Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

100 عام من التحديات: هل انتهت "وظيفة" لبنان؟

هو مغامرة حرية في شرق سلطوي وطقس ديمقراطي في مناخ ديكتاتوري

الجيش الفرنسي يدخل بيروت بعد انهزام العثمانيين في الحرب العالمية الأولى (غيتي)

مئوية لبنان الكبير تبدو لفرط تزاحم الأحداث، كأنها ألفية. في أول سبتمبر (أيلول) عام 1920 أعلن الجنرال هنري جوزف غورو من شرفة قصر الصنوبر في بيروت ولادة لبنان الكبير من الناقورة الى النهر الكبير. لا كبداية تاريخ، بل كاستمرار لتاريخ. إمارة فخر الدين كانت أوسع من مساحة لبنان الكبير. إمارة بشير الشهابي كانت اقل مساحة. أيام القائمقاميتين، باقتراح من مستشار النمسا مترنيخ، كان لبنان هو الجبل. كذلك أيام المتصرفية، بحماية الدول السبع الكبرى في منتصف القرن الـ 19، ودائماً كان الحكم خاضعاً للسلطنة العثمانية ومستقلاً ذاتياً عنها في آن.

رجل أوروبا المريض

لبنان الكبير بدأ كمشروع ماروني من ضمن حلول "المسألة الشرقية"، بمقدار ما هو مشروع فرنسي في إطار الصراع على النفوذ لوراثة "رجل أوروبا المريض". حدوده جرى التفاهم عليها بين القوى الاوروبية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى. القيصر الروسي نقولا الثاني، هو اول من طرح تقاسم تركة "رجل اوروبا المريض" في حديث مع السفير البريطاني. لكن السفير الذي كان يعرف ان الطبخة لم تنضج بعد رد بالقول: "الرجل المريض في حاجة الى طبيب يعالجه لا الى جزار يقطعه". وحين نضجت الطبخة، فإن اتفاق سايكس-بيكو 1916 لم يكن ثنائياً بل ثلاثياً بين البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرنسوا جورج بيكو والروسي وزير الخارجية سيرغي سازونوف. وبموجب الاتفاق تحصل روسيا على "اسطنبول واجزاء اخرى من تركيا وكردستان وحصة في القدس". لكن الثورة البولشفية 1917 أخرجت روسيا من الاتفاق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولادة لبنان الكبير لم تكن سهلة. وزارة الخارجية الفرنسية ممثلة بالديبلوماسي دي كيه كانت تريد مساحة أصغر، في حين كانت خارطة النفوذ والمصالح الاستراتيجية في وزارة الدفاع، ترسم مساحة أكبر. وخلال البحث في ترسيم الحدود بين رئيس الوزراء الفرنسي جورج كليمنصو وبين وفد لبناني برئاسة البطريرك الياس الحويك، فان شحطة قلم فرنسية وضعت دمشق ضمن لبنان، كما روى العميد ريمون اده عن والده عضو الوفد اميل اده، فطلب الوفد اللبناني التصحيح، كما رفض البطريرك الماروني ضم وادي النصارى في الشمال، لأن فيه " كثيراً من الروم الأرثوذكس". فرنسا انتظرت تكريس انتدابها على لبنان وسوريا في إبريل (نيسان) 1920 خلال مؤتمر سان ريمو. والجنرال غورو لم يستطع إعلان الولادة، إلا بعدما احتل دمشق وأسقط المملكة التي أعلنها فيصل الأول في سوريا ولبنان والأردن وفلسطين. إذ لا يزال السوريون حتى اليوم يصفون لبنان بأنه "غلطة تاريخية"، ويرون أنه حجب البحر عن الشام. ولا يزال في لبنان والمنطقة من يصفه بأنه "غلطة جغرافية"، بسبب تكبير المساحة وعدد السكان. ولا يزال في لبنان أيضاً فريق من بقايا "الكتلة الوطنية" يعتبر أن "الاستقلال" حدث يوم إعلان لبنان الكبير لأنه "استقلال عن سوريا"، لا يوم الاستقلال عن فرنسا عام 1943. وبالمقابل، فإن وجهاء السنّة في بيروت وطرابلس رفضوا المشروع، وأصروا على "الوحدة مع سوريا"، وعقدوا لذلك "مؤتمر الساحل"، في بيت سليم علي سلام في بيروت. كذلك فعل وجهاء الشيعة في "مؤتمر الحجير" عام 1920حيث بايعوا فيصل ملكاً. لكن الشيعة عادوا إلى الانخراط في السلطة الجديدة تحت الانتداب الفرنسي. والسنة اخذوا وقتاً أطول للانخراط، ثم للعمل من أجل الاستقلال عبر الدور الكبير الذي لعبه رياض الصلح الى جانب بشارة الخوري.

العواصف

خلال مئة سنة تعرض لبنان لأحداث عاصفة في الداخل، ومن الخارج، وجرى تحميله أثقالاً أكبر من قدرته. هو أصلاً مغامرة حرية في شرق سلطوي. نظام طائفي ودولة مدنية ليس في الدستور نص على دين لها، حيث العيش المشترك بين الطوائف بالمعنى السياسي لا البيولوجي، على عكس الأنظمة الطائفية "المستترة" من حوله حيث للدولة دين، ولا رئيس إلا على دين الدولة. وطقس ديمقراطي في مناخ ديكتاتوري من حوله. نقطة التحول كانت الاستقلال عام 1943 وجوهره الميثاق الوطني والصيغة الدقيقة لتوزيع السلطة بين الطوائف والاتفاق على "لا شرق ولا غرب". لكن كل ما في الشرق والغرب صار هنا في وقت ما. حتى النص في اتفاق الطائف ثم في الدستور على أن لبنان "وطن نهائي لجميع أبنائه"، فإنه لم يمنع أن يكون في السلطة من يطالبون بأخذ لبنان الى الوحدة العربية أو الوحدة السورية أو الأمة الإسلامية، بوجهيها الأصولي السني والأصولي الشيعي. بلد من 18 طائفة محشور جغرافياً بين دولتين: واحدة لا يعترف بها هي إسرائيل، وأخرى لم تعترف به إلا مؤخراً هي سوريا. بلد عيش مشترك واقتصاد حر وانفتاح ثقافي كان عليه أن يكون "ساحة" لأكبر ثورتين في هذا العصر: الثورة الفلسطينية والثورة الإسلامية في إيران. وفوق ذلك، كان المستوى الهزيل للتركيبة السياسية الحاكمة في معظم العهود، حيث لا رؤية، ولا استراتيجية، ولا رادع ضد الفساد ونهب المال العام.

إسرائيل شنت حربين كبيرتين وثلاث عمليات متوسطة. القوات الأميركية نزلت فيه مرتين. قوات الردع العربية صارت كلها قوات سورية. الدخول في صراع في المحاور في الخمسينيات قاد الى أحداث 1958. وأثقال المنظمات الفلسطينية في أوائل السبعينيات ومعها طموحات فئات لبنانية لتغيير النظام، قادت الى حرب 1975 التي دامت حتى 1990. وقليلاً ما حكم اللبنانيون بلادهم، ولو في الواجهة. فرنسا حكمت من 1920 الى 1943. الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات كان يفاخر بأنه "حكم لبنان" بين 1975 و1982. سوريا حكمت لبنان منذ بداية الحرب حتى العام 2005. وأكثر من قوة إقليمية ودولية أبرزها إيران "شريكة" في الحكم اليوم بشكل غير مباشر.

العروبة

ما فعله لبنان بنجاح هو أنه تجاوز الدعوات الى التقسيم، كما الدعوات الى الاندماج في دولة أخرى أو أكثر. في الطائف كانت "مصالحة" اللبنانية والعروبة، عبر الانتقال في الدستور من النص على أن لبنان "ذو وجه عربي" الى النص على أن لبنان "عربي الهوية والانتماء". وهو يواجه اليوم تحديات مشروع "غلبة" شيعي ضمن مشروع ولاية الفقيه و"حكم المهدي المنتظر للعالم". وهما بالطبع تحديات إمساك حزب الله بقرار الحرب والسلم فيه، وكل القرارات السياسية المهمة، وذهابه إلى القتال في المنطقة.

والسؤال بعدما عرف لبنان كيف يحفظ رأسه وقت تغيير الدول بمساعدة دول هو: هل يستطيع لبنان الخروج من هاوية الأزمات المالية والاقتصادية والسياسية والحفاظ على رأسه وقت تغيير الدول اليوم؟ كان محمد حسنين هيكل يصف لبنان بانه "شرفة جميلة" في العالم العربي، و"مرصد الأفكار" ويضعه في خانة "دول الوظيفة" لا "دول الدور". فهل انتهت "وظيفة" لبنان كجسر بين الشرق والغرب وأرض عيش مشترك، بعدما تغيرت الدنيا فيه ومن حوله، خلال مئة عام؟ وهل هو مرصود لـ "دور" أكبر من قدرته في شق الطريق الى امبراطورية ايرانية؟

خلال زيارة محمد خاتمي الى بيروت أيام رئاسته لإيران، قال: "لبنان عالم متكون من عوالم عدة. لوحة فنية وصورة متألقة عن الدين والأدب والثقافة والفن والسياسة. جوهرة تشع في الليل فيؤذي شعاع نورها هواة الظلام، ما يجعلهم يحاولون تحطيم هذه الجوهرة".

فأين نحن من هذا الكلام الذي صار صاحبه "معزولاً" في طهران؟

يقول الشاعر الألماني وولف بيرمان "كل غلطة لها وقتها. هناك أخطاء على مستوى التاريخ، وأخطاء دون مستوى التاريخ". ونحن دفعنا ثمن ما ارتكبه امراء الطوائف من أخطاء على مستوى التاريخ ودون مستواه، وما خطط له مسؤولون في دول تلعب به. ولا أحد يعرف ما الذي ندفعه بعد، ما دمنا لا نزال نسأل بعد مئة سنة: أي لبنان نريد؟ لكن الكل بات يعرف أي لبنان يراد له أن يكون، وفي أي دور.