Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سلوكنا الغذائي يخزن أكثر ما نحتاج في أجسامنا والثلاجات

الممارسات الغذائية تنحو اليوم باتجاه المبالغة في التهام الأطعمة العالية السعرات

كان الغذاء الحلو عالي السعرات نادراً جداً في مرحلة سابقة من تاريخ البشرية (غيتي)

عاشت معظم الجماعات البشرية سابقاً حياة التجوال بحثاً عن الغذاء في ظروف بيئية متقلبة ودورات حياة مختلفة، وكان الاستقرار أمراً غير ممكن بشكل دائم في ذلك الوقت، إلّا في حال العثور على مصادر غذاء وافرة. وعلى الرغم من مرور مئات السنوات وتقدّم جنسنا البشري، إلّا أن جيناتنا لم تنس حياة الشح والندرة تلك، ولا تزال متمسكة بالسلوكيات الغذائية التي تشكّلت خلال عشرات آلاف السنوات.

المنع والسماح

تظهر اليوم الممارسات الغذائية التي تنحو باتجاه المبالغة في التهام الأطعمة العالية السعرات والمكتنزة بالسكر كحالات متفرقة خلال الأيام العادية، لكنها تتكشف بشكل أوضح خلال الصيام وأثناء مشاركة طقوس وساعات وأصناف الطعام، إذ ينتظر المتوقفون عن الطعام انتهاء ساعات المنع للبدء منذ أول دقيقة في ساعات السماح بالتهام أكبر قدر ممكن من الطعام، محاكين بذلك سلوك البشر الأوائل. وإذا كان هذا السلوك أمراً مبرراً لأسلافنا قياساً بحياة الشحّ التي كانت سائدة وقتها، إضافةً إلى تركيبة أجسامهم الأقل احتمالاً للمعاناة الناتجة من المجاعة، فإنه يُعدُّ من الناحية النظرية أمراً غير مقبول في حياة تتّسم بالوفرة ويعيش أبناؤها ثورة معرفية هائلة في حياة حضرية.

السافانا

ربما لم تكفنا المئتي سنة المنصرمة لترسي قواعد الحياة الحضرية وتفصلنا فعلياً عن تركيبة أسلافنا الجينية، إذ ما زلنا حتى اليوم متمسكين بعددٍ كبيرٍ من خصائصنا النفسية والاجتماعية السابقة وما تحمله من عادات حياتية وعلى وجه الخصوص الغذائية منها، فتظهر سلوكياتنا أن تركيبنا الجيني ما زال يعتقد أننا نعيش في السافانا، كما يقول المؤرخ وأستاذ التاريخ Yuval Noah Harari، إذ باستقصاء سريع لعالم الصياد الجامع، الذي يعتقد علماء النفس التطوري أنه لا يزال يسكننا أو نسكنه بلا وعي، وبالعودة إلى مرحلة مهمة في تاريخ النوع البشري قبل 30 ألف عام، في ما سُمي بمجتمعات "الصياد-الجامع" في السافانا، حيث كان الغذاء شحيحاً والمنافسة على الطعام والموارد في أوجها بين البشر أنفسهم من جهة وباقي الأنواع الحية من جهة أخرى.

كما كان الغذاء الحلو عالي السعرات نادراً جداً، فاضطُّر الإنسان إذا صادفها أثناء سعيه أن يأكل منها "قدر استطاعته" قبل أن يصل إليها منافسوه، فكان يجد فيها فرصة ربما لن تتكرر ثانية على المدى القريب، فطبعت في حمضنا النووي غريزة التهام الطعام، بخاصة عالي السعرات. أمر ربما يفسر عاداتنا الغذائية المبالغ بها ومحاولتنا الفاشلة للاعتدال بالطعام، الذي يبدو كأنه أشبه بصراع مرير مع سيطرة جينية تاريخية ذات جذور عميقة.

ميل فطري

إن الدخول إلى سوبرماركت كبير أو فتح ثلاجة محشوة بالطعام أو الجلوس إلى طاولة متنوعة الخيارات يعيد إلى أذهاننا مشهد البشر القدامى عندما يعثرون مصادفة على شجرة توت أو تين، فتبدأ غريزة الالتهام بالظهور إلى الواجهة لتكون سيدة الموقف لدقائق قبل أن نعود إلى وعينا الحالي ونذكّر أنفسنا بحقيقة الوفرة التي نعيشها.

وإذا بررنا الرغبة في تخزين الطعام بكميات كبيرة في الثلاجات والحافظات المتنوعة، بميلنا الفطري، ستعترضنا معضلة تخزينه في الأجسام، إذ نحن نخزن ما يزيد على ضعف حاجتنا إلى الطعام كل يوم، مطبّقين فطرتنا من جهة ومجنّدين في الاستهلاك الجائر من جهة أخرى.

سباق الرفاهية

يُعدُّ الفهم الصحيح لنفسية المستهلكين والتطبيق الدقيق لنظريات علم النفس حجر زاوية في علم التسويق الحديث، إذ نعيش اليوم أكبر تجنيد استهلاكي مندفعين بنزعة خُطّط لها بشكل ذكي، دعماً لاقتصاد ينتج أكثر ويستثمر أكثر ويغدق العالم بأحدث المنتجات متسلّحاً بغاية توفير سبل الراحة والأمن والرفاهية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نزعة ترصد عن قرب في كل الأسواق اليوم، بخاصة في سوق المواد الغذائية، حيث يتسوق البشر أضعاف حاجتهم الفعلية ويستهلكون ضعف كمية السعرات الموصى بها يومياً.

الواقع الغذائي اليوم بين فكَّيْ كماشة، صُنّاع المنتجات العالية السعرات من جهة وصُنّاع الأنظمة الغذائية من جهة أخرى، الذين يجيدون لعبة التسويق للاستهلاك كمتعة أولاً ثم كحلّ للمشاكل الناتجة من هذه المتعة من دون الرجوع إلى المسبب الأول الحقيقي وبعيداً من المعطيات الاجتماعية أو الأساس البيولوجي والتأثير الجيني ومدى الاستعداد الوراثي للبشر.

كُلوا أكثر ثم اشتروا منتجات الحمية الغذائية وضاعفوا أعدادكم أكثر لمضاعفة الاستهلاك أكثر وأكثر، وبعدها تأتي الحلول الطبية ويأتي دور نظام الرعاية الصحي.

المزيد من صحة