Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حرب سوريا: القوى الخارجية تتحكم بالنظام والمعارضين

ليس الاصطدام الأخير مع تركيا سوى "بروفة" لما سيحدث مع إيران في مرحلة مقبلة

الدمار الهائل نتيجة القتال العنيف والغارات الجوية في محافظة إدلب السورية (أ.ف.ب)

تسع سنوات صار عمر الانتفاضة، الحرب في سوريا. ولا شيء يوحي بأنّ السنة العاشرة مرشّحة لأن تسجّل نهاية الحرب. ولا أحد يجهل أنّ نهاية الحرب، بأية صورة، ليست نهاية الأزمة التي قادت إلى الانتفاضة الشعبية السلمية ثم الحرب. وبين مارس (آذار) 2011 ومارس 2020 تغيّرت الدنيا في سوريا والمنطقة وعلى قمة العالم. فلا سوريا اليوم هي سوريا كما عرفناها، وإن بقي الرئيس بشار الأسد ومعاونوه الأمنيون على مسرح النظام بدعم روسي وإيراني. ولا المنطقة التي ضربتها عاصفة "الربيع العربي" استقرّت على نظام إقليمي وأقلّه على صيغة بعد انهيار "الستاتيكو" فيها وبدء مرحلة الحروب الأهلية المفتوحة على الصراعات الإقليمية والدولية. ولا انتقال النظام العالمي من الأحادية الأميركية على القمة إلى التعدّدية القطبية اكتملت صورته في الحرب الباردة الجديدة بين أميركا وروسيا والصين.

في بداية الانتفاضة، طالب المتظاهرون السلميون في المدن والأرياف بإصلاحات ديمقراطية وشيء من انفتاح نظام شمولي مغلق يعطي الأولوية للممارسات الأمنية. لكن قراءة النظام كانت مختلفة، إذ تصرّف على أساس أنه في مواجهة "مؤامرة" بسبب موقعه في "محور الممانعة"، ثم في مواجهة "حرب كونية". وكان الخيار هو المواجهة بالعنف المتدرّج، ما قاد إلى نقل اللعبة مع الثوار من ملعبهم القوي إلى ملعبه القوي، وبالتالي "عسكرة الثورة". وهذا ما فتح الداخل على مخاطر التطييف والتطرّف، وفتح الحدود على كلّ أنواع التدخّل الخارجي. تدخّل الدول الإقليمية والدولية، ودخول ميليشيات متطرّفة من كل الأجناس والجنسيات.

غير أنّ المجتمع الدولي تمكّن بقيادة مشتركة أميركية – روسية من بدء ما سُمّي بـ"مسار جنيف" والاتفاق على "بيان جنيف" في صيف 2012، ينصّ على تسوية سياسية سلمية تبدأ من "تشكيل هيئة حكم انتقالي تتولّى كل السلطات التنفيذية". وهو بالطبع ما اصطدم بالعراقيل والمصالح قبل أن يصبح عنوان اللعبة "مسار أستانا" ثم "مسار سوتشي" بقيادة روسيا التي أعطت دوراً لكل من إيران وتركيا.

وما أحدث أكبر تغيير في الموازين هو التدخّل العسكري الروسي في خريف 2015. ولم يقرّر الرئيس فلاديمير بوتين التدخّل إلاّ بعد تأكّده من عاملين: تراجع الرئيس باراك أوباما عن "الخط الأحمر" الذي رسمه وتجاهل إعلانه أن "على الأسد الرحيل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي رأي السفير الأميركي في سوريا روبرت فورد الذي استقال احتجاجاً على تراجع أوباما، فإنّ اتجاه الأحداث في سوريا كان سيتغيّر لو نفّذ أوباما الضربة العسكرية التي جرى الإعداد لها على خلفية استخدام دمشق للأسلحة الكيماوية في الغوطة.

لكن بن رودس، نائب مستشار الأمن القومي الذي كان منظّر سياسة "القيادة من المقعد الخلفي" التي يصفها المستشار الحالي للأمن القومي روبرت أوبراين بأنها "كارثة"، كان له رأي آخر. ففي كتابه تحت عنوان "العالم كما هو: مذكرات بيت أبيض أوباما"، يقول بن رودس الذي كان الأقرب إلى أوباما "سوريا مكان حيث عدم فعلنا كان كارثة، وتدخّلنا سيضاعف الكارثة". وهذا موقف "فلسفي" ترجمته في السياسة عنوان كتاب جورج شولتز، وزير الخارجية أيام الرئيس ريغان "لا تفعل شيئاً". بالتالي، ترك الوضع يتردّى والقوي يتنمّر.

والمشهد بالغ التعبير بعد تسع سنوات من الحرب. المعارضون بدوا كأنهم الوجه الآخر للنظام في السلوك. والنظام والمعارضون انتهوا تحت رحمة القوى الخارجية. روسيا وإيران تحميان النظام. تركيا تحمي المعارضة. أميركا تحمي الكرد والنفط شرق الفرات. وروسيا تدير اللعبة وتوزّع الأدوار، بحيث تلعب مع الجميع وعلى الجميع. والكلّ يقول إنه لا حلّ عسكرياً، لكنه يمارس الخيار العسكري، إلى حدّ أنّ التسوية السياسية قد تصبح نوعاً من الإخراج السياسي للحلّ العسكري. وحين يقول وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إنّ "أهداف روسيا وإيران وتركيا ليست متطابقة في سوريا"، فإنّه يعكس بداية صدام المصالح بعد لقاء الأدوار. فموسكو تحتاج إلى تسوية سياسية مقبولة من الغرب والعرب من أجل إعادة الأعمار لتضمن توظيف مكاسبها الجيوسياسية. وليس الاصطدام الأخير مع تركيا سوى "بروفة" لما سيحدث مع إيران في مرحلة مقبلة. والمعادلة في اللعبة مع العالم كانت واضحة: خطر "داعش" و"جبهة النصرة" قاد إلى التسليم بالنظام، وإخراج إيران من سوريا صار من شروط التسليم ببقاء الأسد في السلطة.

لكن التركيز على الصراع الجيوسياسي ومَن ربح ومَن خسر لن يخفي الواقع الاجتماعي الخطير: نصف السوريين بين نازح في الداخل ولاجئ إلى الخارج. 2.8 مليون شخص فقدوا وظائفهم. 90 في المئة من السكان بحاجة إلى مساعدات. التدمير ضرب البنية التحتية ومئات الآلاف من المنازل والمعامل والمزارع. وتفاقم العصبيات الطائفية خلخل النسيج الاجتماعي الوطني، والسؤال البسيط أمام القوى التي تعارض التسوية السياسية العادلة هو: إلى أين الهرب من تفعيل عمل اللجنة الدستورية؟ وما الذي يمنع تجديد الثورة التي قاد إليها وضع مأزوم صار أشدّ تأزّماً اليوم؟

 

المزيد من آراء