيال، الباحثين بشكل كبير، ذلك أن نوعين آخرين من الفيلة لا يزالان على قيد الحياة اليوم. وعلى الرغم من أن الأفيال الأفريقية أقرب في الحجم إلى الماموث من أبناء عمومتها الآسيوية، فإن علم الوراثة يظهر أن الصنف الآسيوي هو أقرب الأحياء للماموث، بحسب الدكتور جورج  تشيرش، عالم الأحياء في جامعة هارفارد ورئيس "مشروع إحياء الماموث الصوفي" وأحد كبار الخبراء في مجال مناولة الحمض النووي.

يقوم نهج الدكتور تشيرش بحسب مجلة "ذي إيكونوميست"، على إعادة هندسة "العناصر الماموثية الحاسمة" في خلايا الأفيال الآسيوية ثم استخدام هذه الخلايا المعدلة لـ"إنشاء" حيوانات لها خصائص الماموث. التقنية التي قد تجعل هذا الأمر ممكناً هي أسلوب حديث يستخدمه العلماء اليوم لـ"إعادة كتابة" الجينات يُدعى "كريسبر-كاس 9"، وهي تقنية تسمح بإجراء تغييرات أو إصلاحات دقيقة في أماكن معينة ومحددة داخل الجينوم. وفي حالة الماموث لا تبدو المهمة للوهلة الأولى صعبة للغاية، إذ يتشابه جينوم الفيل الآسيوي بنسبة 99.96 في المئة مع نظيره لدى الماموث. لكن نسبة الـ0.04 في المئة المتبقية هي في الواقع زهاء 1.4 مليون مكان في الجينوم حيث تختلف "الحروف الجينية" لرسالة الحمض النووي بين الفيل والماموث. ويُعتقد على نطاق واسع أن معظم هذه الاختلافات موجودٌ في أماكن غير ذات أهمية. ولكن ثمة 2020 استثناءً تُغير بشكل جماعي طبيعة 1642 جيناً، وهذه الاستثناءات هي ما يميز الماموث عن الفيلة الآسيوية.

لذلك يركز فريق الدكتور تشيرش عمله على "العناصر الماموثية الحاسمة" في الجينوم عن طريق تعديل جينات خلايا جلد الفيل الآسيوي المزروعة في المختبر واحداً تلو الآخر، مع التركيز على التغييرات التي من شأنها تعزيز نمو الفرو، وميل الجلد لتخزين طبقات من الدهون، وتنمية كريات الدم التي بإمكانها التكيف مع البرودة، وتعديل جزيئات البروتين في أغشية الخلايا لتعمل كقنوات لمرور أيونات الصوديوم للمساعدة على الصمود أمام موجات الصقيع.

ويأمل الفريق، بمجرد أن يتم توليد ما يكفي من تعديلات على "العناصر الماموثية الحاسمة" في هذه الخلايا، أن يتم تحفيزها داخل المختبر، وتحويلها بعد ذلك من خلايا جلدية إلى أخرى جذعية، بحيث تمتلك المرونة التطورية اللازمة لتكوين جميع أنواع الخلايا الأخرى أثناء تكاثرها. وعلى المدى الطويل، ربما باستخدام رحم اصطناعية، يمكن أن تنمو خلية جذعية من هذا النوع لتصبح جنين ماموث غير حقيقي، لكنه سيكون بالتأكيد نسخة مُقلدة من الدرجة الأولى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إنقاذ الأرض

وسيمهد نجاح الدكتور تشيرش، للعبور إلى الجزء الثاني من الخطة، وهي تحرير قطعان من حيوان الماموث الحديثة التكوين إلى البرية، والسماح لها بالتكاثر وتغيير الأرض. وهو الحلم الذي طال انتظاره لمجموعة أخرى من الباحثين بقيادة سيرغي زيموف، الذي يدير متنزه "المحطة العلمية الشمالية الشرقية" التابعة للأكاديمية الروسية للعلوم بالقرب من تشيرسكي.

يُعد الماموث الذي سيعاد إحياؤه، أجرأ جزء من خطة زيموف لإحياء النظام البيئي للأراضي العشبية التي هيمنت على سيبيريا حتى وصول البشر إلى هناك، منذ زهاء 30 ألف عام. يعتقد زيموف، بحسب ما يقول لموقع "مركز بوليتزر"، إن التحول في الغطاء النباتي في سيبيريا جاء نتيجة لانقراض معظم الأنواع الحيوانية العاشبة الكبيرة في المنطقة نتيجة الصيد البشري. حيث كان يوجد ذات مرة وحيد القرن الصوفي وجاموس المسك وثور المسك وثور البيسون وغزال الياك والخيول البرية والماموث، ولم يبق الآن سوى الأيائل والرنة. ويعتقد زيموف أن حوافر تلك القطعان العاشبة كانت العامل الحاسم في وقف انتشار الطحالب على حساب العشب. ويبدو أن الكتلة الكبيرة والشهية المتضائلة لأكبر الأنواع، الماموث على وجه الخصوص، كان يمكنها التعامل مع الأشجار الصغيرة قبل أن تكبر، كما هو حال الفيلة في ما تبقى من سافانا بأفريقيا. وتشير النمذجة المناخية إلى أن فقدان الأراضي العشبية أدى إلى زيادة درجة حرارة الكوكب، ذلك أن الغابات والطحالب أغمق من الأراضي العشبية، لذلك أدى انتشارها إلى زيادة كمية ضوء الشمس التي تمتصها المنطقة التي تنمو بها، ما تسبب في ارتفاع درجة الحرارة.

وثمة عامل آخر ذو صلة، وهو أن العشب يحبس الكربون في التربة من جذورها. وفي الموائل القطبية الشمالية يعد وجود العشب أفضل من وجود الأشجار الصغيرة المتناثرة، وأفضل بكثير من الطحلب وهو نوع من النبات ليس له جذور. وهكذا يتم الاحتفاظ بالكربون المخزن بهذه الطريقة بعيداً عن الغلاف الجوي حيث يساهم، في تشكيل ثاني أكسيد الكربون، في الاحتباس الحراري.

ومن الواضح أنه لكي يكون لمشروع زيموف أي تأثير في المناخ، يجب تنفيذه على نطاق واسع. منطقة التندرا الساحلية في شمال شرقي سيبيريا تغطي زهاء 850 ألف كيلومتر مربع، لذا فإن منتزه "حديقة العصر الجليدي المتأخر" في الوقت الحالي بمساحته المتواضعة البالغة 160 كيلومتراً مربعاً مجرد بداية متواضعة. فهل ينجح زيموف بمعية تشيرش في إنقاذ كوكبنا من ظاهرة الاحتباس الحراري؟ وحده الماموث المنقرض يمتلك الإجابة.