Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"حزب الله" لا يأبه لإدانة محكمة لاهاي والحريري سيتشدد ولن يغامر

حسابات "المزايدة" عامل مؤثر في الموقف من الحكم باغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق

يترقب الوسط السياسي اللبناني وكذلك العواصم العربية والأجنبية، اليوم الثلاثاء، 18 أغسطس (آب)، نطق غرفة الدرجة الأولى في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بالحكم في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، التي وقعت في 14 فبراير (شباط) 2005، بعد مخاض طويل من التحقيقات الدولية في القضية التي قام بها جهاز المدعي العام، ثم جلسات المحكمة والاستماع إلى الشهود منذ عام 2011.

فالقرار الاتهامي في القضية سبق أن اتهم خمسة مسؤولين في "حزب الله" بالتورط في الجريمة والتخطيط لها وتنفيذها، ثم أنهت المحكمة ملاحقة أحدهم، القائد العسكري مصطفى بدر الدين بعد اغتياله في دمشق في 13 مايو (أيار) 2016.

الحكم والمشهد الجيوسياسي

وأكثر ما تترقبه هذه الأوساط هو ما سيقوله نجل الحريري، زعيم تيار "المستقبل" رئيس الحكومة السابق سعد الحريري إزاء إدانة المتهمين الأربعة الباقين المرجحة، فضلاً عن رد فعل "الحزب" المعروفة سلفاً، في وقت يمر فيه لبنان بأسوأ أزمة سياسية واقتصادية وضعته على شفير الانهيار الكامل، وسط صراع سياسي حاد بين أفرقائه. فكل ما يحصل في لبنان يتزامن مع تحوله ميداناً أساسياً للحرب الاقتصادية القاسية التي تشنها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على إيران وتدخلاتها في دول المنطقة ومنها لبنان، عبر "حزب الله" وحلفائه. هذا من دون إغفال تداعيات العقوبات على إيران والنظام الحليف لها في دمشق، الأمنية والعسكرية التي شهد مطلع الأسبوع الماضي أحد فصولها على الحدود الجنوبية اللبنانية الإسرائيلية حين حاول "حزب الله" تنفيذ عملية انتقامية لمقتل أحد مسؤوليه في غارة شنها الطيران الإسرائيلي على محيط دمشق في 20 يوليو (تموز) الماضي، لكنها فشلت بعد انكشاف مجموعة للحزب تسللت إلى منطقة مزارع شبعا المحتلة.

منذ أسابيع دخل تاريخ 18 أغسطس في حسابات وتوقعات المحللين والكتاب، أسوة بالفرقاء السياسيين، باعتباره محطة سياسية فائقة الأهمية في المشهد الجيوسياسي الذي يظلل البلد الصغير إقليمياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"حزب الله" سبق له أن رفض المحكمة منذ طلب إقامتها، بل أطلق سعي تحالف قوى "14 آذار" بالتعاون مع دول عربية وغربية في طليعتها الولايات المتحدة الأميركية، بين عامي 2006 و2007، إلى إنشائها، تأزماً سياسياً وأمنياً كبيرين، رافقهما توالي مسلسل الاغتيالات لرموز هذا التحالف، ويتلخص موقف الحزب من المحكمة، بأنه لا يعتبر نفسه معنياً بها بل وسبق أن جيّش حلفاء وقانونيين (منهم وزير العدل السابق المستشار الرئاسي الحالي سليم جريصاتي) من أجل إثبات عدم شرعية المحكمة باعتبار أن وزراءه وحلفاء له استقالوا من الحكومة التي قدمت الطلب إلى مجلس الأمن، مما أفقد تلك الحكومة شرعيتها، ولا تزال تداعيات تلك المرحلة ترخي بظلالها على الظروف الراهنة للصراع السياسي. وهي مرحلة ينتظر أن يستعيد حكم المحكمة بعضاً من الفصول السابقة عليها، التي شكلت البناء السياسي لدوافع الجريمة في حينها، نتيجة خلاف الحريري مع النظام السوري وحلفائه.

"حزب الله" وفرضية إسرائيل المنسية

لكن على الرغم من أن الحزب يعتبر أي حكم بإدانة المتهمين الأربعة (أو بعضهم) من مسؤوليه باطلاً، لأن المحكمة باطلة، وعلى الرغم من أن نظام المحكمة يقضي بالاكتفاء بإدانة الأفراد المسؤولين عن الجريمة ولا يتناول الحزب كجمعية سياسية، ولا يدين دولة أو رئيس دولة، عمل "حزب الله" على توجيه الاتهام نحو فرضية تورط إسرائيل بالجريمة خلال مؤتمر صحافي عقده الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله في التاسع من أغسطس 2010، عرض خلاله صوراً جوية قال، إنها مستقاة من رصد إسرائيلي لموكب الحريري. وقدم خبراء من أصدقاء الحزب تقارير عن قدرة إسرائيل على اختراق هواتف مسؤولي الحزب المتهمين بالجريمة، لإبعاد التهمة عن هؤلاء، لأن دليل الاتصالات الخلوية هو الأساس الذي استند إليه الادعاء في المحكمة، إلا أن التدقيق الجنائي لمحققي المحكمة استبعد هذه الفرضية، معتبراً أن الأدلة فيها مركبة.

ويلفت سياسي من خصوم الحزب إلى أنه لم يعد إلى إثارة فرضية تورط إسرائيل منذ ذلك الوقت، لأنه يصعب تقويض الأدلة على المتهمين من مسؤوليه، فضلاً عن أن إسقاط محاكمة بدر الدين كقائد رئيس في الحزب ومشرف على عمل الخلية الرباعية التي اتهمها الادعاء بتخطيط وتنفيذ الجريمة، قلّل من فرص تتبع تسلسل الإمرة في قيادة الحزب وتجميع الوقائع حول فرضية قرار القيادة في العملية. ويضاف إلى ذلك أن القائد العسكري الأعلى من بدر الدين، أي عماد مغنية اغتيل هو الآخر عام 2008 في دمشق. هذا فضلاً عن أن بعض الذين ترددت أسماؤهم بأنهم تورطوا في الجريمة من السوريين قتلوا أيضاً.

ومع ذلك، يعتقد مسؤول بارز متبع لسلوك "حزب الله" أن لعنة اتهامه بالتورط بالجريمة ستلاحقه، على الرغم من أنه لا يأبه لذلك، متكلاً على احتفاظه بالتفاف أكثرية الطائفة الشيعية حوله، وعلى أنه يخوض مع إيران معركة مصيرية، وذهبت بعض التكهنات إلى القول، إن من أهداف العملية غير الناجحة التي حاول الحزب تنفيذها في منطقة مزارع شبعا ضد الجيش الإسرائيلي في 27 يوليو الماضي، تحييد الأنظار عن ترقب حكم المحكمة والحديث عن حياد لبنان، وأنه قد يكرر المحاولة في هذا السياق.

تكتم المحكمة وسعد الحريري

وفي وقت تتكتم مصادر المحكمة عن طبيعة الحكم، والعقوبة التي ستصدرها على ضوئه، فإن الحزب وحلفاءه يتوقعون الإدانة ويصنفونه في إطار الهجمة الأميركية الغربية عليه وعلى إيران والعقوبات التي تستهدفه وسوريا، وبالتالي ينتظر أن يربط بالغارات الإسرائيلية على الميليشيات الموالية لإيران في سوريا، وما يعتبره تحريضاً أميركياً على طهران في العراق، وقانون "قيصر" للعقوبات على النظام السوري، وتشديد العقوبات الأميركية على إيران مؤخراً.

كما أن المعلقين السياسيين الموالين للحزب أخذوا يصنفون تأييد فريق من قوى "14 آذار" السابقة لدعوة البطريرك الماروني بشارة الراعي إلى حياد لبنان وانتقاده هيمنة "حزب الله" على السلطة السياسية، بأنه عامل يضاف إلى استهدافه عبر المحكمة، فقراءة الموالين للحزب أن الدعوة إلى الحياد تمهد لطرح مسألة سلاحه عبر المطالبة بالاستراتيجية الدفاعية، في سياق الحملة على مشاركته في الحرب في سوريا دفاعاً عن نظامها، وفي إطار اتهامه بأنه أسهم في تردي الوضع المالي الاقتصادي في لبنان بحكم عدائه للدول العربية والخليجية.

لكن الحزب سيبني رد فعله إزاء الحكم، على ما سيقوله الحريري الابن الذي دعا هو والنائب مروان حمادة إلى المشاركة في جلسة النطق بالحكم في لاهاي، من على شرفة قاعة المحكمة في مقاعد المتضررين، واقتصرت الدعوة عليه وعلى حمادة من السياسيين. فالأخير هو من المعنيين بالمحكمة، لأن محاولة اغتياله في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 2004 أدرجت ضمن "القضايا المتلازمة" مع جريمة الحريري.

الحريري والكباش

ويحجم الحريري الذي سئل من الصحافيين عما سيقوله عند صدور الحكم، عن إعطاء إشارات عما سيعلنه، تاركاً الأمر إلى حينه، في وقت يمتنع محيطه عن الإفصاح عما سيكون عليه الحكم، إزاء التكهنات بإدانة المتهمين الأربعة أو بعضهم، ويفضلون انتظار إعلانه.

وعلمت "إندبندنت عربية" أن الحريري يعكف على صياغة الموقف الذي سيعلنه في لاهاي بدقة، نظراً إلى حساسيته، لكن من المؤكد أنه سيوجه رسالة إلى "حزب الله" (وجميع المعنيين) تشير إلى أنه لا يمكنه الاستمرار على السياسة التي يتبعها في البلد، وعما إذا كان سقف موقفه سيكون ما سبق أن قاله عند حضوره جلسات المرافعة النهائية في لاهاي في سبتمبر (أيلول) 2018، حين أشار إلى أن من ارتكب الجريمة "يجب أن يدفع الثمن" وأنه يريد "الحقيقة والعدالة لوقف عملية الإفلات من العقاب، لا الثأر وبالنسبة إلي أهم شيء البلد"، يقول المقربون من الحريري: إنه في حينها كان الحريري "في زمن ربط النزاع مع الحزب. والزمن الحالي ليس زمن إطلاق النزاع، لكنه لن يعطي براءة ذمة لأحد".

يضيف هؤلاء، "الحكم يأتي في ظل تطورات لبنانية وإقليمية لا يمكن القفز فوقها، وهناك كباش كبير حاصل هو ليس طرفاً فيه، لكنه بالتأكيد ليس شريكاً بتغطية سياسة الممانعة والمحور الإيراني، التي دأب على مهاجمتها ورفضها، مثلما أن الوضع لا يسمح بتأجيج الصراع في لبنان".

عامل "المزايدة" ووقع كلام الحريري

كان لافتاً قول رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط (الذي كان حليفاً رئيساً للحريري الأب وهو حليف حالي للابن)، في 24 يوليو الماضي، إنه سيكون له تعليق على الحكم لكن بعد تعليق الحريري، وتمنى "ألا يخرج أحد ويزايد عليه وعلى الجميع"، وفي وقت سيدخل هذا الجانب في حسابات الموقف، فإن الحريري سبق أن تعرض لانتقادات داخلية وخارجية بحجة أنه يهادن "حزب الله" منذ قام بالتسوية على انتخاب العماد ميشال عون رئيساً، وحواره مع الحزب برعاية رئيس البرلمان نبيه بري، كما أن دولاً عدة تخوض صراعاً مفتوحاً مع إيران والحزب، تنتظر من الحريري موقفاً يطلق مرحلة تصعيدية من الحزب بعد إدانة المتهمين.

أوساط الحريري تشير إلى أن قائمة المزايدين عليه تبدأ بشقيقه بهاء وصولاً إلى شخصيات عدة تعتقد أنه بات عليه اعتماد سياسة صدامية، ويضيف هؤلاء "لكن الداعين إلى فتح مشكلة كبيرة يتصرفون وفق حسابات يدفع هو ثمنها وليس هم، وإذا قال هو ما يقولونه يكون وقعه مختلفاً في ظل الحساسية السنية الشيعية التي يهمه عدم إذكائها، فالحزب وأنصاره يتطاولون على البطريرك الماروني بسبب دعوته إلى الحياد، غير آبهين بأثر ذلك، بينما سعد الحريري لن يغامر بالبلد، ومن جهة أخرى، فإن على الحزب وحلفائه ألا يراهنوا على أن حكمته هي موقف ضعف".

المزيد من العالم العربي