Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا ترافقنا عبارة "صنع في الصين"؟

مركزية التخطيط والثقافة الشعبية من أسس النهضة الصينية

مروحة شخصية صنع الصين (بي أكس هير)

لا يوجد في العالم متجر، أو بيت لا يحتوي على منتج مكتوب عليه عبارة "صنع في الصين"، فالعملاق الصيني اليوم هو "مصنع العالم"، حيث يُصنع كل شيء "من الإبرة إلى الصاروخ" كما يُقال. أدى ذلك إلى خلل في الميزان التجاري العالمي بين دول احتلت مراكز متقدمة في العالم الصناعي في ما مضى. والسبب الرئيس لهذه السيطرة، لا يكمن في شمولية الإنتاج وحسب، بل أيضاً الثمن الزهيد للبضائع الصينية الذي يعود إلى أسباب كثيرة، ليس أوّلها، وأهمها اليد العاملة الرخيصة، كما يعتقد كثيرون.
 

صحوة "التنين"

كان الأوروبيون يرددون في القرنين الثامن عشر، والتاسع عشر "دعوا التنين نائماً"، إذ كانوا يعلمون أن استيقاظ "التنين الصيني" يعني سيطرته على العالم. والجميع يعرف كيف استخدم الأوروبيون مادة الأفيون في إطار الحروب الاستعمارية التجارية الكبرى، لاحتلال الصين، ووضعها تحت الديون الدولية الضخمة، حين بات أغلب الصينيين مدمنين على تعاطي هذه المادة المخدرة. إلا أن "التنين الصيني" عاد، واستيقظ بعد الحرب العالمية الثانية، حين تم وضع الخطط الخمسية، والعشرية للنهوض بالاقتصاد الصيني. وطبّق الصينيون خططهم التطويرية بحذافيرها حتى جعلوا بلادهم الأولى عالمياً في مجال الصناعة. ما الذي حدث في مسيرة تطوّر الصين إلى البلد الأكثر تصنيعاً، والأكثر استهلاكاً للمواد الأولية في العالم؟
قامت الخطة الصينية منذ الستينيات من القرن العشرين على تقسيم الشركات الصناعية إلى ثلاث فئات الصناعات الثقيلة كالحديد، والنفط، والسيارات وهي صناعات تملكها الدولة. والفئة الثانية هي الصناعات المتوسطة، والخفيفة كالصناعات الغذائية، والسلع المنزلية، وغيرها، وهذه الشركات ملك التعاونيات الشعبية التابعة للمقاطعات. والفئة الثالثة وهي الأهم، وتسمى "الصناعات الأخرى" أي المعامل التي يملكها أشخاص ومجموعات في إطار الملكية الخاصة. وهذه الفئة الثالثة تزايدت بصورة مضطردة بعد السماح للمواطنين والأجانب ولصينيي الخارج، الاستثمار في الصين، أو إقامة شبكة من العلاقات التجارية بين الصين الداخلية والعالم الخارجي، وهذا ما كان ممنوعاً إبان السيطرة "الحديدية" للحزب الشيوعي الصيني خلال فترة إعادة بناء الداخل الصيني، قبل أن يبدأ عهد الانفتاح الاقتصادي، الذي جعل الصين "صينين"، الأولى شيوعية في تركيبتها السلطوية، والثانية تمارس رأسمالية الدولة. وهي "صينَين" أيضاً في كونها المصدّر الأول عالمياً لإنتاجها، والمستورد الأول للمواد الأولية في العالم، و"صينَين" في انقسامها الهائل بين مَن يشكّلون "الطبقة العاملة" الضخمة، ومن يشكلّون الطبقتين "الوسطى"، "والثرية".
أدى الإصلاح الاقتصادي إلى بزوغ طبقة متوسطة منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي. وراحت هذه الطبقة تنمو من تلقاء نفسها ككرة الثلج. وقامت لتلبية احتياجاتها الجديدة، صناعات جديدة، أدت بدورها إلى رفدها بمزيد من أعضائها، حتى وصل تعدادها اليوم إلى نحو نصف عدد سكان الصين الذين يتجمعون في المدن الساحلية على طول نهر "يانغتسي" الشهير. هذا العدد الضخم الذي يقارب نصف مليار نسمة من الطبقة المتوسطة يشكّل "الدينامو" الذي تقوم عليه النهضة الصينية، فهو أحد أهم عوامل الإنتاج، وفي الوقت عينه أهم الفئات المستهلكة في الداخل.
 


العوامل التي رفدت النهضة

العامل الأول هو اليد العاملة الرخيصة التي كان لها دور أساسي في النهضة الصناعية الصينية، فإذا أردنا مقارنة سعر متوسط أجر العامل في الصين مع بقية الدول، نجده لا يتجاوز الـ 40 سنتاً من الدولار الأميركي في الساعة، أي سدس أجر العامل المكسيكي، وواحد على أربعين من أجر العامل الأميركي. لكن العامل الصيني يتمتع بقدرات إضافية غير موجودة في أي عامل في العالم، ومن مجمل الآراء المتداولة والانطباعات التي خرج بها المتعاملون مع الصينيين من أنحاء العالم يمكننا حصرها بالصفات التالية:
مثلاً، يتمتع البائع الصيني بالإصرار، والعزيمة إذ يحاول تعلّم لغة التاجر، والتعرّف إلى ثقافته. ومعظم الباعة الصينيين باتوا يتحدثون الإنجليزية، ويقدمون النصائح للعميل حول دخول المنتجات، وعبورها من المنافذ الجمركية. ويقول معظم المتعاملون مع الصينيين إن هؤلاء يتحلّون بصبر غريب، فهم لا يغضبون من كثرة الطلبات، أو الأسئلة بل يؤدون كل ما يُطلب منهم على أكمل وجه، من دون تذمر. ولا يعرفون اليأس، إذ قد يظلّ التاجر الصيني على صداقة مع عميله الأجنبي "المحتمل" لسنوات طويلة، على أمل أن يصبح أحد عملائه الفعليين المستقبليين.

لكن هذه الأسباب المتعلقة بالعمال والتجّار الصينين ليست الوحيدة، ولا الأهم. إذ اتبعت الصين مبادئ أساسية عدة رفعت قدراتها التصنيعية، من بينها اعتماد مبدأ "التصنيع بكتلات ضخمة" Mass production ، فاعتماد الإنتاج بكميات كبيرة يؤدي إلى خفض سعر المُنتج بسبب الخفض الكبير في أسعار المواد الأولية، وبالتالي تخفيض الكلفة الإجمالية. كما اعتمد الصينيون على نقل "التصاميم" من دون دفع ثمنها، في مقابل فتح سوق الصين أمام التجّار الأجانب.

هناك سبب آخر يكمن في الثقافة الاقتصادية الخاصة بالشعب الصيني، الذي يعتمد بطبعه على الادخار بدل الاستهلاك، وهذه العقلية طبيعية لبلد ساده نظام الاجتماع الزراعي لمدة طويلة. وملأ الادخار صندوق الدولة بالعملات الصعبة، فاعتمدت سياسة دعم العملة الوطنية (اليوان)، ما سهّل على الشركات الصناعية نيل استثمارات بفوائد زهيدة، واستغلال البنية التحتية بأرخص الأثمان (هاتف، كهرباء، طرقات). لذلك تقوم دول عدة على رأسها أوروبا، والولايات المتحدة، وتكتلات تجارية ضخمة، ومنظمة التجارة العالمية، بممارسة ضغوط كبيرة لفك دعم الصين لعملتها من أجل كبح جماح انجذاب السوق المالية إلى صناعة مدعومة مالياً.
وتلعب الثقافة الشعبية، والتقاليد الصينية دوراً أساسياً في تكريس النهضة الصناعية، فالمجتمع الصيني يعتمد على المركزية الإدارية، حيث توضع المخططات في "المركز"، بعكس المجتمع الغربي الذي يعتمد على مبدأ دراسة السوق ثم إنشاء المصنع. وغالباً ما يقدم الصينيون على إنشاء مصنع، ومن ثم يفتشون عن الأسواق، ما يضطرهم إلى خفض نسبة أرباحهم في مقابل مزيد من البيع. ويكافَأ العامل، أو التاجر الصيني على الكمية التي يبيعها لا على الربح الذي يحققه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


سوء البضائع وجودتها
تدفقت الاستثمارات الأجنبية على الصين في مرحلة أولى بهدف الاستفادة من رخص اليد العاملة فيها، لإنتاج سلع كانت في معظمها موجهة إلى الأسواق الخارجية، أي إلى أن يُعاد تصديرها. ولكن نمو الطبقة المتوسطة أدى إلى تشكل مجموعة من الزبائن المحليين، تتمنى الوصول إلى أسواقهم كل الشركات الصناعية في العالم. لذلك انتقلت إلى الصين في العقود الأخيرة، شركات عالمية كبيرة كانت مشهورة في بلادها، منها أميركية، ويابانية، وأوروبية، تعمل في الصناعات التقنية كالهواتف والكمبيوترات، وكذلك في السيارات مروراً بالملابس، والأحذية بأنواعها.
ويخطئ من يتوهم أن السلع الصينية متدنية السعر تتوجه إلى الدول الفقيرة، أو حيث القوة الشرائية أضعف مما هي عليه في الدول الغنية. فالشريك التجاري الأكبر للصين هو الولايات المتحدة.
وهناك من يشير إلى أن الصناعات الصينية رديئة، وسريعة الهلاك، وهذه النظرة غير صحيحة، فالمتداول في الصين مقولة "نصنع لك ما تريد بحسب ما لديك من أموال"، لذلك تظهر في الدول ذات الاقتصادات الضعيفة كمعظم الدول العربية، والأفريقية، وأميركا اللاتينية، النوعيات السيئة من الإنتاج الصيني، وهذا يعود إلى المستورد الذي يختار البضائع الرخيصة الثمن ليماشي حاجة المستهلك ذي الموارد المالية الضئيلة في بلده.
فالصين كالمتجر الكبير، تجد على رفوفه كل أنواع المنتجات التي تريدها، ويمكنك أن تختار من بينها ما يناسب قدرتك الشرائية، وبالتالي ما يحدد جودتها.