Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تقضي التقنيات المتطورة على تجارة الحيوانات البرية المحظورة؟

يستطيع الذكاء الصناعي والمنصات المستندة إلى البيانات في توجيه أعمالها لزعزعة تجارة غير قانونية تقدّر قيمتها بـ23 مليار دولار سنوياً مع انتقالها إلى الفضاء الإفتراضي

موظف جمارك صيني يقف أمام أكياس من حراشف آكل النمل الحرشفي المعرّض للانقراض بعد مصادرتها خلال مؤتمر صحافي في هونغ كونغ 1 فبراير 2019 (غيتي)

لم يكن الوقع الكارثي لتجارة الحيوانات البرية غير المشروعة التي تدرّ مليارات الدولارات يوماً جلياً أكثر مما هو عليه في أعقاب تفشّي جائحة فيروس كورونا.

وعرّض الإتجار غير المشروع بالحيوانات البرية، الذي تقدّر قيمته بـ23 مليار دولار سنوياً، نحو 9 آلاف فصيلة للانقراض، وشكّل مصدر دخل قليل المخاطر بالنسبة إلى المنظمات الإجرامية والجماعات الإرهابية طوال عقود.

وأتى تفشّي كوفيد-19 الذي أسفر عن 221.000 وفاة وثلاثة ملايين إصابة (وقت إعداد هذا المقال)، فضلاً عن انهيار اقتصادي، ليلفت نظر العالم إلى متاهات التجارة بالحيوانات البرية ويدفعه إلى التفكير في سبل القضاء على هذه الشبكات.

ويُرجّح أنّ الفيروس نشأ في سوق "رطبة"[حية وطازجة] داخل مدينة ووهان الصينية، وتشير الدراسات الأولية إلى أنّ حيوان البانغولين، المسمّى بآكل النمل الحرشفي، لعب دور الوسيط المضيف الذي مرّ عبره المرض الحيواني المنشأ حين انتقل من الخفافيش إلى البشر. ويُعدُّ آكل النمل الحرشفي أكثر الحيوانات المعرّضة للإتجار غير المشروع في العالم. فحراشفه تُستخدم في الطب الصيني التقليدي ويُعتبر لحمه من الأطايب في الصين وفيتنام بشكل خاص. 

في هذا الإطار، قدّر الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة عام 2016 أنّ مليون آكل نمل حرشفي انتُزع من البرّية.

ودعا كبار المسؤولين في الأمم المتحدة ومئات الناشطين في مجال رعاية الحيوانات ومجموعات حماية الطبيعة، إضافةً إلى "الاندبندنت" إلى بذل جهود دولية من أجل التصدّي لتجارة الحيوانات البرية غير المشروعة.

وقد تكون هذه المرحلة فرصة تاريخية، لأن حظر السفر وتضاؤل الموارد وتقليص التجارة الدولية والتجارة العابرة للحدود، عوامل أجبرت المهرّبين على التراجع وفقاً للمحادثات التي رصدها ووثّقها محققون متخفّون في تقرير منظمة "لجنة العدالة للحيوانات البرية" الذي صدر هذا الشهر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن هذه الفرصة تتضاءل مع إعادة فتح أبواب التجارة وانجذاب الفقراء نحو تهريب الحيوانات والصيد غير المشروع  كسبيلٍ للنجاة وكسب الرزق.

و"يزداد توجّه شبكات الجرائم البيئية المنظّمة نحو العمل على نمط المؤسسات العالمية متعدّدة الجنسيات، فهي تربط الموارد المحلية بالأسواق العالمية من طريق شبكات معقّدة ومترابطة غالباً ما تكون متجذّرة داخل مجتمع الأعمال وفي الحكومة، وتشمل في بعض الأحيان الجهات المُكلّفة بحماية الحيوانات البرية" وفق ما ورد في تقييم برنامج الأمم المتّحدة للبيئة والإنتربول عام 2016.

ويُزعم أنّ ميليشيا الجنجويد السودانية التي ارتكبت جرائم اغتصاب وقتل ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية خلال النزاع في دارفور في أوائل القرن الواحد والعشرين، نحرت آلاف الفيلة في الكاميرون وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى بهدف جني المال من بيع العاج، بحسب ما أفاد معهد بروكيغز. 

كما تستفيد حركةما يسمى بـ "جيش الرب للمقاومة" المتركّزة في أفريقيا الوسطى، والمسؤولة عن خطف عشرات آلاف الأطفال لتجنيدهم واستعبادهم بهدف استغلالهم جنسياً، من صيد الفيلة غير المشروع في أوغاندا وجنوب السودان والكونغو. 

واعتمدت عمليات ضبط الجرائم المتعلّقة بالحياة البرّية في السابق على تلقّي إخبار سرّي والقبض على المهرّبين متلبّسين. لكن الشبكات الإجرامية تتكيّف مع الأوقات.

وقال ستيف إليوت، المدير الإداري لشركة تحليل البيانات العالمية "ليكسيس نيكسيس ريسك سولوشنز" والمفتش السابق في شرطة هونغ كونغ لـ"الاندبندنت"، "أصبحت الوسائل التقليدية للإتجار بالحيوانات البرية أصعب بكثير الآن. ويعود ذلك جزئياً إلى أنّ العالم بأسره في حال حجر وإلى أنّ الحال هذه تيسّر على أجهزة إنفاذ القانون وغيرها  من الجهات، و(نجاح عمليات) رصد حركة التجارة غير المشروعة".

"ثمة فرصة حقيقية كي تزيد فعالية الأسواق في اكتشاف تجارة الحيوانات البرية غير المشروعة لأنّ نسبة أكبر من البيع والتوزيع ستجري عبر الإنترنت".

ويوفّر الذكاء الصناعي وابتكارات تكنولوجية أخرى حلّاً خلّاقاً لمحاربة المهرّبين الذين يتجهون نحو العمل عبر العالم الرقمي.

  ويطبّق الذكاء الصناعي التعلّم الآلي على كميات هائلة من سمات البيانات، تلك التي تتمتّع بخصائص محدّدة، بهدف استخلاص سلسلة معطيات قادرة على اكتشاف أنماط النشاطات المشبوهة في شبكة أوسع.

ومن أجل مكافحة الإتجار بالحيوانات البرّية، يمكن لخصائص البيانات أن تتضمّن معلومات تتعلّق بالسجلّ الإجرامي وتحديد المواقع الجغرافية، وأنماط السوق وكلمات أساسية ترِد في الإعلانات عن منتجات الحيوانات على شبكة الإنترنت.

وقال السيد إليوت "في الوسع إنشاء ملفات تعريف بيانات معقّدة بسرعة عن تجارة الحيوانات البرية واتّباع المسار العكسي باستخدام النتائج المعروفة لقضايا فعلية بهدف رصد الإشارات المشبوهة وغير المألوفة".

"سيتيح الذكاء الصناعي للسوق القدرة على التصرف بشكل استباقي وفعّال في رصد النشاط غير المشروع وسيسمح بالتالي للمنظمات أن توقف هذا النشاط من دون أن تُضطّر إلى انتظار تلقّي المعلومات السرية التي اعتمدت عليها طويلاً".  

واستخدمت المؤسسات المالية الذكاء الصناعي من أجل استهداف الفساد. فقد اعتمدت مكافحة هذا النشاط غير القانوني في السابق كذلك على تلقّي إخبار وعلى تدقيق لوائح الأسماء المربوطة بالحسابات وسياسات البحث عن الشخصيات السياسية البارزة وأقاربها وشركائها.

 

وقال السيد إليوت "ما فعلناه في قطاع الفساد بالنسبة إلى مؤسسات الضريبة هو أننا درسنا قضايا الفساد المؤكّدة ثم اتّبعنا المسار العكسي في السوق من أجل رصد المؤشرات المبكرة". 

كما أثّرت المواءمة بين البيانات التي طُبّقت على كميات كبيرة من السّجلات على عمليات الإتجار بالبشر في أرض الواقع ويمكن تطبيق هذا الأمر على التجارة غير المشروعة بالحيوانات. 

وأشار السيد إليوت إلى مثال على عمل شركته مع مصرف بريطاني، حين رُصد رقم هاتف ورد ضمن إعلان نشرته صحيفة رقمية في أوروبا الشرقية يعرض وظائف مربّيات أطفال للنساء المحليات إذا سافرن إلى المملكة المتحدة.

"تطابَق رقم الهاتف في أوروبا الشرقية مع الرقم الذي ورد في إعلان دعارة نُشر على شبكة الإنترنت في المملكة المتّحدة ومع رقم أحد الحسابات التابعة لعميل في (البنك). وهذه طريقة بسيطة جداً في مواءمة البيانات باستخدام خصائص هواتف محمولة تُجمع من مصادر عدّة، وعلم (المصرف) من خلالها أنّ أحد عملائه يتاجر بالبشر". 

والتكنولوجيا التي تسمح بتقفّي أثر المهرّبين موجودة- لكنها مُكلفة.

وأضاف السيد إليوت "تواصلت ليكسيس نيكسيس مع هيئات رصد التجارة بالحيوانات البرية وعرضت عليها المساعدة في الكواليس لأننا نحاول أن نقوم بما يخدم المصلحة الاجتماعية". 

"لكن ما ينقص حالياً هو تلك المنظمة المركزية غير التجارية المستعدة للاستثمار كي ننجز هذا العمل".

وتختبئ التجارة غير المشروعة كذلك أمام أعين الجميع في نقاط الدخول المنتشرة. ففي الولايات المتحدة، يُكلّف نحو 130 موظفاً في إدارة الأسماك والحياة البرية بفحص مئات آلاف الشحنات سنوياً وعليهم التدقيق في كميات كبيرة من المعاملات الجمركية الورقية المعقّدة حول فصائل يصعب التعرّف عليها في صناديق الشحن.

ويمكن تخبئة الحيوانات المهرّبة ضمن أوراق الشحنات القانونية لعدم وجود أي نظام قادر على تحليل "كل فصيلة في كل صندوق" في الوقت الفعلي. 

وبسبب حجم التجارة الهائل، لا تُفتح سوى نسبة ضئيلة من الصناديق ويجري تفحّص محتواها باليد أو عبر الاستعانة بكلاب الأثر أو أجهزة الأشعة السينية مما يسهّل على التجارة غير المشروعة أن تفلت من دون التنبّه لها. وهذا لا يعرّض الفصائل الحيوانية  لخطر عظيم فقط، لكن تبيّن أنّ المصدّرين الخادعين يقلّلون من قيمة البضائع عند تصريحهم عنها ممّا يعني عدم جباية ضرائب الشحن.

وفي هذا السياق، تعمل منصّة نظام استخبارات الطبيعة على تحليل وثائق الشحن تلقائياً بعد إرسالها إلى سلطات الموانئ وتقدّر احتمال حدوث تجارة غير مشروعة. وهي ترسل إشارات إنذار لتنبيه مسؤولي الجمارك إلى صناديق الشحن التي تحتاج إلى تدقيق مكثّف.

بدأ المشروع بدراسة تجارة أسماك الأحواض المائية وجدت أن الحكومة تملك معلومات قليلة عن أنواع الأسماك التي تدخل إلى الولايات المتحدة.

وبفضل قاعدة معلوماتهم الرقمية حول الشحنات، يستطيع موظفو الجمارك أن يتابعوا مدى استخدام أحد المستورِدين لميناء محدد مثلاً وما إذا كانت الفصائل المذكورة محددة بشكل صحيح ومتطابقة مع البلد المُصرّح عنه بالفعل. وتشمل التفاصيل الأخرى طول العلاقة بين المستوردين والمصدّرين وحتى أي يوم في الأسبوع يُرجّح أن تصل فيه الشحنات.

وتوفّر المنصّة قاعدة يمكن من خلالها للذكاء الصناعي والحمض النووي البيئي- أي من طريق استخدام آثار المواد الوراثية لمراقبة الفصائل المهددة بالانقراض التي يصعب تقفّي أثرها بالوسائل التقليدية- تعزيز فرص اكتشاف الحيوانات البرية التي شُحنت بطريقة غير قانونية.

ومنصة نظام استخبارات الطبيعة وليدة تعاون بين جامعتي روجر ويليامز وماساتشوستس بوسطن والمؤسسة الدولية لحماية الطبيعة "كونسرفايشن إنترناشونال"، ونشأت بفضل جائزة تكنولوجيا مكافحة جرائم الحيوانات البرية عام 2016 وحصلت كذلك على دعم أوّلي من مايكروسوفت بغية تأسيس منصّة سحابية لمختلف البلاد.

وقال الدكتور آندرو راين، الأستاذ المساعد في مجال الأحياء البحرية الذي أسهم في تطوير النظام لـ"الاندبندنت" إنّ الفكرة كانت "تقليص الاهتمام" بالتجارة القانونية الضخمة والصاخبة واستهداف النشاط غير القانوني [الصامت].

وأوضح "ثمة أشخاص يبلون بلاء جيداً يعرفون ما هو محتوى شحناتهم ويهتمون بحيواناتهم ويدفعون لموظفيهم أجوراً تكفيهم. وفي المقابل، تجد بعض الأشخاص الذين لا تهمّهم الحيوانات والذين يغشّون في بيانات الضريبة وهم يتنافسون في السوق ذاتها. كيف للمستهلك أن يُميّز بين الاثنين؟" 

والعثور على مهرّبي الحيوانات البرية ممكن لكن محاسبتهم على جرائمهم لم تحرز نجاحاً يُعتدّ به. عام 2014، حقّق مكتب المحاماة دي أل آي بايبر في القوانين والملاحقة القضائية والغرامات التي تواجه تجارة الحيوانات البرية غير المشروعة في 11 بلداً، ووجد "مجموعة من نقاط الضعف" إجمالاً.

وقال المكتب "إن النقطة الوحيدة الثابتة في تقارير الدول هي الحاجة إلى عمل دؤوب في كل بلد من أجل التصدّي لتجارة الحيوانات البرية غير المشروعة بفعالية". 

© The Independent

المزيد من منوعات