Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا ارتبطت خرافات الجن بمواقع أثرية في السعودية؟

نشر قصص لنواح ورمي الحجارة وإشعال النيران أبعدت الناس عن زيارتها

" مدائن صالح " فرصة ساحية أهدرت سابقاً لخرافات ارتباطها بالجن (واس)

على متن الخطوط الجوية السعودية المتجهة من الرياض إلى المدينة المنورة، وبعد تلاوة أذكار السفر عبر نظام الاتصال الداخلي، شعرت الصحافية البريطانية التي تعمل في قناة "بي بي سي" مارجوري ودفيلد برهبة وخوف من زيارة مدينة كانت تسمع أنها ملعونة وحل عليها الغضب، وقصص الجان التي تدور حولها "مدائن صالح".

وتسرد الصحافية ودفيلد قصتها، بعد أن وصلت إلى المدينة المنورة اتجهت في رحلة سفر برية لتلك المدينة الصحراوية، التي بقيت متوارية عن الأنظار في المملكة العربية السعودية، بسبب سمعتها المتعلقة بالجان وقصصها خصوصا من يبقى بها ليلا ..

وقالت، الرهبة كانت تسري في أطرافي خصوصاً أن المكان كان ساكناً يسوده صمت مطبق، وبالنظر من داخل المقبرة وجدنا أنه لم يعكر صفو المكان إلا ما خلفته أقدامنا وعجلات السيارة من آثار على عكس البتراء، التي يطوف في أرجائها السياح وبائعو الهدايا وأصحاب الحمير، لم يكن ثمة أناس من حولنا في مدائن صالح، إذ إن المسلمين لن يقربوا هذا المكان، لأنهم يعتقدون أن الأنباط أهلكوا بعد رفضهم التخلي عن آلهتهم والإيمان بالله وحده، فضلاً عن أنه لا يخفى عن أحد صعوبة حصول غير المسلمين على تأشيرات سياحية لدخول المملكة العربية السعودية".

وتابعت، "حين آذنت الشمس بالمغيب عدنا أدراجنا إلى مشارف المدينة القديمة، وتوقفنا عند مجموعة من المقابر، حيث فرشنا بسطاً صغيرة ذات رسوم وألوان زاهية على الرمال، واحتسينا القهوة العربية، وتقاسمنا كعك "المعمول" السعودي التقليدي المحشو بالتمر، ومن أمامنا أضفت حمرة الشمس على المقابر المحفورة في الحجر الرملي بمدائن صالح لوناً ذهبياً، وخيم الصمت والسكون على المكان، وأرخى الليل سدوله برفق على الصحراء".

"مدائن صالح" فرصة ساحية أهدرت سابقاً

وقالت مارجوري، تُعد مدائن صالح في العلا من أهم آثار الشرق الأوسط منذ القدم، حتى أن مؤرخين عرباً وغربيين وصفوها بأهرامات السعودية، كما استغربوا إهدار الفرصة السياحية لهذا الموقع الأثري العظيم، الذي قد يدر على الميزانية السعودية ملايين الدولارات إذا تم استغلاله جيداً، وهو الأمر الذي تنبه له الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد، حين أنشأت بعدها السعودية الهيئة العامة لتطوير محافظة العلا، التي سيكون على عاتقها تحد كبير في تحويل هذا الموقع إلى مرجع سياحي عالمي، نظراً لافتقاره للبنية التحتية المناسبة.

ومن مدائن صالح إلى فيافي نجد وجبال الحجاز وأودية اليمن، التي عرف عن بعضها بأنها مأهولة بالجن مهما تعددت مسمياتهم من الغول والقطرب والسعالي والنسناس، وقد ارتبطت في العديد من الأماكن الأثرية والقبائل المغادرة سواء بعقاب أو هجرة، وقد تكون سبباً في الخوف من زيارتها.

 

 

خنوقة موطن معازف الجن

وقد ذكر الكاتب منصور العساف في صحيفة الرياض، قيل إن الجن سكنوا أرض "وبار" و"جبل سواج" و"أبرق الحنان" من جزيرة العرب، كما سكنوا "جبل حرفة" في محافظة النماص، و"يبرين" التي يرى البعض أنها أرض عاد بعد هلاكهم جنوب الجزيرة العربية، كما زعموا أن الجن سكنوا الحجر من أرض ثمود (وهي تختلف عن حجر اليمامة في عالية نجد التي تضم مدينة الرياض حاليا)، وقد ذكر العلامة "ابن جنيدل" أن في "جبل خنوقة" موطن شهير لمعازف الجن، وتقصد العرب بالمعازف ما يصدر في الصحارى من أصوات ونواح وصفير فسره البعض بصوت الرياح على السواحل والكثبان الرملية.

ورأى البعض الآخر منهم إنما هو صوت نواح الجن، حيث ذكر "الجنيدل" واصفاً "جبل خنوقة" بأنه جبل أشهب تعلو جانبه الغربي برقة كثيب رمل أحمر، وتحف جانبه الشرقي برقة بيضاء واسعة تسمى "أبرق خنوقة"، وموقعه شمال بلدة البجادية غرب محافظة الدوادمي.

وتوقع "الجنيدل" أن "خنوقة" مسكن "بنو مالك" و"بنو الشيصبان"، وهما قبيلتان من الجن،  كما اختلف العرب في موضع "جن البدي" الذي أشار إليه "لبيد بن ربيعة" في شعره، فقيل المقصود بها البادية أي الصحارى، وقيل بل "البدي" واد لبني عامر، وبني عامر أمة من القبائل مجتمعة في جدها الأكبر عامر بن صعصعة، ومساكنها بين نجد وجبال تهامة، وهي إلى نجد أقرب على أنها مجاورة لصحارى الربع الخالي من الناحية الشرقية، ولذا وُصف أهلها بالشجاعة، وشدة البأس، ونجدة الملهوف، مع ما عرفوا به من الفصاحة ورقة الشعر، لا سيما في الغزل العذري الذي تسيده في تلك البلاد قيس بن الملوح "مجنون بني عامر" في مسرح جبل التوباد في محافظة الأفلاج الحالية.

كما أشار العرب إلى "جن البقار"، واختلفوا في البقار هل هو واد أو جبل أو رملة، إلا أنهم اتفقوا على أن وادي عبقر واد مأهول بأمة من الجن، ولذا كثر ذكره في أشعارهم، ورواياتهم حتى أن بعضهم ذكر أن فيه قرية عامرة بأصناف من الجن التي ينسبون إليها كل شخص ذكي، فيقولون "عبقري" نسبة إلى وادي عبقر، الذي ترجح الروايات أنه في أرض اليمن (على خلاف بعض الأقوال التي زعمت أنه بين جبال الحجاز، وتلك التي ذهبت إلى القول بأنه واد في فيافي نجد)، كما قالوا إن "بلاد الشحر" في حضرموت مشهورة بتواجد الجن، ولذا قالوا، إن من قبائل الجن "بنو غزوان"، وإن من ملوكهم "الشنقناق" و"الشيصبان"، وروي أن بعضها سكن في قصر الخليفة العباسي المعتضد بالله في بغداد وروع أهله.

الغول والسعلاة

يقال إن الغول إنما سميت غولا، لأنها تغتال الناس أي تهلكهم، ولذا كانت العرب تقول للمسافر "هون الله عليك غول هذا الطريق"، كما كانت تطلق على "أم الكبائر.. الغول"، ومنها اشتق الكيماويون العرب إبان تحضرهم مسمى "الغول الإيثيلي" أو "الإيثانول" على مادة الخمر حيث أن كلمة "الكحول" بالإنجليزية عائدة كما قالوا إن أنثى الغول، وتسمى "غيلة"، وإن ذكرها يسمى "قطرب"، ولذا عرف عن الغول التلون في صورتها وثيابها، فهي في بعض صورها كالإنسان إلا رجليها فإنها رجلا حمار، وتزعم العرب أن الغول تتغول لهم في الخلوات فيخاطبونها وربما ضيفوها.

أما هواتف الجن فقد زعموا أنها تصيح في القفار والفيافي والأودية السحيقة، وتخيف ضعاف النفوس بصوت مسموع وجسم غير مرئي، حتى كانت العرب من جهلها تعوذ بسيد الوادي (كما تزعم) من سفهاء قومه من الجن.

 

لماذا سميت حائل بعاصمة الجن؟

 بسبب آبارها الكبريتية الساخنة وصخورها المنحوتة، ووجود ثاني أكثر بئر في العالم من ناحية اندفاع الماء، صنفت حائل عاصمة الجن لدرجة أن كل ما يحصل فيها يتم ربطه بالجن. 

فما هي القصص التي جعلتها عاصمة الجن؟ 

تبعد القرية التي تعرف بقرية الجن 50 كلم شمال مدينة حائل، وتقع عند السفح الغربي الشمالي لجبل أجا. القصص والروايات عديدة وجميعها تؤكد سيطرة الجن كلياً عليها، ما دفع بالسكان إلى ترك المنطقة، كما أن بعض المشاريع التجارية القريبة من المنطقة أوقف العمل فيها بسبب تدخلات الجن أو الخوف منهم. 

من القصص التي تختلف في التفاصيل لكنها تتفق في خطوطها العامة، أن أي شخص يصل إلى المنطقة سيجد البيوت المضاءة، البعض يتحدث عن منازل خالية والبعض الآخر يتحدث عن تجارب وضعتهم في ضيافة الجن ليلاً ليعود ويختفي كل شيء صباحاً. 

وفق الروايات المتدوالة عن الآباء والأجداد فإن أعظم مارد في الجزيرة العربية يسمى جمران، كان يتواجد في قاع الصير منذ زمن طويل.

وكان جمران مسلماً مسالماً، ولم يلحق الأذى بأحد وكان الأشخاص من مناطق أخرى  الذين يسكنهم الجن يسافرون إلى حائل كي يشفيهم جمران.

ولأن المارد هذا كان قوياً جداً، فكان الجن يهرب بمجرد وصولهم وقبل المواجهة. لكن جمران رحل عن قاع الصير منذ مدة تاركاً إياها تحت رحمة غير المسالمين من الجن. 

سفينة الجن

الحكاية تنطلق من منزل سمي "السفينة" بسبب طراز معماري فوق الباب على شكل سفينة. فيما مضى كان المنزل يسكنه رجل وزوجته، وكانت الحياة هانئة لكن الصورة انقلبت بعد وفاة الزوجة بمرض عضال، فلم يتحمل الزوج هول الصدمة فهجر المنزل بما فيه من أثاث وملابس وغادر . 

ومنذ ذلك الحين والأحداث الغريبة تثير رعب الجيران، فخلال ساعات الليل تسمع الأصوات، وفي بعض الحالات الغناء وفي أحيان أخرى يضاء الطابق العلوي. كما أن هناك روايات لبعض الشبان الذين حاولوا الدخول إلى المنزل، وتحدثوا عن أصوات أشبه بالصفير واهتزاز الأبواب وعن رعب وخوف منعهم من العودة مجدداً.

أبو الهول الغاضب 

تتضمن قرية "أبا الحيران" كثيراً من التكوينات الطبيعية التي تشكلت بفعل عوامل التعرية، وقد كانت النتيجة أشكالاً مختلفة ومتنوعة. لكن أكثر ما يثير الفضول هو وجه يشبه أبو الهول إلى حد ما، لكن نسخة حائل أكثر غضباً من نسخة مصر. صحيح أن التفسير منطقي وواضح، لكن بحكم أن حائل تملك قصصها الخاصة بالجن فإن أبو الهول ارتبط بها.

حجارة ونيران واختطاف

الحكايات كما روت عديدة، ولعل أشهرها حكاية رجل أرغم على مغادرة منزله بعد أن كانت الحجارة تتساقط عليه ليلاً. قرر الإقامة في الخيمة لكن الحجارة استمرت بالتساقط عليه ناهيك عن تحرك الأواني. 

قصة أخرى عن أسرة عاشت تحت رحمة الأصوات الغريبة التي تصدر من منزل الجيران، ولم تصمت هذه الأصوات حتى اندلعت النيران وأتت على كل ما فيه. التجربة نفسها تكررت في منازل آخرين في الحي أصوات غريبة ثم حرائق. 

لكن الحكاية الأكثر شهرة هي تلك التي تتحدث عن فتاة فقيرة كانت تسكن مع والدها الكهل. ولسوء حظها مسها جني فكانت تشاهده في أحلامها يضربها ويعتدي عليها. ومع تكرر الكوابيس شاب شعرها وتدهورت حالتها، فاستعان الوالد بأحد الشيوخ الذي تحدث مع الجني، الذي هدده بدوره قائلاً "سأذهب الآن لكنني سأعود لآخذ حقي". لاحقاً في تلك الليلة اهتزت أبواب المنزل وسقطت الستائر واختفت الفتاة. بعد يومين قيل إن رجل أمن شاهد فتاة تسقط من أعلى الجبل، وهي تصرخ "ماء" ثم اختفت كما ظهرت.

إهمال تراث رفحاء  بسبب آبار الجن

كما تشكو الآثار في محافظة رفحاء من الإهمال عبر سنوات طويلة، فعراها الزمن، وطالها التخريب، حتى أضحت مُجرد معالم قائمة تخشى الاندثار، وقد أشار عدد من المواطنين عن تهالك الآثار في محافظة رفحاء بسبب آبار الجن.

فعلى مسافة 100 كم جنوب رفحاء، يزخر مركز "لينة" بعديد من المواقع الأثرية والتاريخية، وأكثر من 365 بئراً بعضها عمره آلاف السنين، اندثر معظمها، وبعضها ما زال موجوداً على الرغم من صعوبة ووعورة الأرض، حيث إنها أرض صخرية قاسية. وتحفل لينه بتاريخ كبير، حيث ذكرت في كثير من الكتب والمراجع ككتاب السكوني، ومعجم البلدان، وتغنى بها الشعراء في الجاهلية، كقول مضرس الأسدي، لمن الديار عشتها بالأثمد بصفاء لينة كالحمام الركد.


أبرز الأماكن التي ارتبطت أسماؤها بخرافات الجان 

- وادي عبقر، تقول الروايات إن هذا الوادي يسكنه الجن منذ زمن طويل، وهو مأهول، كما أن شعراء الجاهلية قضوا وقتاً في الوادي بضيافة شاعر جني، فأصبحوا من فطاحلة الشعراء.

 - جنوب مدينة القيصومة، في المنطقة الصحراوية التي تبعدُ حوالي 20 كلم عن جنوب هذه المدينة وحتى منطقة الصمان، يقال إن هناك جن اسمه "أبو نويرة" يشعل الأنوار في الصحراء وشاهده عديد من الأشخاص الذين مروا بالطريق، إذ يظهر شعاع نور ضخم، وكأنه سيارة قادمة إليك ثم يتلاشى عن الأنظار ويظهر في منطقة أخرى.

- مدينة رأس الخير، يقول البعض إن مدينة رأس الزور"سابقاً" رأس الخير"حالياً" على ساحل الخليج العربي، هي عاصمة الجن، خالية من البشر، ومنهم من يرجمون بصوط الحصى من دون أثر، ويحركون الأشياء حتى أن أحد الموظفين قيل إنه فقدعقله بسببهم، كما أن طريق الوصول إلى المدينة مخيفة وكئيبة.

- حادثة في منطقة حائل، تعرض منزل أحد المواطنين في منطقة حائل إلى حريق غريب وضخم قضى على كل شيء في المنزل، وبعد فترة اشتعلت النار في موقعٍ آخر من المنزل وأخمدت.

- جبل حرفة، يقال إن من يذهب إليه وينام ليلة واحدة، يصبح مجنوناً أو شاعراً، وهو ما كشفه 4 أشخاص حاولوا الوصول إليه، ووجدوا أحذية قديمة وقطع ملابس ملقاة على الطريق، وسمعوا أصوات أطفال يبكون ويضحكون في الوقت نفسه.

- المشطب، حيث تروى حكايات كثيرة عن المنطقة المعروفة بالمشطب أو "معازف الجن"، أبرزها أن رجلاً قد مر بهذه المنطقة، فوجد أناساً استقبلوه ونام عندهم، فاستيقظ صباحاً على صحراء قاحلة فارغة من البيوت والناس.

- جبل خنوقة، روي عن هذا الجبل حكايات كثيرة، وهو عبارة عن جبلين يفصل بينهما مجرى وادي خنوقة، ويضم برق رملية زعموا أن الجن تسكنها وبنوا لهم مدينة هناك.

- جبل الدقم، يقال إن هذا الجبل كان وما زال مستعمراً من قبل الجن، وأن من يزوره تلفته الأصوات الغريبة التي تصدر منه، كما يحتوي على بحيرة من الماء، تحرسها أفعى مرعبة.

ماهي إلا ظواهر فيزيائية

الطريف في أمر الأشباح والعفاريت ما روي من ذيوع خبر بالبصرة (قبل ألف عام) يحذر الناس من دخول بيت مهجور في أطراف المدينة، زعم من زاره أنه رأى العفاريت والأشباح تتراءى له في جدرانه وبين منازله، وهو ما دعا الفيزيائي الشهير "الحسن بن الهيثم" أن يطلب من أحد أصحابه أن يزور معه هذا البيت المسكون، ورغم تعجب صاحبه، إلا أن "ابن الهيثم" أصر على الذهاب، وما دخل مع صاحبه، إلا واكتشف نظرية الانكسار الضوئي وابتكر السينما، وبدأ دراساته عن القمرة "كاميرا الغرفة المظلمة"، لأنه اكتشف أن هذه الأشباح والعفاريت المزعومة ما هي إلا انعكاس لضلال أجسام المارين بالطريق على جدران المنزل، الذي دخلت إليه أشعة الشمس، من خلال ثقوب وفجوات تباينت في سطوعها وخفوتها حسب سطوع ضوء الشمس، وبهذا مهدت نظرية الأشباح إلى اكتشافات ظلت حبيسة الكتب أكثر من تسعمائة عام، استفاد منها العالمان الفرنسيان "لوي دايجر" في التصوير الشمسي، و"جبريل ليمان" في التصوير الملون، وكذلك الأميركي "إيستمان جورج" مؤسس شركة كوداك في القرن التاسع عشر، والغريب أن نظرية الأشباح، وما تلاها من اكتشاف الكاميرات، وقفت عاجزة عن تصوير الجن الذين وصفهم العرب قديماً بأنهم يُسمعون ولا يرون.