Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الرقص التقليدي الصومالي... وسيلة شعبية للتمايز وحفظ الهوية

يتفاوت قِدم الرقصات التي يمارسها الصوماليون تبعاً لارتباطها بأحداث ومناسبات ومراسم معينة

صوماليون يؤدون إحدى الرقصات الشعبية (مصطفى سعيد)

تستمد كل أمة في الأرض ميزاتها من بيئتها المحددة للتحديات التي تعايشها، كالتحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتاريخية. وتصقل تلك المميزات القيم الأساسية، وتساهم في خلق وعي لدى أفراد وجماعات تلك الأمة، وبناء صورة جامعة لها، تتميز بها عما يحيط بها من الشعوب والأمم. ويُعد الرقص التقليدي الصومالي أحد تجليات أنماط الحياة الخاصة بالصوماليين، التي ساهمت في تعزيز شعورهم بوحدتهم من جهة، وبكونهم كلاً مختلفاً عن الأمم والشعوب المجاورة والشقيقة لهم. فالصوماليون في مجملهم يختلفون في رقصاتهم عن محيطهم الجغرافي، إذ تحدهم مرتفعات الحبشة من الغرب، والعالم السواحيلي من الجنوب، فسكان هضبة الحبشة يميلون إلى تحريك أكتافهم ورؤوسهم أثناء الرقص، في حين يبدع سكان العالم السواحيلي بتحريك خصورهم، أما الصوماليون فيميل رقصهم في المجمل إلى تحريك الأقدام والأذرع، يشاركهم في ذلك شعب العفر الكوشيتي، وبعض الشعوب النيلية كالماساي، في تنوع مثير للدهشة بين شعوب وقوميات يجمعها تاريخ وصلات عرقية.


تاريخ الرقص التقليدي
 

يتفاوت قِدم الرقصات التي يمارسها الصوماليون، تبعاً لارتباطها بأحداث ومناسبات ومراسم معينة، وقد يدخل في ذلك طقوس قديمة سابقة للإسلام، كطقوس "سار" التي يعرفها العرب باسم "الزار"، ومعنى كلمة "سار" بالصومالية هو "الإخراج"، أي إخراج الأرواح والتأثيرات الشريرة من الجسد والنفس البشرية. كما توجد رقصات لوحظ تشابهها من حيث الأزياء والحركات والأدوات، مع ما رصده المصريون القدماء في متونهم، وما دونوه في المقابر كرقصة "طانتو"، التي لا تزال تلقى رواجاً كبيراً لدى الصوماليين حتى يومنا هذا. كما لا تزال تُمارَس رقصات تحكي عن الهجرات الصومالية الكبرى، وبزوغ قبائل جديدة من القبائل القديمة، لتكون كل تلك الرقصات مليئة بالاستعراض والفخر، والحديث عن المبادئ الجديدة للقبائل الأحدث، ليكون الرقص مع الشعر والأهازيج، أداةً لنشر أفكارهم الجديدة والواقع الذي غيروه بنهوضهم، والمستقبل الذي يرجونه لأبناء هذه الأرض، الذين تجمعهم اللغة والتقاليد.
 


الأهازيج والإيقاع
 

تمتاز الرقصات الصومالية بأهازيجها وإيقاعاتها البسيطة، الناشئة عن طبيعة حياتهم البدوية، فمعظم الرقصات التقليدية تعتمد على طبول صغيرة، والتصفيق بالأيدي والضرب بالأقدام، إلا أن الأمر لا يخلو من تنويعات إضافية، في رقصات محددة أكثر بهرجة، تترافق فيها أدوات وترية كالطنبورة النوبية، والأصداف البحرية التي تقوم مقام البوق، وكذلك نايات القصب وأبواق مصنوعة من قرون الحيوانات.
وتجمع معظم الرقصات الصومالية مشاركين من الرجال والنساء، وإن كانت تقل مشاركة النساء فيها نسبياً، إلا في المناسبات العائلية أو العشائرية، التي يحضرها غالباً الأقارب ويقل وجود الغرباء فيها، وذلك على الرغم من وجود دور لهن في معظم الرقصات التقليدية، إضافة إلى وجود رقصات خاصة بالنساء، تترافق مع أهازيج خاصة بهن، وتبدأ غالباً بقصائد تلقيها نساء من فئة "برامبر" وهو فن شعري خاص بهن، لا يحق لأحد من الرجال أن ينظم قصائده على نحوه، في حين يحق للنساء مشاركة الرجال في النَظم على بقية فنون الشعر الـ 16 الأخرى.
 

رقصة حررت الأرض
 

ومن بين الرقصات الأشهر لدى الصوماليين رقصة "ويل-ويلو"Wil-wilo ، ويقول عبدالسلام محمود حسين آر-نبد المدرس في قسم التاريخ في جامعة جيبوتي، إن "للرقصة قصة تاريخية مهمة، دارت أحداثها في القرن السادس عشر، بعدما استُنفدت طاقات شعوب المنطقة بالحروب الطويلة بين إمارات الطراز الإسلامي ومملكة الحبشة، استطاع شعب وثني قادم من الجنوب اجتياح القوتين المسيحية والإسلامية في المنطقة، وبلغت قبائل ذلك الشعب سواحل خليج عدن، واحتلت عاصمة سلطنة "عدل"، وامتدوا في شمال الصومال شرقاً، ولم تعد هنالك من وسيلة لدى القبائل الصومالية لمواجهة تلك القوة الفتية سوى الحيلة والدهاء، فاستغلوا رغبة الملك الوثني بالزواج من ابنة أحد سلاطين الصومال، وتظاهر السلطان وقومه بقبول خطبة ابنتهم للملك، على الرغم من مخالفة ذلك لشريعة دينهم، وكان الهدف هو إيقاع الملك في كمين، بحيث يبدأ الأمر برقصة حربية للترحيب بالصهر الجديد، وكان من ضمن الخطة أن يقوم قائد الرقصة بإعطاء إشارة البدء ليقوم أبناء القبيلة الصومالية بحمل أسلحتهم، والهجوم على الملك وحاشيته وجيشه، فكان ذلك. وفر الملك وجيشه وحاشيته، بعد تعرضهم لخسائر كبيرة، وثارت القبائل الصومالية كلها عليه وعلى شعبه، فدحروهم لمئات الأميال جنوباً وغرباً، واستعاد الصوماليون جزءاً كبيراً من أراضيهم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


رقصات تحكي عن الحب والبحر


أما رقصة "موليو" فتحكي قصة حب وقعت بين شاب وفتاة اسمها موليو. ويغيب الشاب مسافراً عبر البحر، بغرض التجارة والعودة بالمال الوفير، ليستطيع إقناع أبيها الثري بأنه زوج يليق بابنته، لكن غياب الشاب يطول، وينقضي موعد عودة السفن، بعد بدء موسم المانسون، فيبقى الشاب عالقاً في ميناء أجنبي لشهور طويلة، ويعود مع أولى السفن التي تصل إلى بر الصومال، لكن وصوله يتصادف مع وجود حفل كبير، فيجذب الفضول الشاب الواصل للتو إلى المدينة، ليرى عرس مَن هذا؟ فيكتشف أن العروس حبيبته، وحين يراها جالسة في منصة العرس، يصرخ: موليو ها أنا ذا! ويسقط ميتاً بعدما انكسر قلبه، وتترك العروس مكانها لتلقي بنفسها عليه، وتلفظ أنفساها أسفاً عليه.

وتأتي رقصة "زيلعي" لتكون تصويراً لعودة السفن التجارية الصومالية من رحلاتها في المحيط الهندي والبحر الأحمر، إذ تقوم الجوقة في فرقة الرقص، بدعوة سفينة اسمها "سيراد" وتعني السراج بالعربية، لتتقدم إلى المرفأ، وتتقمص إحدى الفتيات الراقصات دور تلك السفينة، التي يشتاق الجميع إلى عودتها، في حين يرافقها كالحرس، شابان من الراقصين، ومع الانتقال من مرحلة إلى أخرى في الرقص، تردد الجوقة المرافِقة مقاطع شعرية، يصفون فيها شعوب الموانئ التي حطت فيها "سيراد" مراسيها، وتمتلئ المقاطع الشعرية بالتعجب من تباين تلك الشعوب في أشكالها وطبائعها وتقاليدها، وتحاول الإجابة عن سبب هذا التباين بين أبناء الأسرة البشرية الكبيرة.

المزيد من فنون