Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قصة شارة النصر... منذ كانت علامة الرجل المخدوع

استخدمها رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل بكثافة ونافسه الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات

شارة عالمية وقد باتت في متناول الجميع منتصرين ومهزومين (أ.ب)

من منّا لم يرفع يوماً أو في مناسبة ما سبابته وأصبعه الوسطى على شكل (V) للدلالة على النصر أو الشعور بالنصر، وربما للدلالة على السلام أيضاً، أو على الأقل من منّا لم يرَ شخصاً عادياً أو زعيماً ما رافعاً يده بهذه الشارة.

إنها شارة عالمية وقد باتت في متناول الجميع، منتصرين ومهزومين، من العالم الأول أو من الثالث، مناضلين ضد الإمبريالية أو أمبرياليين... الجميع يستخدمها كل بحسب حاجته لها أو الهدف الذي يبتغيه منها.

نصر أم سلام؟

رفع السبابة والأصبع الوسطى على شكل (V) بينما الأصابع الأخرى مضمومة في راحة اليد، هذه الشارة اتفق على تسميتها بشارة النصر، لكن التناقض الأول الذي أصابها كان أثناء حرب فيتنام، إذ كان الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون يرفعها في حلّه وترحاله على أساس أنها علامة الانتصار في حرب فيتنام، بينما كان الشباب المعارضون لحرب فيتنام الذين اتفق على تسميتهم بـ"الهيبيز"، يرفعونها على أنها علامة السلام. هناك من يحلّلها على أنها الحرف الأول من كلمة نصر بالإنجليزية (victory)، وآخرون قالون إنها الحرف الأول من فيتنام.

لم يكن ذلك التناقض الأول، قبل ذلك استخدمها رئيس الوزراء البريطاني صانع الحرب والسلام، ونستون تشرشل، بكثافة. بل ويقال إنه هو من جعل هذه الشارة متداولة عالمياً لكثرة ما استخدمها، إذ كان يرفعها كلما رأى كاميرا تصوّره، ولم يبزّه في ذلك إلا الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات.

لكن تشرشل استخدمها في عزّ الحرب مع ألمانيا النازية، على أنها شارة للنصر الموعود والمقبل. وبعد انتهاء الحرب وانتصار الحلفاء وفي صلبهم بريطانيا، كان رئيس وزرائها من أول منظرّي السلام وإعادة إعمار أوروبا، وعلى رأسها ألمانيا التي دُمرت عن بكرة أبيها في السنوات الأخيرة من الحرب. هكذا، خلال انعقاد مؤتمرات السلام أو إعادة الإعمار (التأهيل) ظلّ تشرشل يرفع تلك الشارة، ولكن هذه المرة على أنها دعوة إلى السلام.

إذن، هذه الشارة قد تحمل معنيين، ليسا متناقضين كلياً، أي النصر والسلام، ربما لأن السلام لا يصنعه إلا المنتصر في الحرب. فالسلام هو استراحة بين حربين على ما يقول كاتب ملحمة "الحرب والسلام" الروائي الروسي الكبير، تولستوي.

شارة النصر عربياً

في منطقتنا العربية صارت تلك الشارة والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات صنوين، لا يحضر هذا إلا وتحضر معه تلك. لا أعتقد أن هناك صورة للرئيس الفلسطيني لا يرفع فيها تلك الشارة، وعلى طريقة سابقيه، مرة للنصر ومرة للسلام.

ففي أثناء العمل الفدائي الذي بدأ في أواسط الستينيات من القرن الماضي، صارت تلك الشارة ترفع من أجل النصر الآتي، وكان يرفعها عرفات أينما حلّ وقد رفعها في الأمم المتحدة أيضاً، بينما كان يلقي خطابه الأول بعد الاعتراف بمنظمة التحرير ممثلاً للشعب الفلسطيني. وكان المقاتلون الفلسطينيون بمختلف انتماءاتهم وأفكارهم السياسية التي ترواح بين الإسلاموية والماركسية وما بينهما، يرفعونها جميعاً أمام الكاميرات وفي كل مكان. كانت عدة المقاتل في تلك الفترة من الستينيات والسبعينيات إضافة إلى "كلاشنيكوفه" شارة النصر التي يحملها بيده أينما حلّ.

ياسر عرفات ومقاتلوه رفعوا شارة النصر في البدايات، حين كان العمل الفدائي معترفاً به عربياً ودولياً، ثم رفعوها أثناء حصار بيروت من قبل الجيش الإسرائيلي في عام 1982، ورفعوها أيضاً وبالاعتزاز ذاته أثناء خروجهم على متن سفن من بيروت إلى تونس.

إذن، هذه الشارة تصلح للنصر والهزيمة، وللسلام أيضاً، إذ بعد سنوات حين تم توقيع اتفاق أوسلو للسلام، رفعها عرفات ومقاتلوه الذين باتوا بلا سلاح الآن. وقد رفعها عند توقيع الاتفاق في البيت الأبيض مع إسحاق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي، بينما يقف الرئيس الأميركي بيل كلينتون بينهما.

عدّة "النضال"

لكن عرفات لم يخترعها لنفسه، فهذه الشارة باتت في سنوات الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم رمزاً لحركات التحرّر الوطني في العالم أجمع... يقال إن الكلاشنيكوف ارتبط ارتباطاً وثيقاً بصورة الحركات الاستقلالية في العالم الثالث، وهذا صحيح، لكن علامة النصر كانت بقوة الكلاشنيكوف وربما أقوى نظراً لنفوذها العالمي ولمعانيها في الوعي الجمعي البشري، والأهم لارتباطها بالكاميرا، فلا وجود لرافع علامة نصر إذا لم تكن أمامه كاميرا تصوّره. ثم إن هذه الشارة تستمد قوتها من فكرة أن مجرد ما يقوم شخص برفعها، يفضي هذا الفعل تلقائياً إلى الاعتقاد بأنه يدافع عن قضية ما. ولم يبق زعيم في العالم لم يستعمل هذه الشارة على رأسهم نيلسون مانديلا الزعيم الجنوب أفريقي المحارب من أجل السلام ضد العنصرية، وغيره كثيرون لا يتسع المجال لتعدادهم في هذا المقام.

كان ذلك في تلك الفترة من القرن العشرين، أما الآن فبات يرفعها- كالعادة، كتعبير عن السلام تارة وعن النصر طوراً- المدافعون عن البيئة والعاملون في قضايا المجتمع المدني والمثليون، وقد رفعها المنتفضون في العالم العربي خلال الربيع العربي الآفل حروباً ودماراً... الخ.

أساطير... ربما!

في أصل هذه الشارة ليس هناك ما هو مؤكد. إنها ككل اللغات لا يمكن إرجاعها إلى أصل معين ومحدد، ولكن نشأ بعض القصص حولها من قبيل، أن الرومان والإغريق كانوا يستخدمونها للدلالة إلى الرجل المخدوع من قبل زوجته التي تخونه، فيقصدون أن له قرنين كالثور الذي لا يدري ما تفعله البقرات من حوله. حتى في هذه الأسطورة هناك ما هو واقعي إذ إننا في منطقتنا هذه حتى اليوم نقول عن الزوج الذي تخونه زوجته بأنها "ركبت له قروناً".

هناك رواية أخرى تقول إن هذه الشارة كان يرفعها الجنود الإنجليز في وجه الجنود الفرنسيين في حرب المئة عام، وذلك لأن الفرنسيين حين كانوا يعتقلون إنجليزياً يقطعون له السبابة والوسطى كي لا يتمكن من إطلاق النار مجدداً، لكن الجنود الذين كانوا يتمكنون من الحفاظ على أصابعهم يقومون برفعها في وجه الفرنسيين لإثارة حنقهم.

مهما يكن من قصص أو أساطير عن الأصول، فإن الأمور بخواتيمها كما يقال. والخواتيم هنا أن شارة النصر- السلام باتت ملكاً للجميع كبار وصغاراً، أغنياء وفقراء، محاربين ومسالمين... وستبقى في صلب لغة الشارة.

المزيد من منوعات