Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هلع اللبنانيين لاقتناء أجهزة التنفس... هل من مبرر؟

البلاد ترزح تحت وطأة أزمة اقتصادية فاقمت مشكلة الشح في المستلزمات الطبية

أحد المصابين بفيروس كورونا داخل غرفة عزل في إحدى مستشفيات العاصمة اللبنانية بيروت (أ.ف.ب)

تُعتبر مخاوف الأفراد وهواجسهم مع انتشار فيروس كورونا حول العالم مبرّرة، خصوصاً في لبنان الذي يرزح أصلاً تحت أزمة اقتصادية خانقة. فإذا كانت الدول الكبرى عاجزة اليوم عن التعامل مع الفيروس التاجي الذي تخطّى عدد الإصابات فيه حول العالم المليون وحصد آلاف الأرواح، وتواجه مشكلة النقص في المستلزمات الطبية الخاصة للوقاية، فكيف بالأحرى لبنان الذي يعاني مشاكل عدّة ناتجة من الوضع الاقتصادي المتردي، منها النقص في المستلزمات الطبية. الوضع هنا لا يوحي بالثقة، فمن الطبيعي أن تزداد المخاوف مع انتشار الفيروس، لكن عندما تتجه الأمور إلى الهلع والتصرفات التي لا أساس علمياً لها والتي فُقدت السيطرة عليها، لا يعود التبرير ممكناً. ففي ظل الظروف المرافقة لانتشار الفيروس بشكل واسع وفقدان السيطرة عليه، يهرع اللبنانيون اليوم لاقتناء أجهزة التنفس وحفظها في منازلهم خوفاً من فقدانها وعدم القدرة على تأمينها عند الحاجة إليها. فهل هناك ما يبرّر هذا التصرف في الواقع من النواحي الطبية والعلمية؟

الشهر الماضي تجلّت الصورة القاتمة وبلغت الأمور في بعض الدول الأوروبية، خصوصاً إيطاليا وإسبانيا، حدّاً خطيراً عندما فقدت السيطرة تماماً على الوضع، وبات من الصعب توفير الأسرّة للمرضى. وأكثر بعد، بلغت الأمور حد الاختيار بين المرضى لتأمين أجهزة التنفس بحسب الأولويات. وفي ظل هذه الصورة المأساوية، تزايدت المخاوف، بخاصة أن اللبنانيين توقعوا أن تكون الأمور أسوأ بعد في بلدهم الذي يعاني من الضيق.

حالة هلع

استناداً إلى ذلك، هرع كثر لاقتناء أجهزة التنفس والأكسجين، علّهم يحتاجون إليها في أحد الأيام إذا أصابتهم عدوى الفيروس، خوفاً من ألّا تعود متوافرة في البلاد، عندها سيجدون أنفسهم في مواجهة الموت المحتم، بغض النظر عمّا إذا كانت هناك حاجة تستند إلى أساس علمي لتصرفهم هذا. وبحسب رامي أنطونيوس من إحدى الشركات التي تبيع أجهزة التنفس، فقد زاد الطلب في الأيام الأخيرة وبشكل ملحوظ، على الأكسجين الذي لم يعد متوافراً في البلد، علماً أنه قد لا يفيد إلّا في المرحلة الأولى في المنزل، أما بعدها في حال زيادة ضيق النفس، فلا بد من اللجوء إلى المستشفى وجهاز التنفس. وأشار إلى أنّ الآلات الخاصة بالتنفس المتوافرة للمنازل لا تفيد في الحالات المتقدمة من كورونا، بينما يستحيل تشغيل جهاز التنفس الـrespirator إلّا بوجود طبيب في المستشفى. بالتالي، لا جدوى من اقتنائه في المنزل أيّاً كانت الظروف، مع الإشارة إلى أنّ هذا النوع من الأجهزة لم يعد متوافراً في الشركات في لبنان، لا بسبب انتشار المرض، بل بسبب أزمة المصارف.

"ثمة أجهزة يهرع الأشخاص لشرائها بطريقة عشوائية، وتبيعها بعض الشركات من دون أن يكون لها جدوى للمصابين بالفيروس، علماً أنّ الدولة اللبنانية كانت قد أكدت أنها ستطلب أجهزة تنفس لكنّ القرار لم يصدر بعد، على الرغم من أنّ استيراد الأجهزة يستدعي فترة طويلة من الانتظار ولا يمكن تأمينها سريعاً، خصوصاً أنّ ألمانيا خفّضت صادراتها من الأجهزة إلى حدّ كبير لحاجتها إليها"، على حد قول أنطونيوس.

وأوضح أنّ سعر الجهاز يتراوح بين سبعة وعشرة آلاف دولار، وثمة أجهزة متطورة أكثر بعد ويرتفع ثمنها عندها إلى حد كبير، وقد لا يستطيع كثر شراءها. أما الأكسجين، فسعره 1200 دولار تقريباً.

وصفة طبيب

في السياق ذاته، تحدث ميشال كركي من شركة أخرى، عن زيادة الطلب الملحوظ على الأجهزة المخصصة للمنازل، مشيراً إلى أنه ثمة فارق ما بين هذا النوع من الأجهزة وتلك التي في المستشفيات. وقال "في كل الحالات، نحن نحرص على عدم بيع أجهزة التنفس إلّا بوجود ورقة من الطبيب، فلا يجري البيع بطريقة عشوائية، مع الإشارة إلى أنه لا بد من وجود ممرض خاص لجهاز التنفس ولا يمكن تشغيله بغير ذلك". ولفت إلى أن معظم الذين هرعوا اليوم لطلب هذه الأجهزة هم من الفئات التي تُعتبر أكثر عرضة لمضاعفات فيروس كورونا، كالمسنين والذين يعانون أمراضاً رئوية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعن الزيادة غير المسبوقة في الطلب على أجهزة التنفس التي يسعى اللبنانيون إلى حفظها في منازلهم لـ"وقت الضيق"، تحدث أيضاً جورج دباس الذي يجد حالة الهلع التي أصابت هؤلاء مع انتشار الفيروس غير مبرّرة، خصوصاً أن الأكسجين في المنزل لا يفيد في الحالات المتقدمة، قائلاً "الأكسجين لا يفيد إلّا في المراحل الأولى، ومع تقدم الحالة ما من جدوى في استخدامه، بل ثمة حاجة إلى المستشفى وإلى جهاز التنفس". لكن لا ينكر أن وجود الجهاز في المنزل يعطي نوعاً من الثقة في المراحل الأولى، خصوصاً لمن يعاني مشاكل في القلب أو الرئتين. "في كل الحالات، نحن حريصون على طلب وصفة طبيب تبرّر اقتناء الجهاز، فنحن لا نؤمّنه عشوائياً".

معايير أخلاقية

ومن المستغرب ألّا يلتزم الجميع بمعايير ومبادئ أخلاقية من خلال الحصول على وصفة طبيب، ويفضّلون الاستفادة من حالة الهلع التي تصيب اللبنانيين في هذه المرحلة لتحقيق مكاسب مالية.

في هذا الخصوص، أوضحت نقيبة مستوردي المستلزمات الطبية سلمى عاصي في حديث لـ "اندبندنت عربية"، قائلةً إن كثيرين يلتزمون البيع وفق وصفة طبية، لكن تصعب مراقبة وملاحقة من لا يفعل، "لا ننصح بشراء الـVENTILATOR للمنزل، فلا يمكن استخدامه من دون متابعة طبية، وأي خطأ في استعماله يمكن أن يتسبّب بنقل العدوى إلى الآخرين في المنزل. نحن نعلم جيداً أنّ شركات كثيرة تستغلّ الوضع وتبيع من دون وصفة طبية. لا يمكن أن ننكر أننا واقعون في معضلة نقص أجهزة التنفس، خصوصاً نتيجة الأزمة التي نغرق فيها في لبنان. والأمر ينطبق طبعاً على المستلزمات الخاصة للحماية. وقد زاد الوضع سوءاً اليوم مع زيادة الطلب عليها على صعيد عالمي. نحن نحرص على التواصل مع الوزارة لكنّ الأمور صعبة. في ما يتعلق بأجهزة التنفس، ثمة أزمة عالمية ونحن نستورد من ألمانيا والولايات المتحدة الأميركية، لكن هاتين الدولتين لم تعودا قادرتين على التصدير لنا، واتُّخذ القرار في ألمانيا لتصنيع جهازين من ثلاثة للاستخدام المحلي. هذا ما يقلق الجميع بشكل خاص، لكنّ هذا الهلع والتوجه إلى شراء أجهزة التنفس غير مبرّر".

أما بالنسبة إلى أجهزة التنفس المنتجة محلياً وللمرة الأولى في لبنان، التي ثمة جهات عدّة تعمل عليها وتدعمها، فلا تثق عاصي  بأنّها قد تعوّض عن الاستيراد، خصوصاً أنها لا تزال قيد الاختبار ولم تُجرّب بعد على المرضى ولا يمكن الوثوق بأنها قد تنجح عندها.

الرأي الطبي

وفي ظل مخاوف اللبنانيين وقلة الثقة نتيجة الانتشار الواسع للفيروس القاتل وعدم قدرة معظم الدول عل السيطرة عليه، أكد الطبيب الاختصاصي في أمراض الرئة في المركز الطبي للجامعة اللبنانية الأميركية خليل دياب، أنه بنسبة 80 في المئة يشعر المصابون بفيروس كورونا المستجد بأعراض بسيطة، وبنسبة 20 في المئة من الحالات، تتطلّب الإصابة دخول المستشفى، في حين تكون هناك حاجة إلى العناية الفائقة بنسبة 5 في المئة من الحالات، و2.5 في المئة من الحالات فقط تحتاج إلى جهاز تنفس. بالتالي، لا يحتاج كل المصابين إلى جهاز تنفس كما يعتقد البعض. وكشف عن وجود أنواع عدّة من الأجهزة، منها الـMechanical Ventilator وهو عبارة عن أنبوب يوضع في الفم وصولاً إلى القصبات الهوائية. وهذا لا جدوى من شرائه.

أجهزة متنوعة

كما ميّز دياب ما بين الـCPAP والـBiPAP، مؤكداً أنهما يساعدان في التنفس، لكن بمجرد وصول المريض إلى مرحلة ضيق النفس، فهذا يعني أنه من الضروري أن يكون في المستشفى ولا يمكنه البقاء في المنزل، وإلّا سيكون وضعه خطيراً وتتراجع الحالة عندها سريعاً بشكل يصبح من الصعب السيطرة عليها. وقد يساعد الأكسجين في مرحلة أولى لمن يعاني مشاكل في التنفس، لكن الأفضل هو الـVentilator BiPap. ولا ينكر دياب أنه في أسوأ الظروف، وفي حال حصل شحّ في أجهزة التنفس، حينها ممكن لمن يعاني مشاكل صحية وأمراض مزمنة، أن يحضر الجهاز معه إلى المستشفى. لكنه يستبعد نظراً إلى عدد الحالات المنخفض نسبياً، أن نصل إلى مرحلة لا تعود فيها أجهزة التنفس متوافرة للمرضى في المستشفيات. وأوضح أنه يتوافر حالياً 500 أو 600 respirators ويجب أن يتخطّى عدد الإصابات العشرة آلاف حتى تزيد الحاجة عن معدل الأجهزة المتوافرة. بالتالي، فليطمئن الجميع إلى أنه من المستبعد بلوغ هذه المعدلات المرتفعة في لبنان. وشرح أنّه ثمة أنواع عدّة من أجهزة التنفس في المستشفيات، لكنها متشابهة تقريباً في فاعليتها. "تساعد الأجهزة كافة المريض ورئتيه في التنفس بتأمين الأكسجين حتى يتمكّن من محاربة الفيروس والقضاء عليه بفضل مناعته. فتعمل الأجهزة بهذه الطريقة عامةً، في حين تتوافر الأدوية التي تساعد أيضاً في محاربة الفيروس. ما من داعٍ للهلع الحاصل بشأن أجهزة التنفس لأنّ هذا يزيد الضغوط، ومن الواضح أنّ الأمور تحت السيطرة في لبنان"، على حد قوله.

المزيد من صحة