Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التصوير الجداري... أول لغة بصرية عرفها الإنسان

وجد فيه ملاذاً للتعبير عن ذاته وما يراوده من أسئلة وجودية

تأثرت الحضارة اليونانية القديمة في بداياتها بالحضارة المصرية (اندبندنت عربية)

من أقدم أشكال الفن البشري، هذا ما تشير إليه لوحات الكهوف في معظم المستوطنات البشرية القديمة حول العالم، حيث كان الفن بأنواعه وسيلة الإنسان البدائي في عصور ما قبل التاريخ لتجسيد رسومات اعتقد بقدرتها على حمايته ودفع الشرور عنه، فكان بذلك أول مصمم للجداريات في التاريخ.

لقد رَسم الإنسان الأول قبل أن يعرف الكتابة، فكان التصوير الجداري مُلازماً له منذ نشأته. إذ وجد فيه ملاذاً للتعبير عن ذاته وما يراوده من أسئلة وجودية وغيبية، فوثق برسوماته المبسطة معتقداته وطقوسه ونشاطاته، وحاكى ما تحتويه بيئته على جدران الكهوف وسقوفها مستفيداً من الطبيعة غير المنتظمة لسطوح الجدران، التي ساعدته في تطوير محاكاته للواقع في أشكاله المرسومة.

عادة ما تصور الجداريات فعاليات الشعوب في حضارة ما، عبر تجسيد لحظة زمنية تروي مشاهد تتراوح بين الصيد والتجمعات والحياة الأسرية، وصولاً إلى المشاهد الدينية والجنائزية.

وهي وسيط بين الفنانين والجمهور والسلطة، حيث تؤدي دوراً في خلق وعي عام بقضايا معينة، إضافة إلى وظيفة النقد الاجتماعي والسياسي، فضلاً عن تعزيز الهويات السياسية والمجتمعية.

اشتقت كلمة جدارية "mural" من الجذر اللاتيني "murus" الذي يعني الجدار، ويمكن تعريفها فنياً على أنها قطعة من الأعمال الفنية المطلية أو المطبقة تقنياً على سطح جداري. كما تعرف اللوحة الجدارية، في الفنون الجميلة، بأنها رسم يطبق مباشرة على سطح الحائط أو السقف، أو يتم رسمه على قماش canva ويثبت بعدها.

 

تختلف اللوحة الجدارية بطبيعتها عن جميع أشكال الفن التصويري الأخرى، كونها مرتبطة عضوياً بالهندسة المعمارية. ويمكن لاستخدام اللون والتصميم والمعالجة الموضعية أن يغير بشكل جذري في الإحساس بالنسب المكانية للبناء.

وبذلك تعد الصورة الجدارية الشكل الوحيد الثلاثي الأبعاد للرسم التصويري، لقدرتها على تعديل المساحة المطبقة عليها.

الخامات اللونية

اعتمد إنسان العصر الحجري في تكوين لوحاته الجدارية على ما توفر حوله من مواد طبيعية كالأتربة الملونة والعظام المتفحمة وبقايا الشحوم، بينما استعمل الفنان الآشوري في خلق نقوشه البارزة طلاءً خاصاً أشبه بالميناء (كالزجاج الملون) واستخدم الخزف ذي الألوان القوية وبخاصة الأزرق المخضر.

ولعبت الخامات اللونية دوراً رمزياً في الفنون القديمة واختلفت معاني الألوان من عصر إلى آخر، فكان لكل حضارة درجات لونية مفضلة حددتها عوامل مختلفة كتوفر اللون نفسه ورمزيته الدينية ودوره في العادات والتقاليد.

عبر العصور

كان للتصوير الجداري عند المصريين القدماء دوراً هاماً في إيصال فكرة الدين وتقريبه إلى أذهان الناس وخلق جو روحاني مساعد في أداء العبادات، فتزينت المعابد والمقابر الفرعونية القديمة بالرسومات ذات الموضوعات التي تمثل المظاهر الدنيوية والطقوس الدينية.

كما خلقت الحضارات المتعاقبة في بلاد الرافدين، السومرية والكلدانية والبابلية، آثاراً فنية ورسومات عكست مظاهر الحياة في شتى النواحي دينياً واجتماعياً وثقافياً وعسكرياً وعلمياً. كما انتشر التصوير الجداري في معظم بلدان البحر الأبيض المتوسط، في الحضارة المينوية (حضارة جزيرة كريت)، وتأثرت الحضارة اليونانية القديمة في بداياتها بالحضارة المصرية.

وفي العصر الروماني، انتشرت الرسومات على جدران وأرضيات القصور، وأصبح التصوير الجداري بتقنياته المختلفة سائداً في الديكور الداخلي. وتميز هذا العصر بالاهتمام في إبراز التعابير النفسية والعاطفية على الوجوه، وتزيين الصور بإطارات زخرفية مرسومة.

وكان التصوير الجداري في العصر البيزنطي مزيجاً بين الفن اليوناني وفنون الشرق، وأظهرت زخرفة الفسيفساء البيزنطية احتراماً أكبر للشكل المعماري العضوي، فجاءت جداريات الفسيفساء الزجاجي مكملة لعمارة الكنائس البيزنطية. أما في العصر الغوطي فشغلت الجداريات حيزاً صغيراً بسبب التطور المعماري في تصميم الكنائس، القائم على تعدد النوافذ العالية والمتسعة، مما فسح المجال أمام ظهور فن زخرفة النوافذ بتقنية الزجاج المعشق.

العصر الإسلامي

تأثر الفن الإسلامي في بداية تكونه في بلاد الشام بالفن الساساني والبيزنطي والفارسي، وظهر هذا التأثير جلياً في ما يخص إكساء الجدران والأرضيات بفسيفساء الزجاج والحجر، ثم طور الفن الإسلامي في هذه التقنيات من حيث ألوان وأشكال زخرفتها ليصل إلى الإبداع في الزخرفة المعمارية بالفسيفساء عبر استخدام بقايا القطع الخزفية الملونة والمزججة وقطع السيراميك، وكذلك استخدام أنواع من الأحجار نصف الكريمة والأصداف المتنوعة لتأكيد مظهر الثراء في العمل الفني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن التصوير الجداري في العصر الإسلامي كان متفرداً عن غيره من الفنون التي سبقته، من خلال تأثره الواضح بتوجهات العقيدة الإسلامية. وأتقن الفنان المسلم استخدام النقوش الجدارية (التي لا تحتوي على رسوم) والحفر والتطعيم بخامات أُخرى، فظهر فن التوريق (الأرابيسك) واستخدام الأشكال الهندسية المتداخلة وتنسيقها وصياغتها بأشكال فنية رائعة، إضافة إلى الزخارف النباتية بفروعها المتموجة، والزخارف الخطية وتحديداً الخط الكوفي وخط النسخ.

اشتهر الفنان المسلم بالفن التجريدي، فاستخدم الوحدة الزخرفية النباتية وجردها من شكلها الطبيعي وحورها في أشكال هندسية تعطي إحساساً بالاستمرارية.

 

 

أساليب التصوير الجداري

خضع فن التصوير الجداري لتطور تزامن مع تطور المواد وصناعتها. إذ أضافت المعرفة العلمية أشكالاً وأساليب جديدة لانتشار هذا الفن، تتعلق بطريقة التطبيق على السطح لأهداف جمالية ووظيفية أحياناً. كما أضافت الطريقة التقنية في استخدام الخامات عنصر الحيوية والجمال للشكل المعماري. وهناك العديد من التقنيات لأشكال التصوير الجداري، ومنها "التمبرا" وهي طريقة تلوين تعتمد على ملونات جافة أساسها الماء، تحضر بخلطها بوسيط مائي لاصق كالمواد الراتنجية الطبيعية مثل الصمغ العربي (يُنتج الجواش) أو المواد الغروية الحيوانية أو زلال البيض أو الشمع المذاب، وهي تستعمل كوسائط لاصقة أو مثبتة للألوان، وتنفذ على أرضية كلسية جافة.

و"الفريسكو" أو التصوير الرطب، الذي تحضر ألوانه من الأتربة أو الأعشاب أو الأحجار الكريمة لإنتاج درجات لونية نادرة، وتطحن وتخلط مع مثبتات ثم ترسم وتطلى على أرضية كلسية رطبة. وبعد أن تجف، تضاف طبقة سطحية حافظة وعازلة من زلال البيض.

و"التصوير بالألوان الزيتية"، الذي يعتمد على خلط الصبغة اللونية بوسيط زيتي حامل من أحد الزيوت الشفافة القابلة للجفاف، لإنتاج جزيئات لون صلبة محمية بالزيت من جميع العوامل المناخية.

"الفسيفساء" أو الموزاييك تصمم باستخدام أجزاء صغيرة ومتعددة الألوان من خامات الزجاج أو الرخام الملون أو الخزف، بحيث ترتب إلى جانب بعضها لإنتاج موضوعات زخرفية أو هندسية أو نباتية وتثبت بالمونة، إضافة إلى تقنية "الأكريليك" والزجاج الملون المعشق، وغيرها من التقنيات الحديثة.

الجداريات الحديثة والغرافيتي

تعددت الأساليب الفنية في عصرنا الحالي وتنوعت بين استخدام الألوان الزيتية والأكريليك والبخاخات بأنواعها والصبغات والموزاييك، وتعددت أهدافها ودخلت في مجال التصميم الداخلي والخارجي فزينت البيوت والمساحات والساحات العامة، وطليت بالورنيش لحمايتها من الأشعة فوق البنفسجية.

وانتشر مصطلح "الغرافيتي" الذي يشير إلى الرسم أو النقش أو الكتابة على الجدران باستخدام أصباغ وبخاخات لونية، وارتبط ظهوره وتطوره بحركة الـ "هيب-هوب"، بالإضافة إلى الراب والـ "دي جي". ومع تطور هذا الفن، بدأ بعض فناني الغرافيتي بعرض أعماله الفنية في صالات خاصة.

كما انتشرت الجداريات السياسية، واعتبرت جداريات العمارة الخارجية وسيلة الفنانين للتواصل مع الجمهور، وإيصال آرائهم ونظرتهم واحتجاجاتهم السياسية، كرسم بعض الفنانين الفلسطينيين والعالميين على جدار الفصل العنصري الذي يعزل غزة عن العالم، رسومات تعبر عن رموز المقاومة ورفضهم الجدار والاحتلال الإسرائيلي لأراضي فلسطين.

المزيد من فنون