Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أين يقف "التنين الصيني" من الفرقاء الليبيين؟

خلال السنوات الماضية وضعت بكين رهاناتها على جانبي هذا الصراع متبعة سياسة الحياد الحذِر

تنأى بكين بنفسها بعيداً عن الانخراط بشكل مباشر في حل النزاع الليبي (أ.ف.ب)

في 17 مارس (آذار) 2011، عندما عقد مجلس الأمن الدولي جلسته للتصويت على التدخل العسكري في ليبيا، عبر قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، امتنعت الصين عن التصويت وشجبت سريعاً فرض حظر طيران جوي والهجمات الجوية التي استهدفت قوات نظام القذافي. ومع ذلك ففي 12 سبتمبر ( أيلول) من العام نفسه، قبيل أكثر من شهر من مقتل القذافي على يد الجماعات المتمردة المسلحة، اعترفت بكين بشرعية المجلس الانتقالي الوطني المعارض.

قد يُنظر إلى هذا الموقف باعتباره غامضاً أو متردداً، لكنه حمل فوائد الظهور بموقف المحايد. وتعلّق هذا الموقف بأمور عِدة، على رأسها المصالح الاقتصادية لبكين في ليبيا وخوفها من كارثة إنسانية تُدخِل البلاد في حالة فوضى، في الوقت الذي كانت الصين تمتلك عقوداً مع ليبيا بـ20 مليار دولار قبل الحرب.

وفي الوقت الذي تحول البلد الواقع في شمال أفريقيا إلى ساحة للتنافس على النفوذ وبسط السيطرة بين القوى الإقليمية والدولية من خلال دعم الفرقاء الليبيين وهم حكومة الوفاق الوطني بزعامة فايز السراج في طرابلس، والجيش الوطني الليبي بزعامة خليفة حفتر في الشرق، فإن الصين التي تمتلك مصالح اقتصادية هائلة في البلد الذي يتمتع بمخزونات نفطية تقدر بنحو 48 مليار متر مكعب، تتخذ نهجاً مغايراً من السير على خط رفيع من التوازن بين طرفي الصراع. وهو النهج الذي اعتادت عليه في صراعات الشرق الأوسط، تلك المنطقة التي تشكل جزءاً أساسياً من مبادرة "الحزام والطريق" التي تنطوي على إنفاق تريليون دولار في مساعدات البناء والاستثمارات في أكثر من 100 دولة عبر آسيا الوسطى وأفريقيا وأوروبا.

الاختراق الاقتصادي

وفي حديثه لـ"اندبندنت عربية"، قال وليد مؤمن الفارسي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بنغازي، "منذ اندلاع الثورة في ليبيا مطلع 2011 وجدت الصين نفسها في مأزق يدور حول ضرورة الاختيار بين دعم القذافي والحفاظ على الاستثمارات الموقعة بقيمة 20 مليون دولار، والآن يرتكز الموقف الصيني على الدعوة إلى حل سياسي متعدد الأطراف وهو ما يتماشى مع مواقفها بشأن النزاعات الأخرى، وهذا ما يفسر اختلاف سياسة بكين الرسمية بعدم الانحياز في ليبيا نتيجة القلق بشأن الاستثمارات، حيث تراقب المشهد من بعيد في ضوء سعيها للحصول على فرص تجارية مع كيانات متحالفة، ومن ثم فإنها تدعم اتفاق وقف إطلاق النار وتأييد المبادرات السلمية متعددة الأطراف بدلاً عن الأحادية، ضمن إطار عمل الأمم المتحدة".

الصين على نقيض الولايات المتحدة، تركز جهودها على الاختراق والتوسع الاقتصادي وليس التدخل العسكري. فبحسب متخصصين في الشأن السياسي، فإنه عادة ما تعتبر القيادة الصينية الشرق الأوسط "مقبرة للقوى العظمى"، كما تجد صعوبة في فهم الدور الرئيس للدين في سياسات المنطقة، وإدراكاً منها للمصالح القوية للقوى العالمية الأخرى، فإنها تخشى أن تصبح عالقة في مستنقع الصراعات الداخلية في المنطقة. وخلال مؤتمر صحافي عُقد في القاهرة، يناير (كانون الثاني) الماضي، أكد وزير الخارجية الصيني وانغ يو، رفض بلاده التدخل العسكري في ليبيا، قائلاً إن ذلك لن يؤدي إلا إلى تفاقم الصراعات وتكثيف المواجهات. وطالما دعت بكين إلى مفاوضات بقيادة الأمم المتحدة لحوار سياسي أوسع بين الفرقاء الليبيين.

وبحسب مؤسسة "كارنيجي" للسلام الدولي، فمنذ سقوط نظام القذافي، ركزت مشاركة الصين في ليبيا على الاختراق الاقتصادي - أقوى خط نفوذ لها - والدبلوماسي من وراء الكواليس. وترتكز هذه الأنشطة على طموحات بكين التجارية وحذرها من التورط العسكري. ومع ذلك، على الرغم من التزام هذه الدولة الآسيوية الصارم بمبادئها المتمثلة في المشاركة الحذرة والمحدودة، فقد أظهرت وعياً شديداً بالواقع المحلي، وأعادت تشكيل نهجها للتكيف مع الظروف المتغيرة لتعظيم مكاسبها إلى أقصى درجة مع مراعاة النتيجة غير المعروفة للصراع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الحفاظ على المصالح التجارية

حافظت الصين على مصالح تجارية في ليبيا منذ سنوات قبل أن يشتعل الصراع في البلاد عام 2011. ففي ظل نظام القذافي، انخرطت في أنشطة البنية التحتية المختلفة، وبحلول عام 2011، كان لدى الصين 75 شركة بما يقرب من 18.8 مليار دولار من الأعمال في ليبيا. وشملت هذه الأنشطة 36 ألف عامل صيني يعملون في 50 مشروعاً، بدءاً من البناء السكني والسكك الحديدية إلى الاتصالات السلكية واللا سلكية ومشروعات الطاقة الكهرومائية.

والأهم من ذلك، كانت الشركات الصينية منخرطة بشدة في صناعة النفط الليبية، بخلاف الواردات، وفي عام 2010، كانت ليبيا توفر 3 في المائة من إمدادات النفط الخام في الصين، أي 3 في المائة من الإمداد لثاني أكبر مستهلك في العالم، الذي يشكل ما يقرب من 150 ألف برميل يومياً، أو عُشر صادرات ليبيا الخام. وتمتلك جميع شركات النفط الحكومية الكبرى في الصين مشروعات بنية تحتية دائمة في ليبيا.

الحياد الحذر

وخلال السنوات القليلة الماضية، وضعت الصين رهاناتها على جانبي الصراع في ليبيا، متبعة سياسة الحياد الحذر والتنويع الدبلوماسي والاقتصادي. ورسميا تدعم بكين حكومة الوفاق الوطني، واجتمع الدبلوماسيون الصينيون مع مسؤولي هذه الحكومة تسع مرات بين عامي 2016 و2020.

وفي سبتمبر 2018، دعا السراج علانية إلى توسيع الاستثمارات الصينية في بلاده، وفي مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير (شباط) 2019، أشاد ممثلو حكومته بليبيا كبوابة محتملة للتأثير الاقتصادي الصيني في أفريقيا. ورداً على هذه التصريحات، أشاد السفير الصيني لدى ليبيا لي تشيجو بحكومة الوفاق لتحسين الوضع الأمني في طرابلس، وذكر أن بلاده لديها خطط للتوسع السريع لوجودها الاقتصادي في ليبيا.

وفي عام 2019، بلغ حجم التجارة الثنائية بين البلدين 6.21 مليار دولار، ما يعكس زيادة بنسبة 160.1 في المئة على أساس سنوي، ويرجع ذلك أساساً إلى انتعاش صادرات النفط الليبي إلى الصين، بحسب مؤسسة "كارنيجي".

لكن في الوقت ذاته، فإن الصين لا ترغب في تقديم دعم ملموس للسراج على خصمه حفتر، قائد الجيش الوطني. وقد رفضت بكين الامتثال لطلب السراج الحصول على دعم صيني في رفع الحظر الدولي المفروض على الأسلحة في ليبيا، كما لم تدعم حكومة طرابلس في جهودها لإلغاء تجميد الأصول المالية. وعلى جانب حفتر، الذي يسيطر على شرق البلاد، فقد عقدت الشركات الصينية المملوكة للدولة في 2016 اتفاقاً لتمويل مشروعات تنموية في الشرق. ويقول باحثون في معهد "كارنيجي" إن علاقة بكين مع الشرق اقتصادية تماماً.

 

إعادة البناء

وبحسب أليساندرو أردوينو، الزميل لدى معهد الشرق الأوسط في الجامعة الوطنية في سنغافورة، فإنه في حالة فوز السراج، ستستفيد الصين من التوافق مع دعم الأمم المتحدة لحكومة الوفاق وقرار السراج بضم ليبيا إلى "الحزام والطريق". وفي حالة انتصار الجيش الوطني بزعامة حفتر، يمكن لشركة "بتروتشاينا" الاعتماد على تعاونها المستمر مع مؤسسة النفط الوطنية الليبية، حيث يقع الجزء الأكبر من حقول النفط في البلاد في منطقة يسيطر عليها هذا الجيش. فبينما يقوم أصحاب المصلحة الدوليون بوضع استراتيجية على المدى القصير والمتوسط على رقعة الشطرنج الليبية، فإن الصين تنظر إلى اللعبة النهائية.

ويدرك الفرقاء الليبيون، بحسب أردوينو، أن الصين هي واحدة من الدول القليلة التي يمكنها تقديم الدعم المالي والتقني لإعادة بناء ليبيا. لذلك، ليس مفاجئاً أن تدعو بكين إلى الالتزام بالحل السياسي في ليبيا ومبادرة تقودها الأمم المتحدة تدعم دور المنظمات الإقليمية، مثل الاتحاد الأفريقي. وعلى سبيل المثال، فعلى مدار العام الماضي كانت بكين بالفعل تبحث عن استثمارات محتملة لإعادة الإعمار بعد الحرب في سوريا، حيث زار مدراء بعض الشركات المملوكة للدولة دمشق. وفي الوقت نفسه، تبادلت العديد من دول شمال أفريقيا، من مصر إلى المغرب، اهتمام الصين بالفعل بالتعاون التجاري وتطوير البنية التحتية، التي تقودها الشركات المملوكة للدولة بدعم من البنوك الحكومية في بكين.

ويقول خبراء مؤسسة "كارنيجي" إنه في حين كان عدم تحيز الصين في ليبيا مدفوعاً بمحاولة لحماية المصالح في عام 2011، فإن تردد بكين في اتخاذ موقف في عام 2020 يشير بدلاً عن ذلك إلى الرغبة في تعظيم مكاسبها الدبلوماسية والاقتصادية بغض النظر عن نتيجة الصراع.

الصين لديها وسائل للتأثير في الوضع الليبي

ويرى آخرون أن سعي الصين نحو توسيع نفوذها الجيوسياسي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يجعل ذلك مصدراً للتشكيك في قدرتها على التزام هذا النهج من النأي بعيداً عن الانخراط بشكل مباشر في حل النزاع الليبي. وفي حين يرى مراقبون أن الصين لديها الوسائل للتأثير في الوضع الليبي من خلال جهد دبلوماسي يترافق مع قوتها الاقتصادية، يرى الفارسي أنه من الممكن أن تتراجع بكين في الأشهر المقبلة وتتجه للعب دور أكبر في حل النزاع مع سعيها التدريجي إلى توسيع نفوذها الجيوسياسي في الشرق الأوسط، خصوصاً بعد تأثر اقتصادها بسبب جائحة كورونا، وهو ما ستسعى إليه أطراف المبادرة الليبية المصرية مع أهمية الصين كعضو فاعل في التصويت في مجلس الأمن.

المزيد من دوليات