Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اليمنيون في الخارج... بين جدران الحجر والغربة

يقضون أوقاتهم في القراءة والرياضة المنزلية... وتجرفهم هواجس الحنين إلى الوطن

مشهد من الحياة اليومية في عدن (غيتي)

 ربما هي المرة الأولى التي يعيش فيها ملايين المغتربين اليمنيين الذين ينتشرون في دول الاغتراب خصوصاً الجارة السعودية، ظروفاً جديدة فرضتها الإجراءات التي اتخذتها اليوم دول العالم تفادياً لتفشي فيروس كورونا.

 وبالنظر لحال المغترب في هذه الظروف التي يواجه بالمقابل معها، ظروفاً أخرى تتعلق بالبعد عن الوطن والأهل والأصدقاء، نتطرق في التقرير التالي لطبيعة تفاصيل الحياة اليومية لشريحة واسعة من اليمنيين تعمل في المهجر، يقضون جل يومهم بين حوائط الحجر المنزلي، ربما للمرة الأولى في حياتهم المفعمة بالعمل والنشاط والتنقل الدؤوب بحثاً عن فرص أفضل للعيش.

يقول وليد محمد، مغترب يمني يعمل في محل لبيع العطور بمدينة جدة، إن قرار حظر التجول والبقاء في المنزل أكسبه وقتاً جيداً لقراءة الكتب وزيارة بعض المواقع العلمية والثقافية، بالإضافة لقضاء ساعات ممتعة مع الأصدقاء في مواقع التواصل الاجتماعي. 

رياضة في السطح

يوضح أن الحجر دفعه لمزاولة بعض الرياضات المنزلية في سطح البيت، خصوصاً بعد تناول وجبة العشاء في مسعى حثيث منه للتغلب على ساعات الركود الطويلة التي أسهمت بقوة في زيادة وزنه خصوصاً وهو يعاني من داء السكري.

القراءة في زمن كورونا

وعبّر ماجد عبدالله الربيدي، تاجر حر، أن فترة الحجر المنزلي أعادته لعشقه القديم المتعلق بقراءة بعض الكتب، خصوصاً منها التاريخية والروايات ومزاولة بعض الرياضات الخفيفة في المنزل.

وقال، إنه تمكن خلال الفترة الماضية من طلب عدة كتب تنوعت بين الروايات والسير الذاتية والأحداث التاريخية وفي مقدمتها كتب الروائي الكولومبي الشهير غابرييل غارسيا ماركيز، الذي وصفه بمبدع الواقعية السحرية ومنها رائعته "الحب في زمن الكوليرا".

طباخ متمكن

ناصر مساعد، يعمل في محل لقطع الغيار، أكد أن فترة حظر التجول والمكوث لساعات طوال في سكن "العزبة" صنعت منه طباخاً ماهراً في تحضير عدد من الوجبات وأهمها كبسة الأرز والدجاج. ونتيجة لانشغاله خلال الفترة الماضية قال إنه تعود الاكتفاء بتناول الوجبات السريعة لاستغلال فترة ما بعد الدوام لقضائه للاستمتاع والسهر مع الأصدقاء.

مع الفصفص

ناصر، الذي يقضي ساعات الحجر الطويلة بمفرده، أوضح أنه يجد السلوى في مواقع التواصل الاجتماعي التي يتبادل فيها مع أصدقائه النكات والذكريات التي احتفظ بها منذ أيام الدراسة ويستعد لذلك بأن يحرص خلال وقت فتح حظر التجول اليومي، بشراء كميات كافية من حبات "الفصفص" ، التي يحبذ تناولها خلال أحاديثه الشيقة عبر وسائط التواصل الاجتماعي.

معاناة

ورغم ما في هذه الفترة من جوانب شيقة ومفيدة وطريفة، فإن كثيراً من المغتربين اليمنيين يمرون بظروف صعبة جراء جملة من الإجراءات التي اتخذت، وعجز البعض عن توفير متطلباته اليومية جراء طول فترة الحظر. 

يقول محمد علي، سائق سيارة نقل، إن الكثير من المغتربين يمرون بظروف صعبة، أسهمت تداعيات تفشي فيروس كورونا في مضاعفتها.

وذكر أن بعض الشركات والقطاعات الخاصة أبلغت عدداً من العمالة اليمنية بعدم مقدرتها صرف رواتبهم، فيما خصمت قطاعات أخرى أجور العمالة إلى النصف.

ورغم ذلك، أشاد محمد بالتعامل الإنساني الراقي الذي أبدته السلطات السعودية تجاه العمالة الوافدة في ظل هذه الظروف من خلال تقديم كافة أوجه الدعم والرعاية الاجتماعية والصحية حتى للأشخاص الذين دخلوا البلاد بطريقة غير رسمية.

الجانب المضيء

الإعلامية اليمنية، أفنان توركر، التي تقيم في تركيا، قالت رغم ما في الحجر من جانب مظلم يتعلق بجهل البشرية للخصم الفيروسي العنيد، خلال المستقبل المتعلق بهذا الوضع، إلا أن هناك جانباً مشرقاً في الأمر.

تقول، "بقائي في المنزل فرصة لالتقاط النَفَس في هذا العالم المتعجل والمزدحم، فأنا أشاهد الأفلام والمسلسلات على تطبيق نتفليكس (تصبيرة الجماهير في ظل الحجر) وأقضي وقتاً أطول مع زوجي نتحدث كثيراً ونطبخ معاً، ونبني الأحلام أيضاً ونقدر الأيام الماضية ونعيد فهم المعاني؛ فما كان يوماً عادياً في الماضي هو اليوم مثال بسيط على الأمن والحرية".

تضيف، "لدي فرصة أيضا للقراءة والمطالعة الحرة، واخترت من بين الكتب الكثيرة حولي كتاب "تجربة الألم" لأن مرحلة العملية الجراحية كانت مؤلمة، جسدياً ومعنوياً، وأردت فهم ما يجري وما سيحدث وكيف سيؤثر الألم الذي مررت به على حياتي المقبلة".

وقف الجشع

ومن ضمن الجوانب المضيئة في تجربتها تؤكد، "تمكنت من توفير المال الذي كنت أهدره في المراكز التجارية التي جاء إغلاقها في صالح الناس وتوفير بعض المال ولجم جشع الرأسمالية التي نشبع نهمها طواعية بأيدينا".

فرصة لتغيير المستقبل

وكغيرها، تتمنى أفنان "انقشاع هذه الغيمة المشؤومة سريعاً لتعود الحياة لطبيعتها ويعود الناس لأعمالهم وحياتهم، وأن يستيقظ العالم والمسؤولون ليركزوا على أهمية الأنظمة الصحية وليس الدفاعية وتصنيع الأسلحة فالطبيعة إن غضبت علينا لن تجابهها أسلحتهم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

شكراً لهذا البلد

مساعد علي، الذي يعمل في شركة سيراميك، في مدينة حائل، قال إنه يقضي جل وقته بين مراجعة حسابات الشركة التي يعمل فيها والأكل ومطالعة "السوشيال ميديا". وعلى الرغم من عشقه الكبير للأكل، فإنه لا يحبذ الطبخ، ولهذا فهو يستعين بعدد من التطبيقات الإلكترونية لطلب الوجبات التي يفضلها في حال سريان وقت الحظر المنزلي.

هواجس الحنين

وكحال الملايين غيره ممن يكتوون بنيران الحنين للوطن ومرابع الطفولة والصبا، لم يخف صوت مساعد قلقه على أسرته ووطنه في ظل المخاوف من انتشار الوباء في اليمن. وكشف عن أن حنينه لطفلته وخشيته عليها وعلى باقي أسرته، يشكل هاجس قلق كبير في تفكيره اليومي خصوصاً واليمن يعاني وضعاً صحياً منهاراً.

مساعد أثنى على حكومة السعودية التي قال إنها لم تقصر قط في توفير كافة متطلبات من يعيش على ترابها، سواء المواطن أو المقيم على حد سواء، وهذا خفف عنا الكثير من عناء الغربة التي وصفت قديما بأنها كربة.

الغربة أفضل من الوطن

تقول الباحثة الاجتماعية اليمنية عبير بدر، المقيمة في لبنان، إن الكثير من اليمنيين يؤثرون البقاء في دول الاغتراب وتحمل معاناة الحظر وتفشي الوباء والاشتياق، على العودة للوطن في الوقت الحالي.

وعن سبب ذلك توضح، "اليمنيون في لبنان، على سبيل المثال، متعاونون ويتمتعون بعلاقات طيبة فيما بينهم، فمن ناحية يتمتعون بالأمن والخدمات، كالماء والكهرباء والإنترنت، والحالة الاقتصادية والنفسية في اليمن لن تكون أفضل من حالنا في الغربة، على الأقل في الوقت الراهن".

رعب الفيروس

وعن هواجس الغربة في ظل تفشي الفيروس القاتل، تتابع "فكرة وصول كورونا لليمن فكرة مرعبة، فاليمني يدرك أنه إذا أصيب هنا (في الغربة) فالنظام الصحي متيقظ وربما يتولى أمر علاجه، على العكس من ذلك بالنسبة لليمن الذي لا يوجد به نظام صحي ولا إمكانيات لمواجهة هذا الغول الذي فتك بالكثير".

العودة للمهجور

 اليمني بطبيعته عنده قدرة على التكيف والتأقلم مع المتغيرات. لهذا فقد استغلينا فترة حظر التجول بقراءة الكتب التي هجرناها منذ زمن مع عدم إغفال المذاكرة والبحوث العلمية إضافة لإعطاء وقت لمواقع التواصل الاجتماعي التي نهرب لها بعد ساعات اليوم المملة والمضنية.

وتختتم حياة الإنسان بكل ما فيها من تخطيط ونظام وغيره رهن بالصدف. في السابق كانت الحرب سبب بدمار أصابنا نفسياً ومادياً. واليوم تعلمت أنه ليس بالضرورة يكون الشيء عظيماً ليغير حياتك، فقد يحدث هذا من عارض أو أمر تافه".