Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قبر الجندي المجهول في تونس بين الواقع والأسطورة

نصب منسي لم يُسجَل على قائمة التراث الوطني

"قبر الجندي المجهول" في العاصمة التونسية (اندبندنت عربية)

قبر الجندي المجهول في تونس واحد من الألغاز التاريخية التي اختلفت حولها الروايات المتراوحة بين الواقع  والأسطورة، فنُصُب "الجندي المجهول" المعتمد في معظم دول العالم، تقليدٌ ابتدعته فرنسا وتبعتها به دول أوروبية أخرى وبعض بلدان الشرق بعد الحرب العالمية الثانية، مثل مصر والنصب الذي أقامته عقب حرب 1973، ليرمز لكل الجنود المفقودين المجهولين في الحروب التي شاركت فيها منذ عام 1948، كما خلّدت أستراليا ذكرى أفراد قواتها المسلحة والمنظمات الداعمة الذين لقوا حتفهم أو شاركوا في الحروب التي أدت إلى تكوين الكومنولث الخاص بها، في نصب تذكاري.   


سوق السكاجين

لكن في تونس القصة مختلفة تماماً، فقبر الجندي المجهول موجود لكنه ليس كغيره من القبور المخصصة لجنود شاركوا في حروب حول العالم والتي تلقى عنايةً رسمية خاصة وتوضع فوقها أكاليل الورد في كل المناسبات الوطنية. يوجد "قبر جندي تونس المنسي" في "سوق السكاجين"، وهو أحد أسواق المدينة العتيقة في العاصمة. والسكاجين، تحريف لكلمة "الشكازين"، والشكّاز هو الحرفي المختص في صنع الأشكز، وهي صناعة تجميل جلد السروج، وكانت شائعة في تونس منذ القرن الـ 15، قبل أن تتحول دكاكينها إلى مهن أخرى مع مرور الزمن. 

ولا يزور ضريح هذا الجندي المجهول أحد ولا يُحتفى به، فقط يعرفه الناس ويمر أمامه يومياً المئات. وهناك من التونسيين مَن يعرف الخرافة التي حيكت حول ذلك النُصب، ويوجد مَن يجهلها تماماً.
 


الإمام الرصاع
 

ويقول المختص في علم الآثار عبد الستار عمامو في حديث خاص، إنه" لا وجود لشيء اسمه قبر الجندي المجهول في البلدان الإسلامية، فهي بدعة فرنسية عُرفت بعد الحرب العالمية الثانية". يفسر عمامو وجود "قبر جندي تونس المجهول"، بأنه "الوحيد الذي بقي من مقبرة كاملة سُميت بـ "مقبرة السلسلة" وهي أقدم قبور العاصمة، وكانت تمتد من القصبة إلى باب جديد داخل سور المدينة العتيقة"، مضيفاً أنه "مع التوسع العمراني في القرن الـ 19 تم التخلي عن قبور عدة، بقي 16 قبراً لشخصيات معروفة، ثم تم هدمها جميعاً وأُبقي فقط على قبر "الإمام الرصاع" الذي حاك حوله التونسيون أسطورة كاملة من وحي خيالهم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


وتقول أسطورة هذا القبر الذي احتفظت بها الذاكرة الشعبية التونسية، إنه في الثلث الأول من القرن الـ16 كانت تونس ترزح تحت الاحتلال الإسباني، ويُقال إن صبية تونسية كانت في طريقها إلى المنزل صحبة والدتها فتحرش بها جنديان إسبانيان، فصارت الأم تصيح وتستغيث طلباً للنجدة، بينما كانت الصبية تدافع عن شرفها فقتلت أحد الجنديين لكن الثاني قتلها. وعلا الصياح والهرج وتجمع أبناء الحي وإخوة المغدورة وقتلوا الجندي الثاني الذي قتل أختهم. إلا أن الإسبان لم يغفروا قتل الجنديين، فأرسلوا جنوداً آخرين قتلوا إخوة الصبية وعددهم سبعة. وتقول الأسطورة إن كل واحد من السبعة دُفن على عين المكان في مواقع مختلفة من زقاق المدينة العتيقة. ويُعتبر قبر "سوق السكاجين" الأخير الذي بقي صامداً بعدما قررت البلدية هدم كل القبور.
وهذا القبر المعروف بـ "قبر الجندي المجهول" يُقال إن صاحبه بقي وحده يحارب القوات الإسبانية، وعلى الرغم من أن الإسبان قطعوا رأسه إلا أنه تابع وقتلهم جميعاً ثم سقط أرضاً، بحسب الأسطورة.
ويتداول أهالي السوق بالمدينة العتيقة رواية أخرى مفادها، بأنه بعد الاستقلال صدر أمر بإزالة هذا القبر بحجة أنه يضيّق على المارة في الطريق العام. وحين بدأ العمال بتكسير لوح القبر تدفقت الدماء من خلال الشقوق وبقيت تتسرب بغزارة ولم تتوقف إلى أن حضر مسؤولون على عين المكان غير مصدقين لما يحدث، واضطروا إلى ترميم القبر وإبقائه على ما هو عليه إلى يومنا هذا، وفق المثل الشعبي التونسي "دم الشهيد سخون لا يجف إلى يوم القيامة".


حارس المدينة

وبقي القبر الذي يتوسط "السكاجين" إلى اليوم، ويعتبره البعض "حارس المدينة"، ولا يتسامحون مع مَن يمسه بضرر. ويُذكر أنه في يوم 18 مارس (آذار) 2013، تعرض القبر إلى محاولة تخريب من ملثمين، تزامنت مع محاولة تخريب زوايا صوفية عدة في العاصمة التونسية ومحافظات أخرى، قامت بها عناصر سلفية متشددة تعتقد أن التبرك بمثل هذه القبور هو "شرك بالله".

علمياً، لم يُذكَر "قبر الجندي المجهول" في كتب التاريخ التونسية ولا في قصة يجمع حولها الباحثون. ويبدو وكأنه من التراث المنسي لتونس العتيقة، حتى أن المختصة في علم التراث بية العبيدي، قالت في تصريح خاص، إن "القبر لم يقع تسجيله في قائمة التراث الوطني إلى حد اليوم".