Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سوق العطارين في لبنان... علاجات عشبية في زمن "الكورونا"

لا يعتبر هذا العمل مجرد تجارة ويُنظر تاريخياً إلى العطار على أنه "معالج بواسطة التركيبات الطبيعية"

سوق العطاري في طرابلس عاصمة الشمال اللبناني (اندبندنت عربية)

700 عام مضت… والأسواق صامدة في طرابلس اللبنانية. واحدة من أشهر تلك الأسواق، سوق العطارين التي لا تزال تدب فيها الحياة حتى يومنا هذا، باعتبارها إحدى الوجهات المفضلة للمواطنين الباحثين عن تزيين منازلهم بأسعار اقتصادية، وكذلك لمن يسعى وراء الجمال الطبيعي والخصوبة، إضافةً إلى الزيوت العطرية ونكهات بهارات الشرق.

ويفتخر أصحاب المحلات في سوق العطارين بأصالة سوقهم وعراقة مؤسساتهم، وتشهد الصور التي تزدان بها الجدران على مراحل الازدهار التي مرّت بها المدينة. كما تتردد على ألسنة التجار في السوق مقولة "هذا المحل موروث عن الأجداد" منذ مئات السنين. وهم يُحافظون على مصدر المواد الآتية من جرود لبنان وسهوله، إضافةً إلى استيراد النباتات والزيوت العلاجية من الهند والشرق الأقصى. وتتنوع أمزجة النباتات، فمنها "البارد" كالبابونج الذي يأتي من البلاد الباردة في روسيا ويُستخدم لتهدئة الأعصاب، ومنها "الحار" كالزنجبيل والكركم من أفريقيا.

النظرة التاريخية إلى العطار

وتشتهر بعض العائلات بمجال العطارة والبقوليات مثل قاطوع والشهال وجندح. ولا يُعتبر العمل في هذا المجال مجرد تجارة عادية، فبسبب النظرة التاريخية إلى العطار على أنّه "معالج بواسطة التركيبات الطبيعية"، تتطلّب هذه المهنة المعرفة بالطرق التقليدية لمساعدة المريض على تجاوز أسقامه وهذا ما يؤكده عبد الرحمن فائق، أحد الباعة في سوق العطارين، الذي يعترف أنه حديث العهد على هذا السوق، إلاّ أنّ احتكاكه بالناس فرض عليه البحث وسؤال المتخصصين لأنّ القضايا المرتبطة بالصحة، لا تحتمل الارتجال والادّعاءات.

داخل المحلات، نجد عدداً كبيراً من الأشخاص يأتون لطلب الاستشارة من "الطبيب العربي"، وهم يعبّرون عن ثقتهم بأنّ العلاج ممكن بالطرق الطبيعية، لأنهم ينظرون إلى هذه الخلطات من زاوية "إن لم تكن مفيدة، فهي لا تُلحق الضرر بالمريض". إلاّ أنّ هذه النظرة غير سليمة، بحسب أحد العطارين، لأن الأعشاب قد تكون ضارة ولها آثار سلبية مثلها مثل أي دواء. لذلك لجأ البعض إلى دراستها أكاديمياً ليكون على بيّنة من أمره، الأمر الذي يخوّله حلول بديلة لأغلى زيوت العالم كـ"زيت النسرين"، ناصحين باللجوء إلى "ماء الورد المقطّر منزلياً" للحفاظ على شباب الوجه.

الحكيم ابن سينا

ويشتهر في أوساط العطارين شاب بمقتبل العمر يُدعى "الحكيم" عبد الرحيم قاطوع، وهو نموذج لمن ترعرع في أوساط سوق العطارين، قبل أن ينتقل إلى مصر للدراسة الأكاديمية، والعودة إلى طرابلس لمزاولة مهنة الأجداد. ويقول قاطوع إنه "فتح عيونه على أعشاب العطارين"، وفي سن الـ 14 بدأ البحث في الأعشاب والنباتات الطبية. ويعتقد الشاب الحيوي بأنه لا يجب التوقف عند "الخلطات المتوارثة"، وإنّما لا بد من تطويرها وأن يكون العطّار على بيّنة علمياً لإنتاج أدوية آمنة طبياً. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرفض قاطوع ادّعاء بعض العطارين بوجود "سر المهنة"، فالبعض منهم ليس صاحب علم، ويأتي بخلطاته إمّا عن طريق الإنترنت أو من خلال الثقافة الشعبية. لذلك، يدعو إلى التعلُّم لأنه سيتمكن من تطوير التركيبات العلاجية والمساعدة، مستشهداً بـ "الطبيب ابن سينا" الذي يُعتبر قدوة له ولسائر العطارين، لأنه عمل على بيّنة ووضع القواعد الأساسية و"القانون" للطب. ويتحدث "الحكيم" بثقة عن العطارة البعيدة من التجارة والكسب السريع، ويجزم بأنّ من يجرّب المنتجات العلمية، يختبر النتيجة المختلفة. فعلى سبيل المثال، يؤدي تناول العرق سوس إلى نتائج مفيدة، ويمكن أن يحل مكان دواء حماية المعدة.

ويُقبل الزبائن على "الحكيم" من أجل التخسيس، ويبادر بالنصيحة بأن يستخدمن "العُشرق" لتليين المعدة. كما أنّ لديه الخلطة السحرية التي تُحدث تغييراً جذرياً في الوزن خلال أسبوع، فهي تحرق الدهون وتُعطي الإحساس بالشبع، وتُخفف الوزن. لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى معالجة غضروف الركبة بواسطة المراهم المرمّمة. كما يعمل على استخراج الزيوت من النباتات التي تختلف تقنيتها بحسب النبتة وطبيعتها، فـ"الأوكاليبتوس" الشبيهة بالكينا، تُستخرج عن طريق التقطير للحصول على الزيت العطري.  

علاج "الكورونا" بانتظار الاختبار

ومع بدء أزمة "الكورونا المستجد"، ذاع صيت اليانسون على أنه العلاج لمقاومة الفيروس. يؤكد قاطوع أنه غير كاف لوحده لمحاربة المرض ورفع مناعة الجسم. ويكشف الحكيم عن أنه وضع تركيبة لمعالجة هذا الوباء من باب معالجة الأعراض التي ترافقه من التهاب في الصدر والسعال والحرارة المرتفعة والفشل الكلوي. ويلفت إلى أنه وضع خلطة من مجموعة نباتات طبية، إلاّ أنّها لم تخضع للتجربة بَعد على مصابين بالفيروس. ويبدأ العلاج بتقوية المناعة، فمن أجل مقاومة السعال، يستخدم المواد الفعّالة "العرق سوس والرشاد وحبة البركة"، ولمقاومة الحرارة المرتفعة تُضاف "السنا"، و"الصمغ العربي" لمواجهة الفشل الكلوي. ويشير "الحكيم" إلى استخدام "مواد آمنة" في الخلطة من أجل تجنب آثار بعض النباتات، لذلك يُضاف اليانسون لعلاج "المغص المعوي" و"المردكوش" لمنع احتباس الماء في الجسم. كما ينصح بـ "الحجامة" لإخراج الدم الفاسد من داخل الجسد. ويُدافع "الحكيم" عن خلطاته لأنها خضعت للاختبار وأعطت نتائج تفوق الأدوية الكيماوية.

الخصوبة

لا تتوقف خدمات العطار على الجمال والوقاية من الأمراض الموسمية، إنّما تتجاوزها لتقوية الخصوبة. ويجد العطار نفسه أمام واجب محاربة المثير من الأحكام المسبقة والمعتقدات الخاطئة. لذلك، يقلّل من أهمية ما يُقال حول "شلش الزلوع"، فهو "لا يقوّي القدرة الجنسية لدى الذكور، وإنّما يقوي الأعصاب وليس له علاقة بالكسل الجنسي".

ويوضح أن العلاجات تختلف حسب سبب المشاكل الجنسية، فالبعض منها ناجم عن الاكتئاب النفسي، ويوصي عندها بغلي "الحبق" قبل المجامعة. أما إذا كانت المشكلة ناتجة من تضخم البروستات، فينصح باستخدام بزر اليقطين، وبزر الكتان لمن لديه التهابات وحرقة في البول. وتفيد هذه النصائح للأعمار كافة، على أن تُعطى الجرعة بحسب الوزن.  

في المحصّلة، تستمر مهنة العطارة في مقاومة الزمان، وتحاول تجاوز "لن يُصلح العطار ما أفسد الدهر"، مستفيدةً من الإقبال الشعبي عليها، وتحديداً الباحثين عن الجمال الدائم وقوة الشباب. 

المزيد من منوعات