Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الألغام" أقسى ابتكارات الإنسانية ما زالت تنفجر في أجساد المصريين

المساهمة في نزعها من قبل زارعيها تظل واجباً إنسانياً وضرورة دبلوماسية

عمليات إزالة الألغام بالغة التكلفة وتحتاج إلى تقنيات متقدمة وقوى بشرية مدربة (أ ف ب)

صنعت لنفسها أسماءً كثيرة تستحقها عن جدارة: "حدائق الشيطان"، "القاتل الخفي"، "الخراب الساكن". وخصصت لنفسها قائمة مستقلة تحوي آلافاً ممن فقدوا حياتهم أو أطرافهم، لأنها تصر على الصمت. الكل يعرفها، لكن تظل أعدادها المؤكدة ومواقعها الموثقة أسراراً لا يعرفها سوى زارعيها، وذلك في خرق واضح وصريح للقوانين والأعراف الدولية.

دولياً وإنسانياً

دولياً وإنسانياً، يمكن اعتبارها أقسى ابتكارات الإنسانية. وهي تتفوّق على القنبلة النووية في كونها قاتلاً صامتاً يحصد حياة أو أطراف من يخطو عليها من دون ذنب اقترفه. الألغام الأرضية ابتكار إنساني لا إنساني. يعود تاريخه إلى القرن الـ13 الميلادي، وتحديداً إبان معارك ضارية خاضتها أسرة "سونغ" الصينية الملكية الحاكمة ضد المغول. وقتها جرى استخدام قذائف مدفعية مصنوعة من الحديد المعبأ بالبارود. وظلت هذه القذائف تتطور، ويُجرى حشوها بأنواع وأشكال مختلفة من البارود والسموم حسب الحاجة ودرجات الشراسة في حروب الصين حتى القرن الـ14.

ثم كان التطور الكبير في أوروبا على يد البحار والمهندس العسكري الإسباني بيدرو نافارو الذي طوّر الفكرة لتستخدم كلغم يُدفن تحت الأرض. ثم جاء المهندس العسكري الألماني صمويل زيمرمان ليطور، ويحسن من أداء الألغام الأرضية في أوروبا في القرن الـ16. ثم توالت الإضافات والتجويدات لتجعل من اللغم الأرضي منخفض التكلفة من حيث التصنيع، باهظ الثمن من حيث الإزالة وعلاج الآثار لمن يبقى على قيد الحياة.

 

الحياة في مصر

الحياة في مصر على مدار الـ81 عاماً السابقة لا تخلو من مكون مخيف اسمه الألغام الأرضية. مساحات شاسعة في سيناء والصحراء الغربية (لا سيما منطقة العلمين جنوب الساحل الشمالي وحتى حدود مصر الغربية) جرى تلغيمها، أي زرع ما يقرب من 17.5 مليون لغم، وذلك على مساحة نحو ربع مليون فدان. وزاد طين ألغام الحرب العالمية الثانية بلة ألغام الحروب المصرية الإسرائيلية التي أضافت نحو خمسة ونصف مليون لغم في سيناء والصحراء الشرقية.

دون ألغام أرضية

مبادرة لاندماين فري Landmine Free أو "بدون ألغام أرضية" التي تعمل من أجل نزع الألغام الموجودة حول العالم تشير إلى أن مصر هي الدولة الأكثر تلوثاً بالألغام الأرضية في العالم. فمن بين نحو 110 ملايين لغم مدفونة في العالم، كانت تحتفظ مصر لنفسها بـ23 مليون لغم ما يجعلها خامس دولة تعاني الألغام لكل متر مربع. ورغم نجاح القوات المسلحة المصرية منذ عام 1995 في عمليات إزالة الألغام ليصل عددها إلى 21.8 مليون لغم، فإن مصر ما زالت تحتفظ بالصدارة.

هذه الصدارة أسهمت في إعاقة مسيرة مصر التنموية على مدار عقود. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الضالع في مشروع "خطة تنمية الساحل الشمالي الغربي والإجراءات المتعلقة بالألغام" الذي تنفذه الحكومة المصرية منذ عام 2007 يشير إلى أن الألغام الموجودة على طول ساحل المتوسط في محافظة مرسى مطروح تعطل الاستفادة من نحو 22 في المئة من مساحة الأرض، وتحول من دون الاستفادة من الموارد الطبيعية الكثيرة الموجودة هناك، ومنها على سبيل المثال احتياطات تقدر بـ1.8 بليون برميل نفط و8.5 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، إضافة إلى نحو 3.5 مليون فدان صالحة للرعي والزراعة.

حائل يعوق التنمية

هذه الألغام وقفت كذلك حائلاً من دون تنمية شواطئ البحر الأحمر وسيناء مع ارتفاع تكلفة المشروعات السياحية والصناعية والسكنية والزراعية المقامة هناك، التي تتطلب تطهير الألغام قبل البناء، إضافة إلى تعطيل أعمال التنقيب عن البترول.

طاقة من نوع آخر عانت وما زالت تعاني الأمرين جراء القاتل الخفي، ألا وهي الطاقة البشرية. مئات الحوادث تمر من دون أن تلتفت لها الغالبية، لا سيما في العقد الماضي الذي تواترت فيه الأحداث السياسية والأمنية ثم الوبائية لتسحب البساط من ملف الألغام الحيوي. وبين انفجار لغم يودي بحياة واحد أو اثنين أو ثلاثة، أو يؤدي إلى إصابات بالغة أبرزها فقدان الأطراف طغت الأحداث الكثيرة بخسائرها المادية والبشرية على خسائر الألغام المستمرة على مدار ما يزيد على ثمانية عقود. وحسب وزارة الخارجية المصرية، فإن نحو 670 مصرياً قتلتهم الألغام ونحو 7620 مصرياً أصيبوا إصابات بالغة.

حوادث حديثة

وفي شهر أبريل (نيسان) الماضي، انفجر لغم في مدينة وادي النطرون (محافظة البحيرة) في شخصين ما أودى بحياتهما على الفور. واتضح في ما بعد أن اللغم يعود إلى الحرب العالمية الثانية. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي أيضاً أصيب مواطن من مدينة سيدي براني (محافظة مرسى مطروح) بإصابات بالغة في انفجار لغم. ولا يمر شهر من دون انفجار لغم واحد على الأقل في صحراء مصر الغربية أو الشرقية، متسبباً في مقتل أو إصابة مواطنين بإصابات بالغة. الأرقام الرسمية تشير إلى أن مصر تشهد سنوياً وقوع بين أربعة وستة قتلى، وبين 15 و25 مصاباً سنوياً بسبب انفجار الألغام.

وفي عام 2016 جرى افتتاح مركز للأطراف الصناعية لضحايا الألغام في مدينة مرسى مطروح بتمويل من الأمانة التنفيذية لإزالة الألغام وتنمية الساحل الشمالي بمنحة مقدمة من الاتحاد الأوروبي بالتعاون مع عدد من الجهات المحلية والأممية، أبرزها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. المركز يوفر لضحايا الألغام إمكانية الوصول لخدمات متكاملة للأطراف الصناعية، ويتصل بخدمات تنموية أخرى الهدف منها تنمية المجتمع في مرسى مطروح وتوفير حياة أفضل للسكان عبر إعادة تلأهيل ودمج ضحايا الألغام في المجتمع وإقامة مشروعات تدر عليهم وأسرهم دخولاً شهرية. وقد أشار بيان الاتحاد الأوروبي حينئذ إلى أن "مصر لعبت دوراً حاسماً في مسار الحرب العالمية الثانية، لكنها لا تزال تواصل النضال لمواجهة عواقب الذخائر غير المنفجرة (الألغام) المتبقية في هذه المنطقة من البلاد"، مشيراً إلى أن "الدول الأوروبية التي شاركت في الحرب ساعدت على مدار السنوات في جهود إزالة الألغام".

 

جهود لا تكفي

إلا أن "الجهود المبذولة على مدار سنوات" لا تكفي بأي حال من الأحوال. فمن جهة، تشير مصر إلى أن كلاً من قوات الحلفاء والمحور زرعت ألغاماً مضادة للأفراد وأخرى مضادة للدبابات في صحراء مصر الغربية خلال الحرب العالمية الثانية. هذه الألغام تتحرك من أماكنها بسبب نشاط الكثبان الرملية والتغيرات المناخية على مدار ثمانية عقود. كما أن تغيرات عدة تطرأ على حساسية الألغام وقابليتها للانفجار بسبب التقادم. ومن جهة أخرى، فإن عمليات إزالة الألغام بالغة التكلفة وتحتاج إلى تقنيات بالغة التقدم وقوى بشرية مدربة، لا سيما أن الصحراء عامرة حالياً بما لا يقل عن 21.8 مليون لغم، وهو ما يحتاج إلى ثروة طائلة وتقنيات متقدمة وجيوش جرارة للقيام بالمهمة. وإذا أضيف إلى ذلك عدم توافر (أو فقدان) خرائط هذه الألغام، فإن الوضع يكون بالغ الصعوبة.

مفاوضات هات وخذ

وتتضاعف الصعوبة بضلوع السياسة وانخراط التوازنات وتغلغل مفاوضات "هات وخذ"، ثم تفجر أوضاع "الربيع العربي" والانشغال بالأحداث الآنية، وأخيراً تفجر الوباء واضطرار قائمة الأولويات لإفساح المجال لكورونا والاقتصاد وما خفي كان أعظم.

أعظم ما حدث في عام 2012 كان تسلم مصر (ممثلة في وزارة التعاون الدولي) الخرائط الخاصة بالألغام التي جرى زرعها في مصر من كل من بريطانيا وألمانيا وإيطاليا. صحيح أن العوامل الجوية طيلة العقود الماضية حركت العديد منها بفعل السيول والرياح، إلا أن وجود الخرائط يسهّل مهمة التطهير كثيراً.

كما أن الحصول على هذه الخرائط القيّمة جاء بعد عقود من التجاهل والتقليل الدولي من حجم المأساة وتهرب العديد من الدول من مسؤوليتها في هذا الملف. ويشار أيضاً إلى أن مصر تستقبل في كل عام رحلات يقوم بها محاربون قدماء، إضافة إلى زيارات يقوم بها أعضاء بعثات دبلوماسية لإحياء ذكرى معركة العلمين التي بدأت في 23 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1942. كما تحوي منطقة العلمين ما يعرف بـ"المعظمة الألمانية"، التي تحوي رفات 4200 جندي ألماني و31 مجهول الهوية من ضحايا حرب العلمين. وعلى الرغم من أن إحدى العائلات البدوية تقوم بمهام رعاية المعظمة، فإنها تقوم بذلك بالتنسيق مع سفارة ألمانيا لدى مصر. وتوجد في العلمين ثلاث مقابر رئيسية: الأولى لقوات دول الكومنولث حيث الجنود الذين لقوا حتفهم من بريطانيا ونيوزيلندا وفرنسا وأستراليا والهند وجنوب أفريقيا. والثانية للقوات الألمانية، والثالثة للإيطالية.

ذكرى الحرب

الاحتفالات السنوية بذكرى المعركة، التي خلفت قتلى المتحاربين وقتلى من انفجرت فيهم الألغام بعد انتهائها، ظلت تثير مشاعر مختلطة لدى المصريين في كل عام. فمن جهة، إحياء الذكرى واجب إنساني وضرورة دبلوماسية، لكن المساهمة في نزع الألغام من قبل زارعيها تظل أيضاً واجباً إنسانياً وضرورة دبلوماسية.

يشار إلى أن مصر طالبت الدول التي زرعت هذه الألغام بتحمل مسؤوليتها في إزالتها وتزويدها بالخرائط والسجلات الخاصة بها، وذلك في مؤتمرات أممية عدة. وفي عام 1998، قدمت ألمانيا لمصر 110 أجهزة للكشف عن الألغام. كما أصدرت وزارة الدفاع المصرية كتيباً تشرح فيه أبعاد الأزمة ومسؤوليات الدول ومقترحات التناول والعلاج.

علاجات مبشرة

وضمن العلاجات المبشرة تزويد بريطانيا لمصر بخرائط الألغام التي زرعتها في منطقة الساحل الشمالي، إضافة إلى عشرة ملايين دولار للمساهمة في تطهير الأرض.

يشار إلى أن تكلفة إزالة اللغم تبلغ أضعاف تكلفة زراعته، ناهيك باختلاف أنواع الألغام المزروعة، وهو ما يعني اختلاف طرق تفكيكها وإبطال مفعولها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من أن نسبة معتبرة من الألغام المزروعة تنسب إلى كل من ألمانيا وإيطاليا، فإن كليهما لم يمد مصر بالخرائط، وإن كانتا "تدعمان" جهود مصر لتطهير أرضها من الألغام عبر تزويدها ببعض المعدات والتدريب.

ومعروف أن الدول التي زرعت ألغاماً في دول أخرى في أثناء الحروب، لا سيما الحرب العالمية الثانية، تتخوف من إعلان مسؤوليتها، خوفاً من مطالبتها بالتعويضات!

يشار إلى أن عدداً من القضايا جرى رفعها أمام محاكم مختلفة لمطالبة الدول التي زرعت الألغام في مصر بتعويضات، لكن أغلبها يبقى حبراً على أوراق المحاكم. أحدث هذه القضايا رفعها محامي مصري يدعى حميدو البرنس في عام 2019 طالب فيها إيطاليا بإزالة الألغام ومخلفات الحرب العالمية الثانية في العلمين والصحراء الغربية، مع إلزامها بدفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت بمصر جراء هذه الألغام، إضافة إلى تعويض أسر ضحايا ومصابي انفجار الألغام.

القانون الدولي

خبراء القانون الدولي يؤكدون مراراً وتكراراً أن الضغوط الفردية التي تبذلها الدول المتضررة من الألغام على الدول التي زرعتها غير مجدية، وذلك في إشارة إلى ضرورة تكوين منصة دولية تتكون من الدول المتضررة ليكون الضغط ذا فائدة.

فوائد الضغوط غير الفردية كبيرة، لكنها تستغرق عقوداً طويلة، وتتطلب جهوداً دبلوماسية ومفاوضات سياسية واستمرارية لحين تحقيق الهدف المرجو. وعلى الرغم من استمرار الجهود والضغوط والتحركات في مصر على مدار عقود مضت، فإن رياح التغيير والأوبئة تأتي أحياناً بما لا تشتهي جهود التطهير. صحيح أن عدداً من التحركات الإيجابية حدثت على صعيد إبرام اتفاقات مع دول ومؤسسات للمساعدة في عمليات التطهير على مدار العقد الماضي رغم تواتر التغيرات الداخلية والقلاقل السياسية، إلا أن وباء "كورونا المستجد" (كوفيد 2019) يتوقع أن يعطل الجهود المبذولة سواء من حيث الإجراءات المصرية التي تتبع لإزالة الألغام أو تلقي المزيد من الدعم الدولي للمساعدة.