Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بوتين "العظيم" غير وجه روسيا والعالم في عشرين سنة

شرح عن الوصايا العشر التي استرشد بها القيصر في حكمه

لم يتأخر الرئيس فلاديمير بوتين في توظيف جائحة كورونا لتعزيز صورته كبطل مخلص لروسيا وتظهره الصورة أثناء زيارة مستشفى في موسكو... من دون كمامة! (أ.ف.ب.)

يعتبر فلاديمير بوتين من دون منازع أحد أهمّ قادة العالم وأكثرهم تأثيراً منذ رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل.

ولو فكرنا قليلاً لوجدنا الأمر ملفت بالنّسبة إلى رجلٍ لم يكن يملك طموحات سياسيّة من أيّ نوع. صدّقوا أو لا تصدّقوا، لولا تنحّي بوريس يلتسين المريض واليائس واختياره بوتين خلفاً قادراً على الحفاظ على سلطته وضمان الحصانة لعائلته، أو لو عيّن يلتسين ببساطة أحداً سواه، لكان تاريخ روسيا قد اختلف كثيراً عمّا هو عليه الآن.

فعندما تبوّأ فلاديمير رئاسة الحكومة في التّاسع عشر من أغسطس (آب) 1999، بدا سياسياً مغموراً بتصنيفٍ إنتخابي لا يتخطّى الـ1%. ولقد افترض غالبية الرّوس أنّه سيسلك سريعاً الطّريق الذي أراد له يلتسن السير فيه، بل سيُستبدل في غمار الأزمة التي قد تتفجّر في أيّ لحظة، مع اندلاع حرب أهلية في شمال القوقاز وتهديد مناطق اخرى بالانفصال.

المفارقة أنه على عكس التّوقعات جميعها، لا يزال بوتين رابضاً في عرينه منذ عشرين عاماً. وعلى مدار عقدين من الزّمن، نجح البيروقراطي الشّاب الآتي من "جهاز استخبارات الاتّحاد السّوفياتي" ("كيه جي بي" KGB) في مدينة "سان بطرسبرغ" في ترك بصمته على معظم جوانب الحياة في روسيا.

 

أنا هو الآمر الناهي 

ثمة فارق بين مشهد اليوم ومشهد الأمس المشوّش الذي دعا فيه يلتسن بوتين صاحب الـ46 ربيعاً إلى مكتبه للمرّة الأولى، يفوق كثيراً مجرد الموضة والأزياء. فمع تولّي بوتين دفّة القيادة، انقلب النّظام السّياسي في روسيا رأساً على عقب. وفي المقابل، ظلّت النّزعة الاستبداديّة المتنامية المسار الثّابت الذي لا يُمكن إنكاره.

لقد أمضى بوتين معظم السنوات الأولى من حكمه، في أعادة بناء "سلطة عامودية" تُهيمن على الصّلاحيات التّنفيذية والأقاليم، بالتّزامن مع حركة مؤسسيّة سوفياتية إنتقاميّة ورقابة مضاعفة على الاقتصاد وأجهزة استخباراتيّة محوريّة.

وبالنّتيجة، انبثق عن فترة حكمه توجّهان أيديولوجيّان واضحان.

أوّلهما الشعبويّة الموالية للغرب. وفي إطارها، وقفت روسيا على الحياد من "منظمة حلف شمال الأطلسي" واتخذت موقفاً مؤيّداً للولايات المتحدة وتبنّت سياسات إصلاحية في السوق الحرة في الدّاخل. واستمرّت هذه المرحلة البوتينية لغاية 2006-2007 تقريباً.

وتجسّد ثاني التّوجهين في "السيادة"، بدءاً من اعتناق "الديمقراطية السّيادية" التي استحدثها المساعد الرّئاسي المؤثّر فلاديسلاف سوركوف وأراد من خلالها الإيذان ببدء تحوّل روسيا عن الغرب، مروراً بانتقاد بوتين اللاذع للسياسات الأمنية العالمية خلال "مؤتمر ميونيخ للأمن" في 2007، وصولاً إلى قرار ضمّ شبه جزيرة القرم المثير للجدل وقرار شنّ الحرب على أوكرانيا في 2014، وما أعقبهما من مفاهيم جديدة على رأسها العزلة والاقتصاد السّيادي.

وفي هذا السّياق، يرى غليب بافلوفسكي، مستشار سياسي عمل في الكرملين في السنوات الـ12 الأولى من حكم بوتين، أنّه "في غضون 20 عاماً، تتالى على رئاسة أميركا الرؤساء كلينتون وبوش الابن وأوباما وترمب، وامتلك لدى كلّ واحدٍ منهم رؤية سياسية مختلفة".  

ويضيف، "يعتقد الناس أنّ رئيساً واحداً يعني سياسة حكم واحدة. لكن الحقيقة غير ذلك تماماً. إذ تختلف ولاية بوتين الأولى كليّاً عن ولايته الحالية".

 

لا تعتبر نفسك أعلى مرتبة من الآخرين

غيّرت روسيا بوتين مثلما غيّرها أيضاً.

 في بداياته، لم يكن بوتين مستعداً للظهور على الشاشة الكبيرة، وكانت إدارته قلقة جداً من نظرة الشعب له. إذ لم يلعب دوراً سياسياً منظوراً من قبل ولم يعتد على الأضواء. تصوّروا أنّه استمرّ فترةً طويلة يواجه صعوبةً في إيجاد بذّةٍ تناسبه!

"في كلّ مرة يجلس فيها، تعلو سترته من الخلف"، يروي بافلوفسكي مستذكراً.

استغرق بوتين سنوات ليتمكن من فرض نفسه على السّاحة السياسية في روسيا ويتحوّل من رجل سياسة إلى أيقونة. نعم هذا صحيح، بوتين اليوم أيقونة. وثمة قمصان وأكواب وسكاكين وساعات ورزنامات وسراويل داخلية ممهورة بصورته وبعبارات إطراء، على شاكلة "مدير الأزمات القادر على كلّ شيء" و"بطل الهِمَمَ" و"المدافع الشرس عن الأمة".

وعلى الرّغم من تضاؤل شعبية كلّ من عمل تحت أمرته تقريباً، ما زالت صورة بوتين، الرّجل القوي، راسخة في وجدان الشّعب الرّوسي.

كيف لا وعهده لم يشهد سوى ثلاثة اضطرابات خطيرة. ونعني بذلك ردود الفعل السّلبية إزاء الإصلاحات التي طاولت الخدمات الاجتماعية في 2005، النّقمة الشّعبية التي أعقبت تزوير الإنتخابات البرلمانية في 2011، ومعارضة 9 من 10 أشخاص مشروع إصلاح نظام المعاشات التّقاعدية العام الفائت.

وعلى الرّغم من كلّ شيء، يستمرّ بوتين في كونه أكثر رجال السّياسة شعبيةً بأغلبية ساحقة في روسيا، بل لا يتجاوز معارضوه الـ20%.

ويُنبّه خبير استطلاعات الرأي المخضرم ليف غودكوف إلى حقيقة أنّ هذه النّسبة لا تدلّ على الحبّ ولا تدعو إلى البهجة. إذ يُبدي الروس رصانة في تقييمهم بوتين ويعون تماماً أنّه يمثّل مصالح الأوليغارشيين والجيش والأجهزة الأمنية ولا يترك مجال للمعارضة. "وهذا لا يولّد لا محبة ولا تعاطف"، على حدّ تعبير غودكوف.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

لا تقسم بالباطل

حين وصل فلاديمير بوتين إلى سدّة الحكم، بدت إمكانية إرساء ديمقراطية ليبرالية، محدودة فعلاً. إذ شكّلت السّنوات العشرة الأولى التي تلت انهيار الاتحاد السّوفياتي فرصةً مذهلة بالنسبة إلى بعض الروس، لكن ليس لأغلبيّتهم السّاحقة التي أمضت تلك الفترة في بذل جهودٍ دؤوبة من أجل البقاء.

والحال أن بوريس يلتسن أول من مهّد الطّريق أمام تقويض الحريات بإعادته السّلطة التنفيذية إلى الأجهزة الأمنية وتسليمه رئاسة الحكومة إلى مديرها، فلاديمير بوتين الذي لم يتردد في السير على خطاه وصولاً إلى تحقيق السيطرة الكاملة على المجتمع المدني وحقوق الإنسان.

وفي منتصف أوائل القرن الحالي، دأب بوتين على تعديل حقوق التجمّعات العامة في روسيا، حتى بات إجراؤها يتطلّب الاستحصال على أذونات مسبقة من السّلطات.

وتتالت القيود التي فرضها بوتين ونظامه على الشعب الرّوسي لتبلغ درجة العبثيّة والحكم بالسّجن على كلّ من تسوّل له نفسه نشر القصص في صفحته على "فيسبوك". وفي 2018، فُرضت غرامة على نجّار عاطل عن العمل لنعته بوتين بـ"الوغد الحالم"، وذلك من طريق تفعيل قانون جديد يحظّر الإساءة إلى المسؤولين عبر الإنترنت.

من جهة اخرى، لم يُقابَل بطش بوتين بالمعارضة، مقاومة تذكر. إذ نمّت الاضطرابات التي ابتليت بها الأمة الروسية في تسعينيات القرن الماضي، تعطّشها للنظام والقبضة القوية والاستقرار، وأوصلتها إلى حدّ تقديم التنازلات مقابل تحسين أوضاعها المعيشية.

ومع الارتفاع التّاريخي لأسعار النّفط، تمكّن بوتين من الإيفاء بتعهداته في تلك الصفقة، ليُنهي ولايته الثّانية كأحد أعظم قادة روسيا وأكثرهم نجاحاً.

 

تذكّر يوم السّبت

لو أراد بوتين تعديل الدّستور للبقاء في سدّة الرئاسة، لاستطاع ذلك من دون مقاومة وبدعمٍ من الأكثرية. لكنّه أراد خوض تجربة جديدة واختيار خلفٍ له. وفي عام 2008، صار رئيساً للوزراء، تاركاً منصب الرّئاسة في عهدة ديمتري ميدفيديف.

آنذاك، كان قسطنطين غايز مستشاراً في وزارة الزّراعة، ويتذكّر جيداً كيف شعرت الحكومة بالبهجة لإنجازها للمرّة الأولى "مشروعاً هائلاً" متمثلاً بنقل السّلطة الرّئاسية من شخصٍ إلى آخر من دون وفاة أحدهم أو وقوع حالة طوارئ.

"ولمّا حدثت النّقلة النّوعية، شعرتُ كأنّها انتصار ديمقراطي قويّ وجميل. الحقيقة أننا فكرنا جميعاً بأننا لامعون وعلى عتبة حقبةٍ مختلفة، والأمور من تلك اللحظة فصاعداً ستكون مجرّد روتين"، يذكر غايز.

لكننا كنّا مخطئين؛ وفي وقتٍ قصير، تحوّلت حقبة ميدفيديف إلى انتكاسةٍ ديمقراطية بكلّ ما للعبارة من معنى. كيف ذلك؟ بُعيد انتخاب ميدفيديف رئيساً، حلّت بروسيا أزمة اقتصادية سرعان ما أدّت إلى اضطراباتٍ سياسية ومظاهرات حاشدة. وكانت النّتيجة أن تحوّل بعض أفراد النّخبة الحاكمة إلى معسكر ميدفيديف، الأمر الذي هال بوتين وجعله يندم على قراره تسليم مقاليد الحكم.

"على مدى عام ونصف العام، تحلّى بوتين بروح الفريق. لكن بحلول 2010، بدأ يُقاتل بشراسة من أجل العودة إلى السلطة"، يُخبر غايز.

وشكّلت عودته إلى الرّئاسة في 2012 إنجازاً شخصياً أراد من خلاله التّعويض عن الوقت الذي أمضاه بعيداً عن العرش، وقد تلقّن درساً قاسياً في مخاطر تسليم مقاليد الحكم. وأمضى معظم السنوات اللاحقة من ولايته يحاول عكس مسار كلّ مشروع أو قانون نفّذه ميدفيديف.

 

أكرم أباك وأمك

سعى الرّئيس ميدفيديف إلى التّواصل مع النّخبة الليبرالية والطّبقات المبدعة في روسيا، واستخدم لتلك الغاية "تويتر" وقناة "دوزهد" (Dozhd TV) التّلفزيونية المعارضة. ولمّا عاد بوتين إلى الرّئاسة، اتّخذت السياسة الرّوسية الدّاخلية مساراً معاكساً تماماً.

برأي تاتيانا ستانوفايا، وهي زميلة غير مقيمة في "مركز كارنيغي في موسكو"، لقد "أدرك بوتين ضرورة حشد الجماهير من حوله".

ووفق كلماته، "ولهذا السبب، سعى بوتين إلى إنشاء روابط جديدة مع من اعتبرهم الأكثرية الدّيمقراطية. وشكّل ذلك مرّة أولى نسمع فيها نقاشاتٍ حول الأسس الرّوحيّة للأمّة والقيم العائلية والموجة الوطنية التي أفضت في ما بعد إلى الاستيلاء على القرم".

ومنذ أواخر 2011، سلك بوتين نهجاً "أخلاقياً". إذ روّج لثقافة العيش الصّحي وفرض القيود على المحتوى الإباحي في شبكة الإنترنت. وفي 2013، استحدث "المادة 28" المثيرة للجدل ضدّ ما يُسمّى بـ"الدّعاية للعلاقات غير التقليدية" بين القاصرين. وجاءت النتائج غير مفاجئة. إذ تصاعد عدد جرائم الكراهية وعدم التّحقيق فيها إلا نادراً.

وفي [جمهورية] الشيشان، تعرّض مئات الرّجال المثليين للتعذيب، وقُتل ثلاثة منهم على الأقل، في إطار موجتي مذابح وُجّهت ضدّهم.

ومع هذا كلّه، لم تُحرّك الكنسية الأورثوذوكسية ساكناً، بل أعربت عن دعمها وتأييدها للنهج المحافظ الجديد، مع تلقيب البطريرك كيريل بوتين بـ"أعجوبة الخالق".

في المقابل، لم يكن ذلك رأي الجميع في ذلك النّهج. وفي مارس (آذار) 2012، بادرت أربع ناشطات نسويات إلى تقديم "عرضٍ موسيقيّ من نوع البانك" في كاتدرائية المُخلّص في موسكو احتجاجاً. وجاء ردّ الكرملين على تحرّكهنّ عنيفاً، إذ أرسلهنّ كلهن إلى مستعمرةٍ عقابيّة.

وفي هذا الصّدد، ترى ماريا أليوخينا، إحدى أعضاء فرقة "بوسي ريوت"  Pussy Riot وممن صدر ضدهن حكم بالسّجن، أن "بوتين كان ضابطاً في "جهاز الاستخبارات السّوفياتي" الذي دمّر الكنسية وأردى الكهنة وأجهز على المؤمنين في المخيّمات. كيف عساها [الكنيسة] تقول لنا الآن إنّ استيلاء هذا الجهاز على روسيا ومقدّراتها يشكّل أمراً عظيماً؟ هذا، برأيي، أمر في غاية الهزل، وأشبه بإثناء الحاخام الأكبر على هتلر".

 

لا تقتل

اعتاد [القيصر الروسي] إيفان العظيم استخدام رؤوس الكلاب المقطوعة في كشف الخونة. أما بوتين، فلجأ ويلجأ إلى أساليب أكثر تطوراً لتتبّع أخبار الأعداء ورصد تحرّكاتهم، مع الحفاظ على أدوات الموت والتّعذيب نفسها.

وشكّلت جريمة قتل ألكسندر ليتفينينكو في نوفمبر (تشرين الثاني) 2006، نقطة تحوّل مهمة في رئاسة بوتين، مع ذيوع خبر وفاة الجاسوس الرّوسي السّابق مسموماً بمادة "بولونيوم 210" المشعة في شتّى أنحاء العالم.

وحاضراً، بعد مرور عشر سنوات على الواقعة، يؤكّد تحقيق بريطاني أنّ مقتل ليتفينينكو على يد عميلين روسيين جرى بعلمٍ من بوتين نفسه. وهذا بالفعل ما حاول المغدور تبيانه قبل وفاته.

في أوقات سابقة، شكّلت تلك العمليات الجانب المظلم للسلطة ومسألة لا بدّ من التكتّم عليها، أما الآن، فلم يعد الكرملين على القدر نفسه من التحفّظ وصار الموت أداة انتقام علنيّة.

تاتيانا ستانوفايا، "مركز كارنيغي في موسكو"

ولا يُعتبر القتل المتعمّد على أراضٍ أجنبية أمراً جديداً على بوتين. إذ قُتل قائد الثورة الشيشانية سليم خان يانداربييف في قطر قبل عامين. ويتمثّل المختلف بين مقتل هذا الأخير وعملية ليتفينينكو في أسلوب التنفيذ ومكانه. إذ نُفّذت جريمة ليتفينينكو في شوارع العاصمة البريطانية لتكون بمثابة بداية جديدة للقوات السّرية الرّوسية.

وبحلول 2008، بلغ التعطّش على المخاطرة مستويات جديدة مع فشل محاولة تسميم العميل المزدوج سيرجي سكريبال بغاز الأعصاب في بلدة "ساليزبري" البريطانية. ومرّة اخرى، وُجّهت أصابع الاتهام نحو موسكو بعد بروز أدلّة مقنعة تُدين ضابطين في المخابرات العسكرية الروسية وتفضح مئات آخرين من المشتبه فيهم.

"في فترة حكمه، تعلّم بوتين التّعامل مع عمليات القتل والاغتيال ببرودة شديدة. وفي أوقات سابقة، شكّلت تلك العمليات الجانب المظلم للسلطة ومسألة لا بدّ من التكتّم عليها. أما الآن، فلم يعد الكرملين على القدر نفسه من التحفّظ، وصار الموت أداة انتقام علنيّة"، وفق ما تؤكّده تاتيانا ستانوفايا من "مركز كارنيغي في موسكو".

 

لا تزنِ

على ضوء عملية "سالزبري" الفاشلة، اتّضح للعلن أنّ المهارة ليست خاصية أساسية في نظام بوتين، بل غالباً ما يحظى الولاء بقيمةٍ أكبر منها.

وخلال عشرين عاماً، رقّى بوتين كلّ من حاز على ثقته وعيّن أربعة من حراسه الشّخصيين، محافظين مناطقيين، ومنح الجهاز الأمني دوراً مميزاً على حساب السّياسة الدّاخلية.

وتعليقاً على تلك المسألة، يقول الكاتب والخبير الأمني أندريه سولداتوف، "بُعيد استلام بوتين الحكم، غدا زملاؤه السّابقين في الاستخبارات طبقة "النبلاء الجدد". وبعد مرور بعض الوقت، عَلَتْ مكانة الجيش والاستخبارات العسكرية".

ويردف سولداتوف، "في الوقت الرّاهن، تضطلع وكالة الأمن الرئيسة في روسيا بالدور الذي أدّاه "جهاز الاستخبارات" في الاتحاد السّوفياتي السابق. إذ تبسط سيطرتها على المجتمع عِبْرَ هوس التّجسس، وكذلك تفعل مع النخبة عِبْرَ إجراءات قمعيّة موجّهة". واستطراداً، يؤدي الجيش دوراً أكثر استقلالية، أو بالأحرى دوراً أكثر شؤماً".

وقد شعر بثقل هذا الدّور كلّ من خرق قوانين الولاء غير المكتوبة.

وفي فبراير (شباط) 2003، تجرّأ رجل الملياردير ميخائيل خودوركوفسكي، الرّجل الأكثر ثراءً في روسيا آنذاك، على انتقاد سياسات الكرملين إزاء الفساد، خلال اجتماعٍ متلفز مع الرئيس. وبحلول نهاية العام، أُلقي القبض على خودوركوفسكي. وبعدها بعام، جُرّد من أهم أصوله في انتاج النفط.

وجاءت هذه العملية في إطار حرب النّظام الحاكم على الأوليغارشيين، وهم مجموعة من الرجال الذين حقّقوا سلطة سياسية غير مسبوقة في عهد يلتسين. بطريقةٍ أو باخرى، أُجبر على مغادرة السّاحة السياسية كلّ من أبى التخلّي عنها طوعاّ، ونذكر من بين هؤلاء بوريس بيريزوفسكي الذي عُثر عليه ميتاً في منزله في بريطانيا 2013.

وبالتّوازي مع سقوط النّخبة الأوليغارشية القديمة، برزت نخبة جديدة، وصادف أنّ أكثرية أفرادها على علاقة وطيدة مع الرّجل الأبرز في روسيا.

 

لا تسرق

من بين الإنجازات التي لا يمكن إنكارها لسنوات حكم بوتين، يبرز التراجع الكبير في مستوى الفقر المدقع. وقد تحقّق هذا الإنجاز بفضل ارتفاعٍ تاريخي في أسعار النفط وأجندة إصلاحية مبكرة وسنوات عدّة من النمو. وبين عامي 1999 و2008، ارتفع إجمالي النّاتج المحلي الرّوسي بنسبة 94%. حينها، ظهرت أماكن غير قليلة يباع فيها الـ"كابوتشينو" بـ10 دولارات، ولم تكن من الأمور المستغربة!

بعدها، تحوّل الأداء الاقتصادي إلى خليطٍ متفاوت، مع معدل نمو 1% وآفاق أكثر تواضعاً. وإبان العام الفائت، ازداد مستوى الفقر من 13.9% إلى 14.3%.

وعلى الرّغم من كلّ الكلام والقيل والقال عن محاربة الفساد، لا يزال الفساد نقطة ضعف النّظام الروسي الحالي. والمفارقة أنّ الإصلاحات الشفافة في عهد ميدفيديف قد أعطت للصحافيين والمحققين الأدوات اللازمة لكشف عمق هذا الفساد ومدى انتشاره.

وبالنّسبة إلى تحقيقات السّياسي المعارض أليكسي نافالني بشأن الصّفقات المشبوهة للضباط المقرّبين من بوتين، بدءاً بميدفيديف نفسه وصولاً إلى شريكه لفترة طويلة إيغور سيشين، فقد أثارت موجة غضبٍ عارم. لكنّ تقاريره لم تؤثّر في الشّخصيات المعنية بها. وبدلاً من ذلك، وجد نافالني نفسه موضع تحقيقات جنائية وأحكام منتظمة بالسجن.

ووفق كلمات المستشار السّياسي غليب بافلوفسكي، "يُصبح الواحد منّا فاسداً بمجرّد انضمامه إلى دائرة بوتين. لا يهمّ إن كان بوتين نفسه فاسداً، فمعظم القرارات تأخذها بطانته... وبطانته فاسدة من أعلى الهرم حتى أسفله".

 

لا تشهد بالزّور

سلك الإعلام الرّوسي في الفترة الممتدة بين عامي 1999 و2019 مساراً تراجيدياً تخلله بعض النّجاحات والكثير من النّكسات.

ففي عهد بوتين، واجهت الوسائط الإعلامية حرباً شعواء لا هوادة فيها.

في البداية، انقضّ النّظام على القنوات التّلفزيونية الجماهيرية مستحوذاً على قناتي "أو أر تي" و"نيو تي في" المؤثرتين والمعروفتين بتقديمهما درجة متفاوتة من الإعلام النّقدي. وبعد ذلك، أجهز على الصّحافة المطبوعة وفي طليعتها الصّحف الشّعبية ونخبة صحف الفضائح، مرغماً الأوليغارشيين على شراء العناوين العريضة، واستخدام أصولهم وسيلةً يضغطون بها على قطاع الإعلام.

وبين عامي 2011 و2012، واجه الجمهور الروسي مستوى جديداً من الزّيف والتّضليل. ويصف الصّحافي الاستقصائي آلكسي كوفاليف تلك الفترة بنقطة "اللا عودة" التي أقلقته بدرجة دفعته إلى تأسيس موقع خاص به يُعنى بتقصّي الحقائق، وهو موقع "ذا نودل ريموفر"  The Noodle Remover. غالباً ما صيغت القصص الملفّقة بصورة غير منطقية ولكنها كثيراً ما كانت تتخفّى وسط الأخبار الصّحيحة. ويُمكن اعتبار عدد منها محض تحوير لروايات اليمين المتطرّف، كالإدّعاء مثلاً بأنّ دوريات الشريعة [الإسلامية] ناشطة في شوارع لندن.

ومع اندلاع العمليات العسكريّة في أوكرانيا عامي 2014 و2015، تخطّى الكرملين الحدود والحواجز كلها. إذ "شرعت الوسائل الإعلاميّة (التابعة له) في تحجيم معارضة بوتين باعتبارها نوعاً من عمل الجواسيس، مع الترويج المستمر لنظريات المؤامرة والأكاذيب، في كلّ لغات العالم تقريباً".

وعلى الرّغم من هذه الأوضاع القمعية، نجحت فلول الصّحافة المستقلّة في البقاء والاستمرار، لاسيما عبر الإنترنت التي ارتفع عدد مستخدميها من 2% إبان تولّي بوتين سدّة الرئاسة إلى 80% هذا العام. ولحسن الحظ انّ الكرملين لم يجد بعد استراتجية متناسقة لمواجهة التّحدي الرّقمي.

ويُعتبر نجم الصّحافة الرّوسية ليونيد بارفيونوف، أوّل ضحايا البطش الإعلامي في روسيا. إذ أطاحت المقابلة التي أجراها مع أرملة القائد الشيشاني المغتال في 2004، بمهنته كمذيع أخبار إلى اليوم الذي أطلق فيه برنامجه الإعلامي الخاص عبر "يوتيوب".

"لم أعمل لحساب قناةٍ تلفزيونية حكومية منذ 15 عاماً. لكنني اليوم أفضل حالاً من كل وقتٍ مضى. للمرة الأولى، تتسنّى لي فرصة أن أكون أنا نفسي، المنتج والمذيع والقناة. وهذا أمر مثير للغاية."، يُعلّق بارفينوف.

لا تشتهِ مقتنى غيرك

مع أنّ الدّعايات المروّجة لنجاح بوتين في الدّاخل الرّوسي لم تَعُد تؤتِ الثّمار المرجوّة منها، يستمرّ القسم الأكبر من الشّعب في تصديق الروايات المتعلّقة بإعادة توطيد دعائم الأمة لتكون "قوة عظمى".

وبحسب أندريه سولداتوف، في صفوف المعارضة الروسية قسم كبير يُوافق على خطة بوتين التّوسعية. ولا يشكّل ذلك التّناقض في المواقف شيئاً جديداً كلياً على روسيا المجبولة بالإمبريالية. ووفق كلماته، "إبان سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، أيّد عديد من المنشقين سياسة الكرملين في أوروبا الشّرقية، على الرغم من معارضتهم الشّديدة وشبه المطلقة للستالينية".

وهذا يعني بلغة التربية الوطنية أنّ النهج إياه سيستمرّ طويلاً. "فالشّعب وإن ضاق ذرعاً بما يحدث في أوكرانيا وسوريا، لن يقوى على تغيير الأمور الأساسية، مع عقليّته التي تعود إلى القرن التّاسع عشر"، وفق سولداتوف أيضاً.

والحقّ يُقال، سيتذكّر العالم روسيا بوتين بحروبها الدّموية في الشيشان وجورجيا وأوكرانيا وسوريا ومقاربتها المتهوّرة في ما يخصّ حياة المدنيين الذين يعيشون في تلك المناطق، وكذلك أثناء تحليقهم أحياناً في سمائها. سيتذكّر العالم روسيا عِبْرَ نفقاتها العسكرية التي ارتفعت بين 4.9 و16% سنوياً بين 2010 و2016، قبل أن تتراجع نسبياً.

في المقابل، لم تحمل دوماً السّياسة الخارجية أخباراً سيئة دوماً. وفي 2004، تمكّن الدّيبلوماسيون الرّوس من إخماد نزاعٍ دام قروناً طويلة من الزّمن بتوقيعهم على معاهدة سلام طال انتظارها.

ومع من وقّعوا هذه المعاهدة؟ قبائل الهنود الأصليّين في ألاسكا.

 

روسيا من دون بوتين

يبدو أنّ النّظام الحاكم في روسيا يواجه أزمة من نوعٍ ما، وهذا ما دلّت عليه تظاهرات صيف 2019 المطالبة بإجراء انتخابات حرّة  ونزيهة، نّاتجة عن السّياسات الفظة التي اعتُمدت منذ عودة بوتين إلى الرّئاسة.

وثمة سّؤال يطرح نفسه عند هذه النقطة عن مدى خطورة الوضع على بوتين، مع العلم أنّه لم يستخدم سوى جزء بسيط من الجهاز القمعي للكرملين. وثمة شك في رغبة نظامه ببذل جهد في التصدي للتحركات الاحتجاجية التي تكاد تقتصر على العاصمة، مع إمكانية بسط السيطرة بسهولة على المناطق الإقليمية.

ومن المؤكّد أنّ نزاعاً من نوعٍ ما يلوح في الأفق.

إذ تنتهي ولاية بوتين الثانية على التّوالي في 2024. وإذا لم يدأب على تغيير الدّستور، فإنه لن يتمكن من البقاء في سدّة الرئاسة [بعد ذلك التاريخ].

إلى اليوم، يكون بوتين قد مكث في السّلطة أكثر من [الرئيس السوفياتي السابق ليونيد بريجنيف الذي حكم البلاد قرابة 18 عاماً]، الأمر الذي سيزيد من صعوبة خروجه ويُفاقم إخفاقاته الهامشيّة [التي حدثت] بين عامي 2008 و2011. وحتى لو أراد الرّحيل، فإنّه سيواجه معارضة من قبل دائرة المقرّبين منه الذين يحتاجونه أكثر مما يحتاجهم.

وفي هذا الإطار، نُوقشت احتمالات وسيناريوهات مختلفة، برز من بينها إجراء تعديلٍ دستوريّ ينقل السّلطة الفعلية إلى البرلمان ويسلّم بوتين رئاسة الحكومة، أو تبنّي أسلوب الرّئيس الكازاخستاني نور سلطان نزارباييف الذي يستند إلى تعيين بوتين رئيساً لمجلس الأمن في البلاد، أو تنصيب بوتين رئيساً لـدولة عظمى موحّدة مع روسيا البيضاء. ويشكّل [الاحتمال الأخير] تحدياً شديد الخطورة، والأرجح ألا يحظى بترحيب مينسك، عاصمة روسيا البيضاء.

"نحن معتادون على الاعتقاد بأنّ الأنظمة تتغير بشكلٍ أساسي في بداياتها. ومع روسيا بوتين، تسير الأمور تسير اتجاه معاكس. إذ شهدت السنوات الخمس الأخيرة أبرز التّغيرات الأساسيّة في تاريخ النظام"، وفق تعبير قسطنطين غايز الذي يرى بأنّ "التحوّل الأكبر سيحدث أمام أعيننا مباشرةً".

( نشر هذا المقال أساساً في أكتوبر (تشرين الأول) 2019) 

© The Independent