Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العراق بلد الإنقلابات الدموية واغتيال الخصوم

من يقف وراء هذه السلسلة من العنف والتي تحكمت بمصير الشعب؟

كان عبد الكريم قاسم ينام في وزارة الدفاع ولم يحل ذلك دون قتله قرب الإذاعة الرسمية (غيتي)

استقل العراق العام 1921 بعد صراع مرير بين الدولة العثمانية المتهالكة وبريطانيا التي رفعت شعار (جئنا محررين لا فاتحين)، حينها دخل الجنرال الإنجليزي "مود" العراق الذي غزا بلاد الرافدين من البصرة، ليكتب تاريخاً مغايراً للحقبة العثمانية التي قسمته لثلاث ولايات، بغداد والبصرة والموصل، وسلاطينها الذين تعاقبوا على حكم الممالك العربية دهورا ً، وأذاقوها مرارة التخلف والتبعية باسم الدين.

في هذا التقرير نروم تسليط الضوء على الانقلابات العسكرية التي شهدها العراق بعيد تأسيس الدولة الحديثة، التي اتسمت بالعنف والدموية وقتل الخصوم والتمثيل بهم، والتي بددت مشروع الدولة المدنية نحو العسكرة، ودمغت تاريخه ليكون مهد الانقلابات في عالمنا العربي.

من هو قائد أول انقلاب عسكري في العالم العربي؟

فجعت بغداد بإعلان منشور الطائرات التي حلقت في سمائها ذات صباح خريفي من عام 1936، وهي تحمل مناشير تحذيرية تطالب ملك العراق الهاشمي الملك غازي بن فيصل الأول، بسحب رئاسة الحكومة من رئيسها ياسين الهاشمي، بتوقيع الفريق بكر صدقي رئيس أركان الجيش العراقي. المناشير ألقيت على مقرات الحكومة والقصر الملكي في العاصمة، في سابقة لم يعتدها التاريخ الحديث للدولة العراقية الفتية. بكر صدقي وصف نفسه بأنه (قائد القوة الوطنية الإصلاحية)، وملخصاً خطابه المرسل عبر طائرات القوة الجوية العراقية إلى الشعب العراقي بالتالي "إن الجيش المؤلف من أبنائه قد نفذ صبرهم الحال التي يعانيها جراء اهتمام الحكومة الحاضرة بمصالحها وغاياتها الشخصية، نطالب صاحب الجلالة الملك المعظم إقالة الوزارة القائمة وتأليف وزارة من أبناء الشعب المخلصين"، وعلى الرغم من كونه خطاب مناشدة للملك العراقي آنذاك، إلا أنه جاء بقوة السلاح ليقتحم حصون بغداد، ذلك العسكري المغامر الذي خرق تقاليد الدولة وأهدر رصانتها الملكية، وأدخل البلاد في دوامة من الانقلابات بدأت ولم تنته حتى الساعة، خياراً لولادة الأنظمة العراقية المتعاقبة، التي يؤسسها حكم العسكر الطامعين للسلطة والحكم.

أول تمرد عسكري أشرك القوة الجوية في تهديد الحكم

وبدأ الجنرال بكر صدقي بتحريك القطعات نحو بغداد من محافظة ديالى، حيث تتمركز قطعات الفرقة نحو العاصمة، وحيث قامت الطائرات بأوامر قائد القوة الجوية العقيد محمد علي جواد شريكه في الانقلاب، بإلقاء آلاف المنشورات فوق العاصمة بغداد، تطالب باستقالة الوزارة، وتعين غيرها بقوة السلاح. وفي الوقت نفسه بعث بكر صدقي برسالة إلى حكمت سليمان الذي كان يتولى وزارة الداخلية آنذاك، بضرورة تسلم رئاسة الحكومة، بل طالب ملك العراق الملك غازي ابن فيصل الأول بإقالة الحكومة التي يترأسها ياسين الهاشمي، بعد أن قتل وزير الدفاع جعفر العسكري، وتشكيل وزارة برئاسة حكمت سليمان. استجاب الملك بعد استقالة الحكومة، وليسجل أول انقلاب في التاريخ العراقي الحديث، بل أول انقلابات البلاد العربية العسكرية.

فاتحة عهد الانقلابات

سياسيا ً فتح انقلاب الفريق بكر صدقي، بوابة جحيم الانقلابات في العراق في سابقة سجلها عمله الدموي، الذي قتل وزير الدفاع، وأخضع الضحايا لمغامرته. ولم يكن صدقي إلا ضابط مهووس بالزعامة والشراسة العسكرية، وفق توصيف المراجع البريطانية، وهو من أبوين كرديين مولود في قرية عسكر قرب كركوك، درس في المدرسة الحربية في الآستانة (اسطنبول) وتخرج ضابطاً في الجيش العثماني، وشارك في الحرب العالمية الأولى حتى انضمامه من قبل الإنجليز العام 1920 ضابطاً برتبة ملازم، وتميز بالقسوة والدهاء، وتمكن من قمع انتفاضات عدة ضد الجيش البريطاني، كما تصفه القيادات الإنجليزية.

لكن صدقي الذي سيطر على الجيش بتنصيب أتباعه، لم يدم طويلاً في المنصب، سوى أقل من عام، حين تقدم نحوه جندي عراقي برتبة عريف، وهو في حديقة المطار في الموصل، برفقة قائد القوة الجوية العقيد محمد علي جواد. تقدم العريف عبد الله التلعفري نحوه ليقدم له الطعام، لكنه أخرج مسدسه المخبأ تحت ملابسه، وأطلق النار على رأس صدقي ثم على قائد القوة الجوية ليلقيا مصرعيهما، وليسدل الستار على صدقي وانقلابه برصاصات عريف في الجيش العراقي.

لم يدم حكم بكر صدقي الذي كان الحاكم الفعلي للبلاد سوى أقل من عام، مرت عاجلة بعد نشوة حكم قصيرة، ليسدل الستار على حقبة أول انقلاب في تاريخ العراق الحديث، لكنه دك إسفيناً بين العراقيين، وجعلهم يجرؤون على تغير حكامهم فيما بعد بقوة السلاح وبحفنة ضباط مغامرين، دأبوا التآمر على قياداتهم المدنية والعسكرية معاً. كما حدث في انقلاب الزعيم عبد الكريم قاسم في يوليو (تموز) 1958.

ثورة أم انقلاب؟

في ليلة الرابع عشر من يوليو حدث انقلاب عسكري أكثر دموية في تاريخ العراق، وقلب الأمور كلياً، وحوّل النظام العام الملكي (1921-1958) إلى نظام جمهوري، وأنهى العهد الهاشمي الذي نعم فيه العراق بحقبة لن تتكرر من تاريخه، تبلورت خلاله الدولة المدنية التي وفرت مناخاً من الطمأنينة والسيادة على الدولة التي استعادت أغلب أجزاءها، لا سيما ولاية الموصل من يد الأتراك، منذ دخول ملك العراق فيصل الأول آتياً من سوريا حتى يوم اقتحام قصر الرحاب مقر الحكم الملكي في بغداد. كما يجمع المؤرخون العراقيون الذين يرون في هذا الحدث الجلل ما يجعلهم في حالة غضب وانقسام أيضاً، في توصيف ما أقدم عليه مجموعة من الضباط العراقيين المنضوين تحت حركة الضباط الأحرار، يتقدمهم الزعيم عبد الكريم قاسم وصديقه (اللدود) عبد السلام عارف، الذي انقلب عليه في ما بعد.

مقتل العائلة الملكية فجيعة كبرى

لم يكن حدثاً عابراً في حياة العراقيين حين فجعوا بمقتل آخر ملوك العراق فيصل الثاني، ووصي العرش خاله عبد الإله، ومقتل مؤسس الدولة العراقية رئيس وزرائها نوري السعيد، الذي استلم رئاسة الحكومة أربع عشرة مرة، بعد أن خانه أقرب المقربين إليه من حمايته، ورجال كانوا مؤتمنين على حياته أمثال وصفي طاهر المرافق العسكري الشخصي للفريق نوري السعيد، الذي تآمر عليه وأطلق النار - قبيل موته منتحراً - على رأسه ليسحبه الغوغاء إلى الشوارع يسحلون جثته على الأسفلت، كما مثَّلوا بالوصي قبله، ليسدل الستار على واحد من دهاة السياسة في عالمنا العربي، بحسب توصيف الباحث محسن محمد المتولي، الذي أنجز بحثاً مهماً عن حياة نوري السعيد، وتاريخ الحكم الملكي في العراق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بوابة المأساة العراقية

لم تقتصر تداعيات انقلاب الرابع عشر من يوليو 1958 على العراقيين، فبعد الميتة المؤلمة للأسرة الهاشمية المالكة في العراق، والمصير الشنيع لجثث أركان النظام الملكي، فالمشاهد الدموية تعدت أركان النظام ورموزه، إلى قتل رئيس وزراء الأردن، والوفد السياسي المرافق له الآتي إلى بغداد، كذلك وصل القتل والسحل إلى بعض الأجانب والأوروبيين الذين قدموا إلى بغداد للتجارة أو لشغل الوظائف.

يقول الدكتور فالح الحنظل وهو ضابط سابق في الحرس الملكي العراقي: "... وكان لتشغيل طاحونة الموت في العراق صبيحة يوم 14 يوليو 1958 على الشكل الذي تم فيه تشغيلها، أن التهَمَ الموت، لا المغامرين الطامحين في الحكم والسيطرة والنفوذ وحسب، وإنما التهم أبناء الشعب العراقي من أقصاه إلى أدناه، وشهد العراق مجازر رهيبة لم يعهدها تاريخه".

أكد الانقلاب حقيقة أن العنف يورث العنف، ويزيد أواره. ففي الموصل وبعد سنة من الانقلاب، حدثت مجازر دموية بين الشيوعيين أنصار الانقلاب والقوميين المغالين، وصارت ظاهرة السحل في الشوارع مشهداً يومياً للتمثيل بالخصوم والتشفي بمقتلهم، بل تعدى ذلك إلى تعليق الأموات على أعمدة الكهرباء في الشوارع العامة، لإيصال رسائل الترهيب إلى خصوم الانقلابيين العسكر، الذين توّجوا عهدهم الجمهوري الانقلابي بالدم، كشفوا عن الغل الكامن في نفوس أطراف الصراع وقسوتهم.

آلة الموت لم تتوقف بعد الانقلاب

وبدأ العراق عصر (الثورة تأكل أبناءها) الواحد تلو الآخر، فلم يتوقف القتل بعد تصفية العائلة المالكة على يد النقيب عبد الستار العبوسي، حين تلقى أوامر للقيام بذلك، وأمر جنوده، وقام معهم بإطلاق نار مدفعيته على قصر الرحاب، مكان سكن العائلة المالكة، وليقوم بتصفيتهم في سابقة أذهلت الشعب الذي كان جلّه يحترم وجود العائلة المالكة، وينظر إليها باحترام، وهي كانت تتوقع أن أسوأ مصير لها يكون بترحيلها، كما حدث مع الملك فاروق في مصر.

انتحار العبوسي

وبعد سبع سنوات من الأحلام والكوابيس التي لاحقته وحرمته من النوم، عمد منفذ الانقلاب العقيد العبوسي إلى الانتحار في العام 1965، بعد أحلام مرعبة لازمت حياته، كما كان يؤكد لأقرب أصدقائه، وأن الأسرة المالكة كانت تظهر كل ليلة في أحلامه، كما كان يقص لصديقه العقيد المظلي عدنان محمد نوري. وبأنه كان يعيش حالة نفسية متردية نتيجة شعوره بالذنب حتى انتحاره نتيجة تكرار أحلامه وعذاباته وشعوره بالإحباط وهو يرى قادة الانقلاب يتساقطون واحداً تلو الآخر، وكأنهم أصيبوا بلعنة العائلة المالكة.

وعلى الرغم من أن انقلاب العسكر على النظام الملكي نجح في تقويضه، لكنه أورث العراق عهداً بل عهوداً دموية في تاريخه، وفتح الباب على صراع طويل بين مكوناته الحزبية وفصائله المسلحة، بعد حلول سلطة العسكر التي حكمت بمنطق القوة والعنف وفرض الهيمنة على المجتمع، وألغت الدولة المدنية عملياً. وبالرغم من تأكيدها على كونها نظاماً يؤمن بتداول السلطة، احتكرت السلطات، وساد عصر من الفوضى والاقتتال المجتمعي، وبداية مظاهر حكم الطوائف، وتمرد المؤسسة الدينية التي بدأت بالتدخل في مفاصل الدولة ونشوء أحزاب تحاكي حركة الإخوان المسلمين في مصر.

 

فقدان بوصلة التواصل مع العالم

إضافة الى فقدان أدراك قيمة المتغير الدولي، الذي كان النظام الملكي يحظى به، من خلال مساهماته الفاعلة في تأسيس الأمم المتحدة ومنظماتها الدولية، وفاعلية الدولة العراقية في الإقليم، وعلاقاته المميزة مع جيرانه والعالم، تحول التأييد والقبول إلى الاستعداء والمنافسة القاتلة بعد أن فقد العراق رموزه المعتبرة هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن انقلاب 1958 ولَّد صراعات داخلية بين الأحزاب والمكونات العرقية، وهز بنية المجتمع العراقي نتيجة فقدان الحكمة، والشطط في قرارات التعامل مع المكونات، كما حدث مع الأكراد وأهالي الموصل، وشيوع ظاهرة الاغتيال السياسي، وتفشي الحركات الباطنية. وشجعت سطوة الجيش على المجتمع المدني نمو عشرات الظواهر الديكتاتورية وتنامي الأحزاب التي دكت إسفين بناء المجتمع بالفرقة والتصارع مع بعضها، وأسست لظاهرة الانقلابات اللاحقة.

الثامن من شباط 1963

لم يدم حكم الزعيم عبد الكريم قاسم طويلاً (1958-1963)، وهو الذي حول النظام إلى جمهوري، وأقر بتداول السلطة، وعمل على محاكاة الحركات الثورية في العالم، وإخراج العراق من "حلف بغداد". وعلى الرغم من حصاده الجماهيري الكبير واقتناع الناس بنزاهته الشخصية والتفاف الطبقات الكادحة حوله، وتصفيته لمنافسيه، فقد حمل مقتله حين حدث انقلاب أو حركة "الثامن من شباط" (فبراير) وتولي خصمه وصديقه السابق في حركة الضباط الأحرار عبد السلام عارف رئاسة الجمهورية بعد عملية دموية أدت الى مقتل الزعيم قاسم، والتمثيل به أمام الكاميرات في مبنى الإذاعة والتلفزيون العراقية.

عوامل كثيرة أسقطت الزعيم الانقلابي

ولم يكن إسقاط قاسم بقرار عراقي محلي، بل تداخلت فيه مجموعة من العوامل التي حرضت على اغتياله والانتقام من وجوده في الحكم، مع تداخل عوامل داخلية تمثلت بالصراع الحزبي بين الشيوعيين الذين يؤيدونه، والقوميين الذين يناوؤونه ويخططون لإزاحته عن سدة الحكم، ومع تنامي الصراع على السلطة من قبل المؤسسة العسكرية المنقسمة بين الضباط المسلكيين التقليديين الذين يدعمون قاسم، والآخرين الذين يناصرون حكم الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وفي مقدمتهم زعيم الانقلاب عبد السلام عارف وأحمد حسن البكر.

كذلك فإن الدول الكبرى، وجدت أن تصرفات قاسم وسلوكه السياسي لا يخدمانها ولا ينسجمان مع خططها التي كانت تسعى إلى إحكام الطوق على المد الشيوعي في الخمسينيات والستينيات، في وقت كان قاسم يطمح بالانضواء في حلف وارسو، وعقد صفقات سلاح مع الروس، بل عقد معاهدة دفاع استراتيجية مشتركة مع الاتحاد السوفياتي، كما قام بتأميم أولي للنفط من خلال ما يسمى بقانون ثمانين، الذي يحدد عمل الشركات النفطية في العراق ويحول دون تمددها.

هذه العوامل وسواها عجّلت بإسقاط الزعيم عبد الكريم قاسم بضربة عسكرية استباقية، قادها الجناح العسكري لحزب البعث، الذي لم يستمر في الحكم سوى تسعة أشهر لينقلب عليه العسكر من جديد.

انقلاب 1963 وإقصاء البعثيين

لم يمض على انقلاب البعثيين سوى تسعة أشهر حتى انقسموا في ما بينهم، لكونها التجربة الأولى لهم في الحكم، ولصغر سن أغلبهم، وبروز تيارات متباينة أدت إلى الانشقاق ثلاثة توجهات، أقواها زعيم الحزب وقتها علي صالح السعدي المتشدد والمتسلط على زمام الأمور، وتيار يميل نحو المرونة بزعامة حازم جواد وهو المخطط والمفكر للحركة، وتيار ثالث يقوده العسكر يمثله أحمد حسن البكر الذي تمكن في الآخر من السيطرة وترأس الدولة.

وللمرة الأولى فان جناح الحزب المتشدد ينحو نحو تأسيس ميليشيا تسمى (الحرس القومي)، من مجموعة من الشباب المغامرين، يقودهم علي صالح السعدي ومنذر الونداوي، وقد ارتكبوا أخطاء هائلة في تعاملهم مع المجتمع، أوجد حالة من العداء من مناوئين لهم من داخل المؤسسة العسكرية التي قادها عبد السلام عارف في "حركة تشرين"، التي وصفت بالتصحيحية، وقاموا بمطاردة عناصر الحرس القومي وإقصاء عناصره المغامرة، وتحرك الجيش بأمر عبد السلام عارف للسيطرة على بغداد وتم اعتقال البعثيين، وإحالتهم للمحاكم.

توصف تجربة تولي البعثيين السلطة خلال مدتها القصيرة، من أكثر الفترات فوضى في السياسة العراقية، قادها مغامرون شباب، بعدها تولى الحكم عبد السلام عارف وعبد الرحمن من بعده، وغرقت البلاد ببلادة سياسية ولم يقدم تجربة مميزة، وظل أسيرا ً لطروحاته غير عراقية في الحكم والتصور.

17 تموز

أطيح بنظام الرئيس الفريق عبد الرحمن عارف صبيحة السابع عشر من يوليو العام 1968 ليتولى حزب البعث العربي الاشتراكي السلطة في العراق بزعامة الفريق أحمد حسن البكر ونائبه المدني صدام حسين، في شراكة تكريتية واضحة، لتولي السلطة في العراق، وبدأت طلائع البعث تتوافد إلى بغداد من المحافظات لتشن أكبر حملة اعتقالات في تاريخ البلاد وتحول "قصر النهاية" في بغداد (الرحاب سابقاً) إلى معتقل يتولاه رجل الأمن المخيف ناظم كزار صنيعة صدام حسين، الذي تمادى في تعذيب خصومه وقتلهم باعتبارهم (أعداء الثورة) وانصرف كزار إلى زج أعدائه الشيوعيين في السجون وانتزاع الاعترافات منهم بالإكراه، حول أوكارهم ومطابع منشورات الحزب الذي عاش أسوأ ظروفه السياسية.

ثورة بيضاء أم انقلاب أسود؟

في وقت كان البكر يعلن أن "انقلاب تموز" ثورة بيضاء تهدف إلى تغيير المجتمع وتنميته ووضع العراق في مصاف الدول المتقدمة، كان جهاز الثورة بقيادة صدام حسين في مهمة لم تتوقف لاعتقال واغتيال الكثير من الخصوم السياسيين بعد تسلم البعث للسلطة، التصفية وصلت إلى شركاء الانقلاب من العسكر أمثال إبراهيم الداود وعبد الرزاق النايف، ممن ساهموا في مساعدة البعثيين على تسلم الحكم وانتزاعه من الجيش، الذي كان يتولاه الرئيس عبد الرحمن عارف (1964-1968) الذي نفي إلى تركيا، في سابقة لافتة كونه الرئيس الوحيد الذي لم يقتله الانقلابيون كما حدث للآخرين.

وكانت حقبة البعث في العراق التي أستمرت من 1968 إلى 2003 بعد الاحتلال الأميركي للعراق، تعد من أطول حقب العهد الجمهوري الرابع، واستمرت لما يزيد عن 35 عاما، خاض العراق فيها حروباً داخلية وخارجية دموية، لاسيما تبنيه مشروع حماية البوابة الشرقية للعراق، كما قال صدام حسين، وهو يخوض حرب الثماني سنوات مع إيران (1980-1988) والتي فقد العراق فيها مئات الآلاف من الجنود والمدنيين وقصمت ظهر الاقتصاد، وأدت الى تداعيات خطيرة في بنية المجتمع أهمها عسكرته كلياً، وفقدان السيطرة على المنطقة الشمالية التي يقطنها الأكراد، وعقد اتفاقية الجزائر التي تخلى فيها العراق عن نصف شط العرب، إضافة إلى تصفية كل الحركات السياسية الشريكة له في الجبهة الوطنية وتصفية الخصوم من الحركات الإسلامية، ووضعها في خانة العداء فالإعدام.

لكن ظروف العوز التي شهدها العراق بعيد الحرب العراقية الإيرانية، وانهيار اقتصاده أدتا إلى غزو الكويت وتحمل العراق للعقوبات الدولية وتدمير جيشه في حرب الخليج الثانية، ودخول القوات الأميركية إلى العراق، بعد تحرير الكويت، وفرض حصار شامل عليه استمر 13 سنة، توقفت خلاله التنمية في البلاد، وانهارت بنيته المجتمعية، ونمت ظواهر مكنت المعارضة العراقية في الخارج لا سيما الإسلامية من إقناع الأميركيين بغزو العراق واعتباره من الدول المارقة التي دمرت أغلب مكتسباتها الوطنية. وخضع العراق لاحتلال عسكري لمدة ثمانية أعوام (2003-2011) حين قرر الرئيس الأميركي باراك أوباما سحب قواته، وعقد اتفاق استراتيجي مازال سارياً.

أسباب عامة للانقلابات العسكرية في العراق

أسباب لا تعد أو تحصى وراء الانقلابات الخمسة الكبرى التي شهدها العراق، والتي عصفت بحياة الناس وكان جل ضحاياها من المدنيين. في مقدمة الأسباب التركيبة الإثنية المتنوعة للمجتمع العراقي والتباين في تطلعات وأمال تلك المكونات التي تجمع بين المؤمنين من الإسلاميين والمسيحيين واليهود والصابئة حتى أقصى الملحدين، الذين يعيشون في مناطق شبه معزولة. كذلك التباين في الرؤى والتطلعات التي تحكم سلوك المجتمع لا سيما وأنه من مذاهب ومشارب شتى لم تجد نظاماً مدنياً كفوءاً يجمعها بدولة يحكمها دستور ثابت وقوانين تلبي حاجات المجتمع وتخلق توافقاً مجتمعياً فوق الصراعات الثانوية. كذلك فإن الظروف الموضوعية التي عاشها العراق وهو بين حصارات متنوعة ومتناقضة يتصارع فيها الإقليمي مع الدولي، على بلد من أغنى بلدان العالم في موارده وتنوعه البيئي ومنتجاته، لو توافر له ظرف مستقر، لكان من أغنى بلدان المنطقة، لا سيما في مجالات تصدير الطاقة، وتصريف بضائعه.