Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحب من "النقرة" الأولى

ماذا يقول الشباب العرب عن أساليب المواعدة التكنولوجية؟ وهل كتمت وسائل التواصل الاجتماعي ملكات البوح والغزل؟

أصبحت أساليب الحب أيسر والمواعدة بين اثنين معقودة لمجرد "نقرة "(غيتي)

الحب حالة إنسانية لكنها ليست خاصة بالإنسان وحده. تتحدث الدراسات العلمية عن غليان عاطفي عند الكائنات الأخرى. عقد ستيفن سبيلبيرغ فيلمه العلامة "حصان الحرب" عن علاقة جمعت بين حصانين خلال الحرب العالمية الأولى. كان الفيلم إدانة مطلقة للحرب التي يرتكبها البشر، وتمجيداً للعاطفة التي نتعلمها من الحيوانات.

يتميز البشر عن الكائنات الأخرى، بقدرتهم على تسفيه الحب أو تمجيد هذه النزعة الملتبسة أو المتلبسة بين الروح والجسد.

تغنى الشعراء، في كل الثقافات، بما يسمونه "الحب من النظرة الأولى"، حبكت روايات عن العلاقة الأفلاطونية المقدسة بين الرجل والمرأة، وتناولت أخرى المسألة وكأنها علاقة مدنسة. لكن أسلافنا العرب في كل العصور، عرفوا كيف يتشببون بالمرأة، وتعلمنا منهم، كيف كانوا يوارون خفقات قلوبهم، وكيف تدربوا على البوح بها.

بعد تلك النظرة الأولى، أصبحت أساليب الحب أيسر، وفنون الغزل أسهل، والمواعدة بين اثنين معقودة لمجرد "نقرة" على هاتف ذكي، أو جهاز لوحي، أو مفاتيح كومبيوتر.

كيف ينظر الشباب العرب إلى أساليب المواعدة اليوم؟ هل ساعدتهم التكنولوجيا على بث لواعجهم، الصادقة أو المشتبهة؟ أم هل أفقدتهم ملكة الشفافية الأثيرة عند أجيال سبقتهم؟

هنا إجابات عن هذه الأسئلة وغيرها.

 

شباب وشابات مصر يرفعون شعار "وداعاً لوجع الدماغ"

من الجيد جداً أن أمير الشعراء أحمد بك شوقي قد رحل عن دنيانا قبل أن يعيش ليرى قواعد المواعدة التي وضعها قبل ما يزيد على مئة عام وهي تتبخر في أثير التطبيقات ورياح سرعة الإنجاز. "نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء" في قصيدته المشهورة "خدعوها بقولهم حسناء" صارت تبدأ بالموعد يتبعه لقاء من دون أن يتهادى أحدهم بفعل الهواء، أو يتعب في مراسه الأهواء، أو حتى تطالب إحداهنّ الرجال بأن يتقوا الله في قلوب العذارى، فقلوبهنّ لم تعد هواء.

هواء المواعدة

هواء المواعدة في مصر صار أغلبه أثيراً، منه ما يتبع قواعد التطبيقات، ومنه ما يميل إلى مراوغات "فيسبوك" أو ملاوعات "تويتر"، ومنه ما يعتمد على طرف ثالث خوفاً من "ماما" المرابطة على السوشيال ميديا أو "بابا" الراصد لما يجري على "تيندر" و"بامبل" و"غريندر" لأسباب يقول إنها تأمينية لبنات العائلة، وإن كان أحدهم رصد نشاطاً تواعدياً له، ينفيه جملة وتفصيلاً.

التفاصيل الدقيقة للمواعدة في العام الـ20 من الألفية الثالثة في مصر يشيب لها الولدان ويصعق لدى سماعها الآباء والأمهات، فما بالك بالجدات والأجداد؟! جد كريم نعمان (23 سنة) لمح على مكتب حفيده كتاباً عجيباً غريباً مريباً عنوانه "قواعد الشقط الأربعون". استغرب الجد من كلمة "الشقط"، وحين تصفح الكتاب، تحول الاستغراب إلى صدمة لا تخلو من نظرة عتاب للدنيا التي أقصته بعيداً من عالم المواعدة. يشار إلى أن كلمة "شقط" يستخدمها الشباب والشابات من الفئات الاجتماعية والتعليمية التي يطلق عليها "تقدمية" للإشارة إلى المواعدة من دون شرط تضمنها علاقة جنسية، في حين تستخدمها الفئات الأقل للدلالة على البحث عن علاقة جنسية.

خطوات المواعدة

وبعيداً من محتوى الكتاب لمؤلفه الشاب ماجد سنارة والذي يحتوي على سرد ساخر لقصص البنات في التعرض للـ"شقط" (المواعدة بالعامية الشعبية) من قبل الشباب ونصائح موجهة لهنّ، فإن المواعدة في مصر هذه الآونة تتبع خطوات إما التطبيق المباشر من خلال الاختيار فموعد، ثم اختبار سريع يتحدد على أساسه مستقبل المواعدة، وينجم عنه إما إنهاء فوري أو استمرار لحين إشعار آخر"، أو "دردشة" على موقع التواصل الاجتماعي فموعد، ثم اختبار يتحدد على أساسه مستقبل المواعدة، "، أو اتفاق مسبق مع أصدقاء أو أقارب لتقديم هذه إلى هذا في حالات قليلة، فيما تبقى قواعد المواعدة مختبئة في صندوق يحمل علامة "خطر الموت" لأنها حرام أو تشبّه بالغرب المنفلت أو تخلٍ عن العادات والتقاليد.

تقاليد "الشقط"

عادات المواعدة في نهاية العقد الثاني من الألفية الثالثة تبقى في أغلبها متداولة ومتعارفاً عليها في دوائر المواعدين والمواعدات من الشباب والشابات. ليست سرية بقدر ما هي راحة بال. يقول "كريم نعمان" الذي مازال يحاول تفسير التغيرات التي طرأت على عالم المواعدة لجده الثمانيني، إن أبناء وبنات جيله يتواعدون بمعايير تناسب قيمهم وأفكارهم وتوجهاتهم، وليس قيم وأفكار وتوجهات جيلي الآباء والأجداد. لماذا؟ "لأننا من يواعد وليس هم". ولماذا تبقى القواعد أشبه بالأسرار الحربية أو الجماعات السرية؟ "لأن دس الأنوف في مسائل كهذه "وجع دماغ" ولا ينجم عنها إلا صدامات أسرية وحكم ومواعظ وترهيبات دينية مع نتيجة واحدة لا تتغير، ألا وهي المواعدة طبقاً لما يريده الشباب والشابات. لماذا إذن وجع الدماغ؟"

وداعاً لوجع الدماغ

وجع الدماغ الناجم عن استمساكات الكبار بتلابيب ما ينبغي وما لايبغي في عالم المواعدة يواجه حائط صد أمام عشرات التطبيقات وصفحات المواعدة. فئات عدة من الشباب والشابات لا تجد حرجاً في المواعدة، سواء عبر تطبيق مثل "تيندر" أو عبر التعارف والدردشة على مواقع مختلفة. ليس هذا فقط، بل أن البعض لاسيما من الطبقات الاجتماعية والتعليمية الأعلى لا يجد حرجاً في الحديث عن عجائب وطرائف بل وكوارث المواعدة عبر التطبيقات. نيللي (26 سنة) تحكي عن مواعدة مع شاب عبر "تيندر" نجم عنها انصرافه الغاضب من المقهى الذي التقيا فيه، وذلك بعد ما أصابتها نوبة ضحك هستيري حين رأت حذاءه المرصع بالقطع المعدنية اللامعة. وفي مواعدة أخرى، بادرت هي بالانصراف حين باغتها الشاب بقوله: "تبدين أسمن بكثير من الصور والفيديوهات". تقول: "نلجأ إلى تطبيقات المواعدة سواء لأننا نشعر بالوحدة، أو نبحث عن علاقة عاطفية. والبعض ربما يفكر في علاقة جنسية. وبالطبع هناك من يضع الزواج هدفاً، لكنه ليس غاية المنى والأمل للجميع، وهنا الفارق الرئيسي بين جيلنا ومن هم أكبر منا ممن تتراوح درجات تفتحهم بين قبول المواعدة بغية الزواج أو رفض المواعدة كلية لو لم يكن الغرض الأساسي هو الزواج".

الزواج هدف أحياناً

الزواج يظل هدفاً لكثيرين، لكنه لم يعد الغاية الوحيدة من المواعدة، حتى بين الفئات الاجتماعية والتعليمية في مختلف أرجاء الهرم الطبقي. هي (19 سنة) عاملة منزل مقيمة لدى أسرة ثرية. هو (22 سنة) عامل دليفري يتردد على بيت الأسرة لتوصيل الطلبات. هي تفتح له الباب حين يأتي حاملاً الطلبات. هو عبر لها عن إعجابه. هي عبرت أيضاً عن إعجاب مشابه. اتفقا على لقاء. التقيا. لمحتهما ربة البيت. استدعتها وسألتها إن كان يريد العامل التقدم لطلب يدها. هي قالت: "لا! إنه مجرد إعجاب وابن عمي "متكلم عليّ" في البلد. (يرغب في الزواج منها) كلمة من ربة البيت، وكلمة منها ووصل النقاش إلى نتيجة مفادها أن ابنة ربة البيت لها أصدقاء تواعدهم ولا تتزوج بهم. "علاقة عادية يامدام".

ولأن علاقات المواعدة في مصر تحمل دائماً شبهة أو وصمة أو احتمال التفكير في المسائل الجنسية، فإن المواعدة في مصر الحديثة تبقى حبيسة الشد والجذب بين التوجه الشديد المحافظة المرتدي عباءة الدين الذي ترتديه مصر منذ سبعينيات القرن الماضي والذي يتخذ من الإناث قلباً نابضاً لفكره وتوجهاته وحرامه وحلاله، وبين ألوان الطيف المختلفة والملتبسة للعلاقات العاطفية والمتدرجة بين علاقات الحب العذري المصحوب بـ"التاتش" (اللمس) بالإضافة إلى درجات متراوحة من مزج الجنس بالعاطفة.

تأجج مستمر

العاطفة التي كانت تتأجج في دهاليز الجامعة مازالت تتأجج، وتلك التي كانت تنشأ بين المعزومين والمعزومات في فرح "أحمد وشيماء" مازالت تنشأ. حتى لقاءات العيون في المركز التجاري أثناء التسكع الصيفي وطلب رقم الهاتف مازالت تلقى رواجاً. ونظرات ابن الجيران المعلقة بالنافذة المغلقة وتقف خلفها "أسماء" ابنة "طنط شوقية" مازالت تتعلق، شأنها شأن الرسالة الورقية ذات الأسطر المكتوبة بخط اليد "بحبك. عايز أقابلك"!

لكنها سنّة الحياة حيث "تيندر" يغزو ويتوسع، و"الإنبوكس" ينمو ويترعرع، ومفاهيم المواعدة تواكب الحداثة على الرغم من أنف التزمت ومن دون النظر بعين الاعتبار الكاملة إلى قواعد الآباء ومفاهيم الأجداد وعلى رأسها "نظرة فابتسامة" لأن اللقاء أقرب وأسهل.

العراقيون من الرسائل الورقية إلى الإيموجي

"ما يصنع الوعد والغرام؟/ دقيقة الانتظار عام/ تحركي أيتها الثواني/  ضاق بي الصدر والمقام/ عرقليني عن لقا حبيبي/ حتى كأن اللقا حرام/ قد كنت تجرين بانتظام/ هل فاتك الجري والنظام".

أبيات من الشعر قالها أحمد الصافي النجفي (1897 - 1977) وهو ينتظر موعداً مع حبيبته، لم يملك النجفي آنذاك إلا مناشدة عقارب الساعة متخيلاً أنها تسير ببطء وتعيق اللقاء، الساعة والشوق هما ميدان النجفي لانتظار الموعد.

عقود بين النجفي وظهور العالم الرقمي الذي جعل الغزل يصل بكبسة زر والانتظار الطويل للقاء تخفّف لهفته رسائل نصية عبر الهاتف أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ترى المبرمجة رقية العقابي أن المغازلة تغيرت بشكل واسع بتغير المجتمع ووسائل الاتصال بين الناس، فمثلاً كانت المغازلة في السبعينيات من القرن الماضي "من طريق تأشير جمل بكتاب معين وعند تجميعها تصبح رسالة من خلالها يتم الاعتراف بالإعجاب والحب". 

وتوضح أنه بعد تطور الاتصالات في الثمانينيات بدأت مساحة الرسائل الورقية تصغر وباتت المغازلة تأخذ طريقها عبر الهاتف الأرضي ووضع أغنية معينة تتسم بالاشتياق والحب وتكون بالغالب في أوقات متأخرة من اليوم.

أما في الألفية الثانية التي حملت معها الكثير من التطور، توضح العقابي أن الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي عبر تطبيقات عدة ومجانيتها، سهّلت على المغازلين مهمتهم  فأصبح الغزل يرمز إليه برموز القلب الموجودة في هذه الوسائل، وغالباً ما يعبّر الإيموجي عن حالة الحب وحالة المغازل.

الخصوصية والجرأة

في المقابل، يقول المهندس زيد الحمداني إن الشباب في زمن الهواتف الأرضية باتوا أقل جرأة، بينما أتاحت وسائل التواصل الحالية تواصلاً آمناً نوعاً ما، ما جعل الشباب يشعرون بنوع من الخصوصية والأمان، بالتالي يصبحون أكثر جرأة في تواصلهم.

أما الطالبة علا عزوان التي تعبر عن نفسها أنها ابنة جيل الوسائل الحديثة فلها رأي آخر، إذ ترى أن الوسائل الحديثة كسرت الكثير من الحواجز وباتت تتخطى حدود قيم المجتمع وعاداته وتقاليده.

الوسائل تغيرت والإرث باق

من جهة ثانية، يوضح الطبيب أمير الشمري أنه على الرغم من التغيير في وسائل الاتصال، لكن نمط المغازلة بقي محافظاً على الإرث، فالحياة الرقمية خلقت تناغماً مع المشاعر كونها تضم وسائل كثيرة للتعبير، مثلاً الإيموجي الذي يستطيع أن يضفي على الحوار المشاعر، كانت تأتي بغير صورة أو مخيلة عبر الأسلاك.

ويكمل الشمري أنه غالباً ما كان رفع الهاتف الأرضي هو الوسيلة لتفادي المغازلة أو المعاكسة، لكن الوسائل الحديثة جلبت لنا مفهوم "البلوك"، فهو الوسيلة لتفاديهما. 

الرسائل العاطفية الورقية تغادر عالمنا

وفي سياق متصل، يقول الكاتب عبد الكريم السياب، إن الرسائل العاطفية المكتوبة كانت تحمل لوناً من ألوان الاعتزاز الشديد لمن يحتفظ بها، موضحاً أن العصر الحالي الذي قطع شوطاً كبيراً من التطور "أفقدنا جمالية الرسائل التي تحمل مشاعر وأحاسيس وعواطف خلافاً لما هو عليه الآن، فالمشاعر عبر الوسائل الحديثة باردة لا روح فيها وتكتب بالعامية". ويرى السياب أن الإنترنت عصف بفن الرسائل، فليس هناك أدنى شك في أن اندثار الرسائل الورقية سيكون إلى الأبد.

قيود أقل

أما الباحثة في الشأن السياسي دينا البياتي، فتوضح أن التكنولوجيا الحديثة، ألغت كل القيود، بالتالي سهلت التواصل مع أي شخص حول العالم، مشيرة إلى أن الوسائل الحديثة قللت الكثير من الجهد، إذ أصبح من السهل جداً اليوم إرسال رسالة بدلاً من تحمل عبء وتكلفة الاتصال عبر الهواتف الأرضية.

كما أن تطبيقات المواعدة والتجمعات جعلت الشباب قادرين على التواصل بشكل أوسع ومن دون قيود، بالتالي أصبحت المغازلة أسهل وبلا عقبات.

ولا تخفي البياتي أنه على الرغم من أن التكنولوجيا كسرت كل الحواجز، لكنها في الوقت ذاته قللت من التواصل البشري وجهاً لوجه، وهو ما تراه مهماً في أي علاقة اجتماعية.

انطوى زمن المغازلة عبر الرسائل الورقية التي كانت كلماتها تحفظ عن ظهر قلب، فلم تصمد أمام ما قدمه الفضاء الإلكتروني من وسائل تواصل جديدة سرّعت بإيصال كلمات غزل تضيق فيها مساحة الكلام لصالح  الصور والبوستات الملونة.

السعوديون اخترعوا "الترقيم" للمواعدة

اخترع السعوديون، في الماضي، أسلوبهم الخاص في المواعدة، وفي بث لواعج القلب لمن يهواها بالفعل، أو لتلك التي يتمنى أن يهواها، أو لأخرى يعبر الهوى قريباً منها، من دون أن يترك أثراً. أسلوب السعوديين القديم في الهوى والمغازلة يسمونه "الترقيم".

و"الترقيم"، لمن لا يعرف، هو أن تكون جاهزاً بكامل عدتك (من قصاصة ورق وقلم وقدرة على الحركة الخفية كأنك واحد من أصحاب ألعاب الخفة). وتكون كل هذه الجاهزية في منطقة عبور الحسان (خصوصاً في الأسواق). وحينما يختار أحدهم إحداهنّ، من طريق الترصّد أو المصادفة، تكون قصاصة الورق في يده جاهزة، تحمل أرقام هاتفه المشتاقة، وبرشاقة يدسها في يدها، أو في حقيبتها، ويذهب لكي ينتظر الاتصال العابق بسحر الكلام من تلك التي تلقفت الدعوة الترقيمية.

هناك من هم أكثر جرأة من هؤلاء المتسكعين في الأسواق. هؤلاء المقدامون يستهدفون في العادة واحدة بعينها، يتابعونها حتى وهي بين أهلها، يسابقون السيارة العائلية التي تستقلها، وحينما تكون هي على استعداد للتجاوب، تفتح شباك السيارة أثناء سيرها لكي تتلقف الأرقام الحنونة.

واختيار السعوديين هذه العملية المعقدة للتعارف، كان مفهوماً في ذلك الوقت، في مجتمع تحكمه سلسلة من العادات والتقاليد، فضلاً عن تأهب الشرطة الدينية لوضع حد بالوسائل التي تمتلكها، ووفق تقديراتها الخاصة، لما تراه مخالفاً لمفاهيمها عن العلاقة بين الجنسين. إذن، لم يمتلك السعوديون والسعوديات، أية فرصة غير وسيلة "الترقيم" للتعارف، ولنسج علاقة طبيعية بين ذكر وأنثى، تكللها المشاعر والتقارب الفكري والنفسي والعاطفي، وتنتهي بما تنتهي إليه العلاقة بين طرفين في العادة: الزواج أو الانصراف.

لقى التكنولوجيا العاطفية

لكن ثمرات التكنولوجيا منحت السعوديين أكثر مما كانوا يحلمون. جاءتهم تقنية الـ"بلوتوث" هدية من غير هادٍ. باستطاعة كل من يمتلك هذه التقنية في هاتفه الحديث، أن يفعّل خاصية البحث، بلا رقيب أو حسيب، في نطاق 30 قدماً، وغالباً ما يجد الباحث ضالته، خصوصاً مع تطوير أساليب البحث، واستخدام أسماء مزيفة. كان الأمر أعقد من أن تتمكن الشرطة الدينية من كبحه. أصبحت خاصية "البلوتوث" عصية على المنع، وحينما حاولت الشرطة الدينية حظر الهواتف المزودة بكاميرات، كان الرتق اتسع على الراتق، فقد وجدت أن كل الهواتف أصبحت مزودة بهذه الخاصية، وحظرها يعني حظر الاتصالات بالكامل في بلد ناشط اقتصادياً والاتصالات عصبه الرئيسي.

هذه اللقية التكنولوجية كانت أشبه بـ"هبه من السماء" بالنسبة إلى الشباب السعودي، في ظل محدودية الخيارات أمامه، وما لبثت أن تعززت بلقى أخرى عنوانها "وسائل التواصل الاجتماعي"، والأسماء اللامعة فيها "فيسبوك" و"تويتر" و"أنستغرام" وغيرها... لكن كل ذلك، سيبقى ناقصاً، أو موضع مساءلة، أو هدفاً للحجب حينما تحين الفرصة، لو لم تقترن "الثورة التكنولوجية" مع تحوّل أوسع مدى، وأعمق أثراً، وأشمل لمختلف قطاعات المجتمع. ويتمثل ذلك التحول، في خطة الإصلاح التي اعتمدتها البلاد تحت عنوان "رؤية 2030"، والتي بدأت بالفعل في إحداث نقلة نوعية على مستويات وآليات التفكير الفردي والجمعي، وكذا العلاقات المتحررة من أسر الزجر والمنع والتهديد بسيف الشرطة الدينية.

فالسعودية تشهد الآن انفتاحاً اجتماعياً وثقافياً محسوساً، يمتلك قدرة على التجديد والابتكار، وفي ظل هذا الانفتاح غابت الشرطة الدينية عن المشهد، وانتهى الفصل الزجري بين الجنسين، وبدأ الرجال والنساء في التفاعل أكثر على المستويين المهني والشخصي، ونتجت من هذا التفاعل معايير تقيميية تنظر إلى الموضوع، وإلى العمل، وليس إلى جنس من أداه.

"اندبندنت عربية" تحدثت إلى عدد من النساء السعوديات عن هذا التحول، ومدى تأثيره فيهنّ، تقول إحداهنّ: "في الماضي، لم تكن هناك فرص كثيرة للتعارف، وكان هناك نوع من الخوف بسبب الأساليب القديمة، إذ لم يكن لدينا القدرة على معرفة تفاصيل أساسية عن الطرف الآخر، وكان الأمر غريباً جداً. تخيلوا أنكم تتواصلون مع شخص ولا تعرفون شكله أو إن كان اسمه حقيقياً! وكانت فكرة التعرف على الجنس الآخر والمواعدة ممنوعة، ولذلك يبقى الأمر سرياً. بينما الآن، أصبح كل شيء متاحاً وسهلاً، بالإضافة إلى تقبل المجتمع هذه الفكرة".

الوهم والحقيقة في مواعدات اللبنانيين الإلكترونية

‏‎‏لطالما كانت التكنولوجيا هي الدافع الأساسي لتطور الإنسانية، فاجتياح مواقع التواصل الاجتماعي حياتنا اليومية أدى إلى تغيير نمط العلاقات بين الناس وبخاصة بين الشبان والفتيات. أما مراحل العلاقات الأولى في اكتشاف الآخر، فتغيرت ولم تعد النظرات الأولى أو التعارف من خلال أصدقاء ذات أهمية كبرى مثلما كان الحال عليه سابقاً، إذ أصبح الناس اليوم مثل العلامات التجارية، يُسوّق كل منهم لنفسه على منصّته الإلكترونية الخاصة، من خلال انتقاء الصور والكلمات التي يودون إرسالها إلى الآخر وبالتالي إعطاء صورة مثالية عن حياتهم غالباً ما تكون بعيدة نسبياً من الواقع.
 

الرسالة الأولى

وفي حديث أجرته "اندبندنت عربية" مع أحد المستخدمين، يروي زياد ع. تجربته مع إحدى التطبيقات المختصة بالمواعدة، ويقول "لم أتمكّن منها في البداية لأنها تجبر المستخدم أن يتبع قوانين عدة كتحسين الصورة وكتابة السيرة الذاتية ومن ثم الانتقال الى مطابقة الأشخاص وجذبهم من خلال الرسالة الأولى التي ستعطي الانطباع للبدء بالتعارف بشكل جدي. واتضح لي من خلال تجربتي أنه عالم واسع نتعرف من خلاله إلى مختلف الشخصيات، فمنهم مَن يريد بناء علاقة زوجية ومنهم مَن يهوى التسلية".
ويرى أنها "تجربة غير سهلة خصوصاً في لبنان والعالم العربي، حيث لا تزال بعض الفتيات الشرقيات خجولات من الإقدام على الخطوة الأولى"، مؤكداً رفضه فكرة اللقاء الافتراضي "لأنني أريدها أن تكون حقيقية، فإذا لم نلتقِ وبقينا نتحدث إلكترونياً لن أكون مكتفياً بالعلاقة، وأيّ تواصل من دون لقاء سيؤدي إلى موتها بعد فترة وجيزة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المغازلات الإلكترونية
ومن أبرز طرق المعاكسة والمغازلة الجديدة عبر المواقع الإلكترونية، يوضح الاختصاصي في شؤون التواصل رواد حبيب أن "هناك فرقاً بين التعارف عبر التطبيقات المتخصّصة بالمواعدة وبين مواقع التواصل الاجتماعي"، مشيراً إلى أنه "بالنسبة إلى الأولى، هناك أساليب وصيحات متنوعة، منها أولاً التركيز على أول جملة ‏‎يرسلها الشخص لرسم الانطباع الأول في العلاقة واعتماد خليط من حسّ الفكاهة والذكاء المطبَّق من خلال رصد التفاصيل في صور الشخص والتعليق عليها واستخدام الاقتباسات الطريفة التي تُعتبر من أكثر الصفات التي يبحث عنها الشريك كاستخدام الـ"إيموجيز"، بحيث يعبّر المرسل عن اهتمامه وحسن نيته في التعارف"، مشدداً على "ضرورة الابتعاد عن التعابير الكلاسيكية والشعبية المكرّرة والمبتذلة". ويضيف حبيب "أما بالنسبة إلى مواقع التواصل الاجتماعي فقد تكاثرت الحسابات الوهمية، وبات منتحلو الشخصيات يلجؤون إلى وضع صور جذّابة مزيفة لاستدراج بعض الأشخاص لإرسال صورهم عراة أو بطرق غير لائقة، لتلبية رغباتهم الجنسية".

تجنّب المخاطر
مواقع المواعدة الإلكترونية هي سيف ذات حدين يتخذ خلالها المستخدم القرارات في لمح البصر. ومن أجل تفادي الوقوع في شرك الأشخاص المزيفين، ينصح حبيب بـ"التأكد من هويّة مَن يراسلنا وعدم فتح طلبات الصداقة لأشخاص مجهولين عبر حسابات مواقع التواصل الاجتماعي العامّة بل التوجه نحو تطبيقات خاصة بالتعارف. ثانياً، التعبير عن شخصياتنا وعن رغبتنا في شكل واضح على هذه المواقع وعدم السعي وراء رصد عدد من الإطراءات بل التكلم بشفافية مطلقة. ثالثاً، تجنّب إرسال صور ‏غير لائقة أو عارية لأي شخص مهما كان مهتماً خصوصاً تلك التي تظهر الوجه مع الجسد تفادياً لأي ابتزاز لاحق. رابعاً، عدم الذهاب إلى موعد غرامي مع مجهول أو من دون تبليغ عدد من الأشخاص عن مكان تواجدهم".

لا شك في أن وسائل التواصل الإلكتروني سهّلت التعارف نسبياً بين شابات اليوم وشبابه، فبات الأشخاص الذين يفتقرون إلى المهارات الاجتماعية يستسهلون التعارف على هذه الوسائل، وهي حالة جيدة لكن موَقّتة، إذ لا يجب أن تتحول إلى علاقة افتراضية، بل تظل وسيلةً أولى للتعارف أو التواصل خلال فترة التواعد بشرط أن لا تحل مكان العلاقة الطبيعية وجهاً لوجه. وهنا تكمن مشكلة متعددة الأوجه.

مخاطر العلاقة الافتراضية

ويرى الأختصاصي النفسي رائد محسن أن "خطورة هذه العلاقة الافتراضية إذا استمرت عبر الشاشة الصغيرة فهي لا يمكن أن تحدد مدى صدقية هذا الشخص وبالتالي تطرح تساؤلات عدة، بشأن تحديد الهوية، خصوصاً من ناحية الجنس أو العمر. كما أن العلاقة قد تتحول عند البعض من حميمية روحية إلى حميمية جسدية بحيث أن الاكتفاء يصبح اكتفاءً جنسياً بممارسة العادة السرية خصوصاً خلال المكالمات التي تعتمد على الفيديوهات مما يعرّض الشخص إلى الابتزاز لاحقاً. إضافة إلى أن هذه العلاقة قد تصبح صيحة تُغني عن العلاقات الحميمية الحقيقية ما يهدّد بزوالها".

بين الوهم والحقيقة

في وقت قد تكون مواقع المواعدة الإلكترونية التي تسوّق لفكرة إيجاد "الحب الحقيقي"، وهمية في غالب الأحيان، يعتبر حبيب أن "‏‎‏العلاقات عبر المواقع هي مجرّد مرحلة استكشافية وليست علاقة كاملة"، مشدداً على "ضرورة تقصير مدة التعارف عبر هذه المنصات وطلب لقاء حقيقي في مكان عام".
من جهة ثانية، تتنوّع أهداف مستخدمي هذه المواقع، فإذا كان الهدف هو بناء علاقة زوجية لتأسيس عائلة، يؤكد محسن أن "الاستمرار باستخدامها مدة طويلة غير مجدٍ". أما إذا كانت العلاقات الافتراضية هدفها تعزيز التواصل بين الشريكين، فيوضح أنها "الأجدى لأن إدارة النزاعات وحلّها في العالم الافتراضي يختلف تماماً عن أرض الواقع".

أما الشاب زياد فيرى أنه يجب "إيجاد منصّة تفتح المجال أمام الناس للقاء بعضهم بعضاً إلكترونياً في ظلّ تشعّب التطبيقات والمواقع ذات السمعة السيئة، وأيضاً مع انتشار الفيروسات الإلكترونية إذ تتعرض بعض الحسابات للاختراق أو الابتزازات الجنسية". وبناءً على ذلك، يؤكد زياد أنه "يجب استخدام الوسائل الإلكترونية بهدف تعزيز العلاقة والتواصل اليوميّ وليس بناء علاقة افتراضية لأن العلاقات الحقيقية تتطلب شفافية ومجهوداً من قبل الطرفين وهي أعمق من مجرد الحكم على الشخص بحسب انتقائه الصور وكتابة الرسائل المبنية على الغزل والمعاكسة التي قد تكون مبنية على أوهام وبعيدة كل البعد من الواقع".