Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

17 سنة على الغزو الأميركي للعراق... نظام هش ومحاصصة وفساد

تغلب الهويات الفرعية أسّس لنشوء الاحتجاجات في البلاد

تمر الذكرى الـ 17 لبدء الغزو الأميركي للعراق، والذي كان بداية نشوء النظام السياسي الحالي بعد سقوط نظام صدام حسين. ويستذكر العراقيون كل عام هذه المناسبة بنوع من اليأس وفقدان الأمل من كل الوعود التي أطلقتها الطبقة السياسية على مدى السنوات الماضية.

ولعل الاخفاقات العديدة التي شابت هذا النظام كانت أبرز المقدمات السياسية لنشوء وتبلور حركات الاحتجاج العراقية، التي بدأت بالتحرك بعد عام 2011 متأثرة بثورات الربيع العربي آنذاك، حيث تبددت كل الوعود التي أُطلقت بعد الغزو الأميركي للبلاد، ببناء دولة تراعي حقوق الإنسان ومعايير العدالة وتدعيم الديمقراطية، بل إن السمة السائدة لهذا النظام كانت المحاصصة الطائفية وتقاسم السلطة، ما أدى إلى دخول البلاد إلى مشكلات عدة على جميع الأصعدة، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً.

لكن ما يميز الاحتجاجات الأخيرة، مطالبتها الواضحة بتغيير النظام السياسي، فضلاً عن كونها عابرة لكل الهويات الفرعية التي كانت أبرز المحركات الاجتماعية والسياسية بعد عام 2003.

ولعل المطالبات بإنهاء النفوذ الإيراني الذي تصاعد بعد الغزو الأميركي للبلاد من خلال دخول بعض الجماعات السياسية والمسلحة المرتبطة بإيران إلى العراق وتسيدها للمشهد السياسي، عامل آخر يؤشر إلى التذمر العراقي الحاصل من تصاعد نفوذ طهران على مفاصل سياسية واقتصادية مهمة في البلاد بعد عام 2003.

ويبدو أن المنظومة السياسية بدأت عام 2018 بإدراك أن متغيرات عدة حصلت على صعيد المجتمع العراقي، حيث بانت بوادر السخط الشعبي على السلطة بشكل كبير مع قرب انتهاء العمليات العسكرية على تنظيم "داعش"، ما دفع القوى الشيعية بإطلاق صفة "الفرصة الأخيرة" على حكومة عادل عبد المهدي.

تطور نسق الاحتجاجات العراقية تدريجاً، ففيما كانت المطالب الأولية تركّز على القضايا الاقتصادية ومحاربة الفساد وتوفير فرص العمل والخدمات، لكنها سرعان ما اتخذت بُعداً سياسياً أعمق تحت شعارات عدة، أبرزها "نريد وطن" و"نازل آخذ حقي"، والتي ترجمت بالمطالبة بإقالة الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة وإعادة النظر بالدستور، فيما يشير مراقبون إلى أن هذا التطور السريع في مطالب المحتجين يعكس ‏انعدام الثقة بالنظام السياسي الذي تشكّل بعد الغزو الأميركي.

سببان لنشوء الاحتجاج

في السياق ذاته، يشير الباحث والأكاديمي عقيل عباس إلى "سببين رئيسيين أديا إلى نشوء حركة الاحتجاج، مرتبطين بتكوين النظام بعد الغزو الأميركي، الأول أن أمراض المعارضة العراقية أصبحت أمراض الحكم، وكل سلبيات المعارضة جلبوها معهم إلى السلطة"، مبيناً أن "مشكلة المعارضة العراقية أنها كانت فئوية وتُختصر على أنها معارضة مفتتة متصارعة بلا قضية وطنية تجمع أطراف المعارضة، بل إن كل طرف يعارض لأسباب تتعلق بهويته الفرعية، تحديداً القوى الشيعية والكردية، التي شكلت الجسم الرئيسي للمعارضة في زمن النظام السابق".

ويوضح لـ "اندبندنت عربية"، "لم تكن تلك المعارضة ترتبط بتأسيس وطن للعراقيين جميعاً، بل التخلص من عدو للجماعات التي ينتمون إليها، لذلك لم تكن لديهم رؤية بكيفية إدارة البلاد، بل كانت محدودة بكيفية إسقاط النظام"، لافتاً إلى أن "تلك الجماعات أعطت الفئوية إطاراً مؤسساتياً وحزبياً".

ويرى أن "السبب الثاني هو الأخطاء الأميركية التي ساهمت في صناعة المأزق العراقي الحالي، منها حل الجيش وقانون اجتثاث البعث، الذي تحول إلى شكل من أشكال الانتقام"، لافتاً إلى أن "أميركا أدركت أن تلك الإجراءات ذهبت إلى أبعد مما كانت تتصور وعلى نحو سيء، لكنها لم تتخذ مواقف صارمة إزاء ذلك".

دستور 2005 وبداية المسار الخاطئ

في المقابل، يلفت عباس إلى أن "المشكلة الأساسية كانت بالفهم المشوه لإدارة جورج بوش للديمقراطية وكيفية بنائها في العراق، من خلال استيعابهم لفئوية المعارضة العراقية متصورين أن تلك الفئوية هي شكل من أشكال الديمقراطية أو ما عرف بالديمقراطية التوافقية".

ويتابع أن "الدعوة لانتخابات مبكرة عام 2005 كانت بداية المسار الخاطئ مؤسساتياً، حيث ساهمت بتعزيز الانقسام ومأسسته وإعطائه شكلاً سياسياً"، مبيناً أن "هذه المسارات انتجت الفشل في الحكم وإدارة الدولة".

ويعتقد أن "الغضب الشعبي نتيجة طبيعة لكل الاخفاقات على صعيد إدارة الدولة، لكن النخبة السياسية كانت تتصور أن الهوية الفرعية هي الأعمق لدى جمهورها في آخر المطاف وستنتصر على الحاجات الإنسانية لهذا الجمهور"، مردفاً "بروز هذه النزعة الانسانية الباحثة عن إطار وطني كان متوقعاً لكن ليس بهذه السرعة".

ويختم أن "الحركة الاحتجاجية تعبر عن اعتراض عميق ضد المكوناتية التي تسببت في فشل إدارة البلاد وضياع الفرص على مدى الـ17 عاماً الماضية".

فشل الانتقال للديمقراطية

من جانبه، يرى الباحث في الشأن السياسي باسل حسين أن "أهم عقبة تأسيسية أدت إلى هذا السخط الشعبي، هي بناء النظام على دستور عام 2005، الذي لم يساعد في تحقيق الانتقال الديمقراطي على نحو سليم"، مبيناً أن "ما نراه يعود في الأساس إلى استيطان المرحلة الانتقالية، وهو ما يهدد النظام السياسي برمته، إما بالذهاب نحو الديكتاتورية أو تفكك البلاد".

ويضيف لـ"اندبندنت عربية"، "هذا النظام قام على مفهوم الديمقراطية التوافقية بوصفه النظام الأفضل في تحقيق السلم الأهلي، لكنه فشل في العراق لعوامل عدة، منها عدم وجود بنية ديمقراطية، واستغلال التوافق من أجل صناعة مؤسسة فساد يتواطأ عليها الجميع تحت اسم التوافق، والاحتماء بالمحاصصة للحماية من المحاسبة، وتعطيل أجهزة الدولة من العمل الفاعل، وغيرها من التمثلات التي جسدت فشل النموذج التوافقي". 

ويشير حسين إلى أن "الفشل كان العنوان الأبرز للمقدمات السياسية على مختلف الصعد التي أدت إلى الحراك الاحتجاجي، حيث كان السمة السائدة في جميع مجالات الحياة ومنها السياسية، فضلاً عن أن المواطن لم يعد يجد أن الصندوق الانتخابي قادر على تجسيد إرادته في التغيير أو تطوير أوضاعه على نحو إيجابي"، مردفاً "هذا العامل قاد إلى أزمة تمثيل حقيقية، فقدت معها الطبقة السياسية ثقة المواطنين ما تبين في عزوفهم عن الانتخابات الأخيرة".

هيكلية هشة

"هيكلية النظام السياسي العراقي بعد عام 2003، كانت هشة قائمة على الاقطاعيات السياسية المكوناتية، مما أشعر المواطنين بالمظلومية والتهميش والإقصاء، جراء تسلط قوى المعارضة لنظام صدام حسين على السلطة القائمة منذ 17 عاماً"، بحسب الكاتب والصحافي أحمد حميد.

ويرى أن "إخفاق القوى السياسية في إنقاذ العراقيين من المحرومية إبان النظام البائد، أدى إلى نشوء أكثر من حركة احتجاجية كرد فعل طبيعي على أهم تفصيل يميز النظام الحالي عن النظام السابق، وهي الفساد، وإن كان النظام الصدامي فاسداً، لكن النظام الحالي تعدى نسب الفساد عن سلفه. بتراجع معايير النزاهة والكفاءة، واستفحال الفساد والمحسوبية والمحاصصة داخل جسد الدولة".

ورجح أن "تستمر الحركة الاحتجاجية ويواصل الشباب العراقي مساره في سبيل استعادت هويتهِ الوطنية قبال الطائفية الحاكمة"، مبيناً أن "إصلاح النظام الحالي، يكمن بإزاحة الطبقة السياسية المجربة في الحكم، لأنها أثقلت كاهل الدولة بأخطائها التي شرعنت للمحاصصة الحزبية والفساد".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


ضياع هوية النظام السياسي

أما الكاتب والصحافي أحمد الشيخ ماجد، فيوضح أن "خلل النظام السياسي في العراق يأتي في المقدمة، حيث قام الاحتلال ببناء سلطة على أساس أنها تتلاءم مع التضاريس الطائفية للبلاد لكنها سلطة رسخت الطائفية وجعلت التنافس على أساس المكوّن لا على أساس البرامج السياسية"، مبيناً أن "هذا الخطأ تراكم حتى أنتج تشوهاً يسمى بالعملية السياسية ما أدى لنشوء حركة الاحتجاج".

ويضيف لـ"اندبندنت عربية"، "شعار المحتجين نريد وطناً يعد اختصاراً لضياع هوية النظام السياسي والإرادة الوطنية، وتعبيراً عن المشكلة المستمرة منذ الاحتلال الأميركي حتى هذه اللحظة".

ولفت إلى أن "الاحتلال الأميركي لم يتعامل مع جذور الاستبداد ومآلاته ما يؤدي للقضاء عليها، بل ساهم في ترسيخ النظام الطائفي الذي أدى إلى تفاقم حالة الاستبداد وأنتج حروباً أهلية ومشكلات على مستوى المجتمع والسياسة والدين".