Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأزمة الليبية تفتح أبواب التحالف بين أنقرة وطهران

مراقبون: كلما ازدادت العلاقات الإيرانية دفئاً مع قطر وتركيا أصبحت أكثر جرأة في دعمها لحكومة الوفاق

وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف ونظيره التركي مولوود تشاووش أوغلو في أنقرة  (أ ف ب)

بعد أقل من شهر من اتهام حكومة الوفاق الوطني في طرابلس خصمها خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي بالحصول على أسلحة ثقيلة من إيران، ظهر موقف رسمي إيراني مغاير؛ فخلال مؤتمر صحافي جمع وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف ونظيره التركي مولوود تشاووش أوغلو في أنقرة، الثلاثاء، أعلن الأول عن دعم بلاده لحكومة الوفاق ومشاركة طهران وجهات النظر مع تركيا بشأن سبل حل الأزمة الليبية.

على الرغم من أن إعلان الدعم الإيراني جاء دون سابق إنذار، غير أنه ليس مفاجئاً إذا نظرنا إلى اللاعبين الإقليميين بالداخل الليبي. يتلخص طرفا الصراع في حكومة الوفاق الوطني بطرابلس، برئاسة فايز السراج، المدعوم من جماعة الإخوان في الداخل وتركيا وقطر وإيطاليا، والطرف الآخر هو الجيش الوطني الليبي بزعامة خليفة حفتر، المدعوم من مصر والإمارات بالإضافة إلى روسيا وفرنسا، التي تعتبره قوة في مواجهة الجماعات الإرهابية التي تنتشر في ليبيا.

دعم الميليشيات بالسلاح

ويمكن الإشارة إلى وجود إيراني سبق إعلان الدعم الرسمي للسراج، يتمثل في تدخل طهران المبكر بالشأن الليبي من خلال تهريب الأسلحة إلى الميليشيات المسلحة، عبر سفن شحن تابعة للحرس الثوري الإيراني. ففي أبريل (نيسان) 2019، تم ضبط سفينة شحن إيرانية خاضعة للعقوبات الأميركية قبالة السواحل الليبية بعد أسابيع من بدء الجيش الوطني الليبي عملية لتحرير طرابلس. ووقتها اتهم أحمد المسماري، المتحدث باسم الجيش، السفينة بأنها تنقل أسلحة وذخائر إلى مدينة مصراتة بطريقة غير قانونية.

وفي حديثه لـ"اندبندنت عربية" أشار بهنام بن طاليبو، الزميل الرفيع لدى مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات بواشنطن، إلى أن السفينة الإيرانية التي توقفت قبالة سواحل مصراتة العام الماضي كانت رمزاً قوياً لما سيأتي.

وأضاف، أن إيران ليست غريبة عن نطاق السلطات المركزية الضعيفة، إذ إن النظام الإيراني غالباً ما يستغل المساحات غير الخاضعة للحكم في الشرق الأوسط لاستغلالها عبر نشر عناصره أو الأموال أو الذخائر.

وأوضح طاليبو، إن إيران الآن تُلقي بدعمها علناً ​​وراء حكومة الوفاق الوطني، لتنغمس في شبكة التحالفات المعقدة بشكل متزايد، التي تقسم دول أوروبا والشرق الأوسط في ذلك البلد. ويشير إلى أنه لا يمكن فصل التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الإيراني بهذا الصدد عن رحلته الأخيرة إلى تركيا، التي كانت تهدف لدعم الميليشيات بالمنطقة.

 

 

كسر العزلة

ويرى بشير عبد الفتاح، الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن الموقف الإيراني من ليبيا يوفر لها مخرجاً من العزلة التي تواجهها جراء استراتيجية الضغوط القصوى التي تمارسها الإدارة الأميركية ضدها.

يضيف، أن طهران تتعاون مع تركيا لإفساح مكان لها في اليمن؛ من خلال حزب الإصلاح الإخواني، فمن جهة تسبب إزعاجاً للتحالف العربي. ومن أخرى تحصل على فرصتها للتحرك في شرق المتوسط، بما يعكس محاولاتها لكسر جدار العزلة والحصار، الذي تفرضه الولايات المتحدة ضدها. وهو ما يُضعف من فعالية العقوبات، ويساعدها على تحدي المجتمع الدولي، ومواصلة دعم الإرهاب وتطوير قدراتها النووية.

وبحسب مقال نشره أخيراً مركز" بيغن-السادات للدراسات الاستراتيجية"، فإنه بالنسبة إلى إيران، يعد الوصول إلى شرق البحر المتوسط ​​أحد الأهداف النهائية لاستراتيجية "الممر البري"، الذي يربط المقاتلين اللبنانيين بسوريا عبر إيران والعراق. ومن خلال الوجود البحري يمكن للحرس الثوري الإيراني حماية السفن التركية التي تنقل الأسلحة والمقاتلين من سوريا، وتثبط التدخل الغربي في التنقيب غير القانوني عن الغاز، الذي تقوم به تركيا بمنطقة قبرص. كما أن تحركات تركيا في ليبيا أيضاً مستوحاة بشكل مباشر من النموذج الإيراني. وأن انحياز إيران للميليشيات التركية وقوات حكومة طرابلس، يمكن أن يعزز السيطرة على الأرض من خلال خلق عقبات مادية إضافية في طريق تقدم الجيش الوطني الليبي.

 

 

التنافس الإقليمي

ويجمع إيران وتركيا تعاون أمني واسع، وتحديداً في العراق وسوريا بشأن ما يتعلق بالمسألة الكردية. ومنذ عدة أيام، يُجرى تنسيق غارات جوية بين البلدين، تم بموجبها قصف مناطق كردية شمال العراق لاستهداف أعضاء حزب العمال الكردستاني الانفصالي، الذي تعتبره كلتا البلدين تهديداً أمنياً.

الهجمات التركية التي تأتي تحت مسمّى "مخلب النمر"، هي العملية التي شكلت انتهاكاً لسيادة الأراضي العراقية، وأثارت تنديد الخارجية العراقية، لما أسفرت عنه من ترويع للمدنيين. كما تقف أنقرة ضد العقوبات التي تفرضها الإدارة الأميركية على طهران بسبب الملف النووي. 

ومن جانب آخر، يتوسع التعاون الإيراني القطري منذ إعلان السعودية والإمارات والبحرين ومصر مقاطعة الدوحة قبل ثلاث سنوات، ومطالبتها بالتوقف عن دعم الجماعات الإرهابية المسلحة في المنطقة وقطع علاقتها بإيران.

 ويعتقد المراقبون إن إعلان إيران دعمها للسراج ليس أكثر من أمر رمزي يأتي في إطار التنافس الإقليمي مع القوى المناوئة لنفوذ طهران بالمنطقة، وتحديداً دول الخليج.

يقول طاليبو، بالنظر إلى زيادة الدعم الإماراتي والمصري لحفتر، وكذلك عداوة إيران مع هذه الدول، إلى جانب العلاقات السياسية الحارة بين إيران وقطر وتركيا، حيث تدعم الدولتان الأخيرتان حكومة الوفاق الوطني، تم إغراء الجمهورية الإسلامية للتقارب بشكل متزايد من العراك في ليبيا. يضيف، كلما ازدادت العلاقات الإيرانية دفئاً مع قطر وتركيا، كلما أصبحت طهران أكثر جرأة في دعمها لحكومة الوفاق الوطني.

وفي حديثه لنا، وصف ساشا توبيريش، نائب رئيس شبكة القيادة عبر الأطلسي، مؤسسة بحثية في واشنطن، خطوة إيران بـ"الرمزية". وأشار إلى أن التدخل الإيراني المباشر في ليبيا لا يزال ضئيلاً ويمكن قراءته من منظور "عدو عدوي صديقي". 

 

 

مؤشر خطير

وبينما يلفت عبد الفتاح إلى أن الدور الإيراني في ليبيا لا يتجاوز دوراً لوجيستياً، وتقديم الخبرة لتركيا في الالتفاف على العقوبات الدولية، ومساعدتها في نقل المقاتلين والأسلحة إلى ليبيا، لكنه يعتبر وجود دور لإيران في الأزمة الليبية مؤشراً خطيراً يجب الوقوف عنده ورصده، يتعلق بشكل رئيس بالتنسيق الإيراني التركي في سياسات التدخل بدول الجوار.

يوضح، كانت تركيا تقدم نفسها باعتبارها دولة صديقة تدعم جيرانها في التنمية، لكنها بدأت تتبنى المنهج الإيراني نفسه من التدخل، فضلاً عن أن التنسيق بين البلدين بهذه الطريقة يعني أن البلدين تحولا إلى عبء على المنطقة، وعلى السلم والأمن الدوليين، لأن المجتمع الدولي كان يحاول مناهضة التدخل الإيراني، واليوم مطالب بالتصدي لدورين التركي والإيراني.

ويشير إلى أن التموضع التركي طويل الأمد في ليبيا، إذا ما استحوذت بالفعل على قواعد عسكرية، يمكن أن يجلب دوراً لإيران مستقبلاً. ومع ذلك لا تزال تركيا لا ترغب في إفساد علاقتها بواشنطن، التي تمنحها الدور الأخضر لممارستها في ليبيا، باعتبارها ذراعاً لها في مواجهة الدور الروسي المتنامي.

تابع، تركيا لا تنقل فقط مقاتلين وسلاحاً، وإنما انتقلت إلى مستوى أعلى. وهو المنظومات التسليحية المتطورة والغطاء الجوي لعمليات الميليشيات على الأرض. هناك انخراط تركي كامل واستراتيجي. وهو خطر مذهل تغض أميركا الطرف عنه. كما يستبعد أن يطلب السراج دعماً إيرانياً، لأنه ربما يكلفه الاعتراف الدولي به.

التحالف الأيديولوجي

ويعتقد مراقبون أن هناك تحالفاً أيديولوجياً صاعداً بين أنقرة، التي يقودها حزب العدالة والتنمية ذو الصبغة الدينية، وطهران التي يحكمها نظام إسلامي. ومثال على مدى هذا الترابط، هو الصمت الذي خيم على الجانب التركي بعد تورط دبلوماسيين إيرانيين في مقتل معارض إيراني داخل تركيا.

وسلط "مركز بيغن السادات"، الضوء على المنظور التركي في هذا الصدد، لافتاً إلى أن تركيا تعتبر ليبيا جزءاً من خط الدفاع العثماني الجديد، واستراتيجيتها لتوحيد أحزاب الإخوان المسلمين والحكومات الإسلامية، والميليشيات. وإيجاد موطئ قدم لها في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل. وأضاف، أن استعداد تركيا للعمل مع كل من الإسلاميين السنة والشيعة، من المرجح أن يؤتي ثماره بشكل استراتيجي، طالما فشلت الحكومات الغربية والأفريقية في اتباع استراتيجيات متضافرة وموحدة لمواجهة وتفكيك هذا التحالف.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقد تتفاوض تركيا وإيران على ترتيب ينطوي على تقسيم مجالات النفوذ التي ستسمح لكل منهما بمتابعة مصالحه الخاصة، دون اشتباكات مباشرة وصراع. بينما يكمل كل منهما الآخر المالي والعسكري والاستخباراتي، والاحتياجات الأيديولوجية.

وقد أظهر أردوغان استعداداً لاستخدام عناصر داعش لملء صفوف ميليشياته، التي تتجه الآن إلى ليبيا. كما استضافت إيران أعضاء القاعدة واستغلت تهديد التنظيم الإرهابي لمصلحتها السياسية. ويمكن لهذه المنظمات الإرهابية ونظرائها الأفارقة المحليين مثل بوكو حرام والشباب، الاستفادة بالتأكيد من دعم الدول للضغط على الحكومات المحلية الضعيفة والفاسدة، وخلق حالة من عدم الاستقرار. كما يمكنها التسلل إلى بلدان أكثر استقراراً من خلال الشبكات الدينية والدعاية عبر الإنترنت والمنظمات الإجرامية، مما يمنح كلتا البلدين النفوذ.

يوضح الباحث لدى مركز الأهرام، أن هناك محور ممانعة في المنطقة لتشكيل مثل هذا التحالف. ويوضح أن دول الثقل العربي في الخليج لن تسمح بتشكيل مثل هذا التحالف الثيوقراطي، كما أن الموقف المصري والجزائري معروف بهذا الصدد. ويشهد السودان تحولاً كبيراً منذ ثورته ضد نظام عمر البشير. وفي تونس على الرغم من التمثيل السياسي للإخوان فإن الطبقة السياسية الأكبر تلفظ هذا النفوذ الإخواني. وعلى صعيد الداخل الليبي فإن المكون القبائلي لا يوفر بيئة خصبة لذلك.

وعلى الصعيد الدولي، يتوقع عبد الفتاح مقاومة كاملة، لأنه يشكل تهديداً للأمن الأوروبي خصوصاً أمن الطاقة. ويشير توبيرتش، إلى أن الإخوان المسلمين لا يشكلون عنصراً قوياً في ليبيا، وإذا حدثت انتخابات في ليبيا فسيبدون نتائج ضعيفة.

يضيف أن الشعب الليبي رفض "حكم الفرد الواحد" في 2011، ويجب على الحكومة الجديدة بعد الانتخابات أن تكون حكومة من الشعب وباختياره، مع وجود مكون عسكري قوي وموحد، لمنع أي مغامرات عسكرية في المستقبل من قِبل أي شخص. مؤكداً أن الشعب الليبي يستحق السلام.

المزيد من تقارير