Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في ذكرى 30 يونيو: نخبة غائبة ومعارضة منزوية ومصريون عائدون إلى الحياة

الشعب ترقب افتتاح سلسلة من المشروعات الكبرى المتراوحة بين مبانٍ أثرية مرممة ومطارات جديدة وتجمعات سكنية حديثة

المصريون خرجوا إلى الشوارع في 30 يونيو 2013 للتخلص من حكم الإخوان  (أ ف ب)

لعلها الذكرى الوطنية المصرية الوحيدة، التي قرر العالم أن يقف فيها على طرفي نقيض؛ الأول مؤيد لمبارك مثمن، والأخير معارض لاعن مندد. وفي كل مرة يحل فيها يوم 30 يونيو (حزيران) على مدار السنوات السبع الماضية، يصطف العالم صفين رئيسيين، الأول كاره ومعارض لهيمنة تيارات الإسلام السياسي، والثاني محب مؤيد لها على اختلاف الدوافع والأسباب.

وتظل أسباب نزول المصريين في حراك 30 يونيو 2013 الشعبي حاضرة في أذهانهم. اليوم وبعد مرور سبع سنوات، ما زال من لجأوا إلى الشوارع مطالبين بإنهاء حكم جماعة الإخوان المسلمين، ممثلة في الرئيس المعزول الراحل محمد مرسي، وأحد كوادرها، يعبرون عن أسباب نزولهم كل على طريقته.

حزب الكنبة

الحاجة هناء، 70 عاماً، تعرّف نفسها بأحد أبرز أعضاء "حزب الكنبة"، في إشارة إلى الأغلبية المصرية غير المكترثة بالسياسة، تقول إنها كانت ضمن من جلسوا على آرائك أمام باب بيوتهم في تلك الأيام.

أضافت، "انتخبت محمد مرسي كغيري ممن ظنوا أنه رجل متدين وسيراعي ربنا فينا بعد سنوات من المعاناة الاجتماعية والفساد في ظل مبارك. ثم فوجئت بمصر تتغير أمام عيني، وتصبح تابعاً لدول صغيرة، وتتبدل لتتحول إلى دولة دينية الأفضلية فيها لأبناء الجماعة. لذلك ظللت أنزل يومياً على مدار أسبوع وأجلس على الكنبة أمام باب بيتي مع جاراتي نهتف ارحل، ونحمل بطاقات حمراء مطالبين برحيل الإخوان، إنقاذاً لمصر وتكفيراً عما اقترفته من ذنب بانتخابهم".

 

 

ناس بتوع ربنا

"ذنب" انتخاب الإخوان الذي كفّرت عنه الملايين في 30 يونيو 2013 يبقى نقاءً وطهراً وغاية منى وأمل. آخرون ما زالوا معلقين سياسياً واجتماعياً ودينياً بالجماعة. وينقسم هؤلاء قسمين: الأول أعضاء الجماعة والمنتفعون بالانتماء لها أو التحدث باسمها إعلامياً أو سياسياً، وأخير قلوبهم متعلقة بها باعتبارهم "ناس بتوع ربنا".

تقول الإعلامية والكاتبة المصرية فريدة الشوباشي في كتابها "العالم في عربة مترو" (2014)، إن المصريين لم ينسوا بعد إشادة قيادات جماعة الإخوان بشعب مصر "العظيم" عندما كانوا في الحكم. وكان الرئيس المعزول محمد مرسي وهو يتحدث عن هذا الشعب يبتسم في حبور، وكأنه لا يصدق أن هذا الشعب قد أوصله إلى الجلوس على مقعد رمسيس الثاني وقطز ومحمد علي والخديوي إسماعيل وجمال عبد الناصر، وأنه شعب ساذج بلع طُعم أن جماعة الإخوان "ناس بتوع ربنا".

ثورة شعب أم النهضة إرادته؟

اليوم، وبعد مرور سبع سنوات، لم يختف المؤيدون والمحبون والمتعلقون بالجماعة وحكمها ومسار مصر قبل التحويل في 30 يونيو و3 يوليو (تموز) 2013. داخلياً، لا يسمع لهم صوت في الشارع إلا همساً.

محلان متلاصقان في حي الزيتون الشعبي بالقاهرة. الأول علق صاحبه لافتة ضخمة مكتوب عليها "30 يونيو ثورة شعب. كلنا معاك ياريس" على خلفية صورة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. ولأن تعليق اللافتة جاء متزامناً أيضاً مع إعلان الحكومة عن عودة الحياة الطبيعية "الجديدة" بعد أسابيع من الإغلاق والحظر الجزئيين، فقد تمت عملية التعليق في أجواء من الفرحة العارمة والبهجة المضاعفة.

أما المحل الأخير الذي ما زال بابه يحمل آثار لافتة "النهضة إرادة شعب. معاً من أجل محمد مرسي رئيساً لمصر"، فقد جلس صاحبه وصديق له ينظران بحنق شديد إلى الأجواء الاحتفالية المجاورة، ثم انصرفا لمتابعة مقطع فيديو قديم بثته إحدى القنوات الإقليمية تحت عنوان "30 يونيو ثورة أم انقلاب؟" مع حرص على إبقاء الصوت منخفضاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

خفوت صوت الجماعة

انخفاض الأصوات المؤيدة والمصطفة مع الجماعة داخلياً يعود لأسباب عدة. البعض ممن يجاهر بالعداء للنظام الحالي، أو يترحم على النظام البائد يَلقى هجوماً عنيفاً في الشارع من قِبل مواطنين تولّدت لديهم قناعة يقينية أن كل مجاهر باسم الجماعة خائن. كما أن الأجواء السياسية والأمنية لم يعد فيها متسعاً للجماعة أو المتعاطفين معها.

يقول زينهم فتحي، سايس سيارات، يبلغ من العمر 38 عاماً، يعمل بحي مصر الجديدة (شرق القاهرة)، إن "هؤلاء الناس (يقصد الإخوان والمتعاطفين معهم) عودونا على إحياء ذكرى 30 يونيو بأعمال إجرامية، ولذلك فإن المصريين لم يعودوا يتحملون أي مجاهرة بتعاطف معهم". يضيف، "أنه كان موجوداً في المكان الذي تم فيه تفجير موكب النائب العام الراحل المستشار هشام بركات في يوم 29 يونيو (حزيران) عام 2015، وشخصياً لو سمع أحدهم ينطق باسم الجماعة أو من يؤيدونها على سبيل المدح أو الترحم، فإنه سيُبلّغ عنهم الأمن على سبيل الاحتراز والحرص". اللذين يدفعان أنصار تيارات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، وتحديداً الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي سواء عن قناعة شخصية أو بحكم العمل ضمن ميليشيات عنكبوتية إلى تكثيف جهد التدوين والابتكار في الهاشتاغات؛ لعلها تكون طريق العودة إلى الساحة في مثل هذا الوقت من كل عام على مدار الأعوام السبعة الماضية. هاشتاغ "نازلين30-6 بالكمامات".

"النزول" في إشارة باتت كلاسيكية، وفي الوقت نفسه مرفوعة من التفعيل، أصبح المصريون يعرفونها عن ظهر قلب. إنها دعوات المنتمين لتيار الإسلام السياسي في مثل هذا الوقت من كل عام منذ 2013 على أمل استعادة الشارع، الذي تضاءل لدرجة التبخر في هواء عودة الغالبية المطلقة من المصريين إلى حياتهم العادية. لكنه يظل تمسكاً بتلابيب الأمل في عودة الحكم الديني. هذا العام، يتلون الأمل بالكمامات اتساقاً مع الوضع الوبائي وإذعاناً للاحتراز الفيروسي.

هاشتاغات تثير السخرية

الهاشتاغ يلاقي كمّاً من السخرية يفوق إعادة التدوير بغية تحريك الشارع واستعادة الشرعية. فبين متسائل عن مدى شرعية الكمامات، وساخر من أن الثوار لا يجب أن يخيفهم وباء أو يهزهم فيروس، ومتهكم من استيقاظهم ليوم واحد في كل عام بدعوات لثورات مليونية ومسيرات هادرة لا تسفر إلا عن هدوء تام وشوارع وميادين ترفع شعار "لم يحضر أحد" لاقى الهاشتاغ مصير نظرائه التي خفقت.

إخفاق من نوع آخر يستحضره المصريون في مثل هذا اليوم من كل عام وهو إخفاق ما يعرف بـ"النخبة". هذه الفئة من السياسيين والمثقفين والكتّاب الذين سطع نجمهم على اختلاف مذاهبهم وتوجهاتهم مع اندلاع أحداث يناير (كانون الثاني) 2011 وضعها المصريون تحت مجاهر عدة على مدار السنوات الماضية. وبعد عقود من اعتبارهم كتلة واحدة متناغمة متجانسة، أخذ المصريون يكتشفون عبر الممارسة والمكاشفة أن الكتلة أبعد ما تكون عن التناغم أو التجانس. وجرى العرف منذ عام 2013 على إقامة المحاكم والمقاصل الشعبية للنخب الآخذة في الانكماش والانسحاب من على الساحة.

النخبة الغائبة

الساحة التي تشهد عودة المواطنين إلى الشوارع في ظل ما يعرف بـ"التعايش مع الفيروس" تشهد كذلك عودة لأحاديث على المقاهي عن النخبة الغائبة. عشرات من الشخصيات التي طرحت نفسها باعتبارها "نخبة" على شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد وأثير العنكبوتي خلال العقد الماضي تجد نفسها في الذكرى السابعة لحراك 30 يونيو أسيرة النسيان الشعبي.

ويبدو أن المصريين اكتسبوا قدرات فائقة وحنكات ماهرة في التفرقة بين الصالح والطالح على صعيد الحكم وعلى خشبة السياسة وإلى حد ما الاقتصاد، ففقد العديد من النخب مكانته شعبياً بعدما غابت بشكل شبه كلي من على الساحة.

الغريب أن طرفي النقيض من 30 يونيو يتخذان الموقف المنتقد المندد بالنخب على حد سواء. مؤيدو نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يعيبون على النخبة غيابها وتقاعسها عن مساندة الدولة، لأنها لم تعد موعودة بمنصب أو مكانة. ومعارضوه يعيبون عليها تقاعسها عن مساندة الجماعة.

المعارضة المنزوية

جماعة أخرى تقف منزوية في هذا اليوم من كل عام، وهي المعارضة غير المنتمية للإخوان، التي تلقى الأمرّين من كل الأطراف. ويلمح البعض إلى أن جانباً من النخبة تنتمي إلى هذه الجماعة التي خفت صوتها لاعتبارات سياسية وإجرائية وأمنية فاختارت الانزواء لحين إشعار آخر.

 

 

احتفال بطعم العزل

آخر ما كان يطرأ على بال المصريين في إطار الاحتفالات بالأعياد والذكريات الوطنية أن تتخذ الاحتفالات طابعاً عملياً لا يقتصر على طبل الأغنيات الوطنية وزمر التغني بحياة الزعيم، وأن تعتنق مبدأ الإنجازات فعلاً لا قولاً. هذا العام، وكما جرت عادة الدولة في إحياء ذكرى 30 يونيو على مدار السنوات السبع الماضية، أو على وجه الدقة على مدار السنوات الست الماضية، منذ تقلد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مقاليد الرئاسة، كان المصريون على موعد مع افتتاح سلسلة من المشروعات الكبرى المتراوحة بين مبانٍ أثرية مرممة ومطارات جديدة وتجمعات سكنية حديثة وطرق ومحاور أصبحت سمة المرحلة. ودغدغ السيسي مشاعر المصريين حين علّق على صورة وضحت تكدسات مرورية بقوله، "كنتوا مستنيين إيه يا مسؤولين؟"، ويشار إلى أن التكدسات المرورية وفوضى المرور صارت جزءاً لا يتجزأ من حياة المصريين على مدار عقود.

وكما هو متوقع تتلون ذكرى الحراك الشعبي في 30 يونيو هذا العام بألوان الفيروس وحتمية الوباء. فأحد الإنجازات التي تم افتتاحها "مجمع المستشفيات الميدانية" بأرض المعارض، الذي أعدته القوات المسلحة المصرية لمجابهة خطر فيروس كورونا. أربعة آلاف سرير في أربع قاعات عزل، بالإضافة لخمسة مستشفيات منها ثلاث ميدانية واثنين للعزل بطاقة ألف سرير، مع توافر أجهزة التنفس الصناعي ووحدات الرعاية الفائقة.

الخميس وليس الثلاثاء

اهتمام فائق في مصر بتعديل موعد إجازة 30 يونيو من الثلاثاء إلى الخميس، وهو التعديل الذي فتح أبواب التكهنات والتوقعات. البعض توقع أن يكون التغيير لأغراض أمنية، والآخر تكهن بأن الحكومة استبقت نزعة الموظفين للتغيب عن العمل اليوم التالي للإجازة الرسمية، فقررت غلق باب "الضم". المتحدث الرسمي باسم رئاسة مجلس الوزراء نادر سعد أوضح أن التغيير يأتي في إطار حرص الحكومة على إتاحة فرصة أكبر للمواطنين لقضاء عطلة متصلة بعطلة نهاية الأسبوع.

وقبل نهاية الأسبوع، مضت شاشات التلفزيون قدماً في الاحتفال بطريقتها المعتادة؛ أغنيات وطنية قديمة وحديثة، فواصل وثائقية عن جماعة الإخوان تحوي مشاهد من فعالياتهم وأقوالهم، فقرات وبرامج مخصصة لإحياء الذكرى والتذكرة بالفكرة، ثورة شعبية على حكم الإخوان.