Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ثياب أصغر وأنوثة أكبر... ماذا نفعل بطفولة البنات؟

لم تتعلم الصغيرة بعد كيف ترتدي ثيابها وحدها لكن خزانتها تعرف سلفاً كيف ينبغي أن تبدو أنثى

يبدو المكياج مثل الألعاب ومثل الثوب يحاول حشر الطفلات في مسار الأنوثة المفترضة منذ الصغر (موقع بيكسلز)

ملخص

تبدأ الحكاية بـ"شورت"، أي السروال القصير، للبنت أقصر من نظيره للصبي، وتتسع إلى ما ننتظره من مظهر الطفلة وحركتها. بين تاريخ السروال وتبدل دلالات الألوان، تظهر معايير الأنوثة أقل ثباتاً مما توحي به رفوف المتاجر. وتكشف شهادات الأمهات كيف تدخل ذكرياتهن وأذواقهن في اختيار الفساتين والألعاب والمكياج لبناتهن،ومع سوق تجميل الأطفال نتساءل كم نترك للصغيرة من الوقت والمساحة لتكتشف ما تحب؟ وهل نقحمها في أنوثة استهلاكية مبكرة من الثياب إلى الألعاب وصولاً إلى المكياج؟

عندما كنت أخطط لزيارة صديقي ريشار في فرنسا، أخبرته أنني سأحضر رداء لابنته ديما، وسألته عن مقاسها، جاء جوابه سريعاً "لا تشتر فساتين أميرات ولا كشكش وزخارف".

فريشار الذي هرب من المجتمع الاستهلاكي في بيروت ليعيش في قرية نائية على سفح جبال البرينيه، جنوب غربي أوروبا على الحدود بين فرنسا وإسبانيا، لا يريد أن يقحم ابنته ذات السنوات الست حينها في هذه المتاهات، ويريدها أن ترتدي ثياباً بسيطة وعملية، تصلح للركض والتسلق والجلوس على الأرض والعيش بحرية، وهي استخدامات لا تخطر لنا دائماً ونحن نتأمل فستاناً صغيراً معروضاً في واجهة.

واليوم، وأنا ألبس ابنتي صوفيا ذات السنتين، أفهم اعتراضه، وأجدني ضمن المعنيات به. أشتري أحياناً ثياباً لأن تصميمها جميل، وأتخيل الصورة التي سألتقطها لها في عيني وعيون العائلة والمجتمع وصولاً إلى الكاميرا، ثم لا أوفق حتى في التقاطها، وأعود للقطع التي تتحرك فيها براحتها، ويتربع الفستان الذي أعجبني أكثر مما ناسبها في خزانتها.

وأفكر فعلياً، إن كانت الأسواق برفوفها تقتحم عقولنا ونتخيل كيف نعرض صور أطفالنا على وسائل التواصل، فنختار منها ثياب الدمى التي كثيراً ما سكنت مخيلتنا عندما عجزت جيوب أهلنا أن تضعها ضمن ألعابنا، أم أن للسوق وجهة نظر أخرى، وخط مبيع رابح يشبه ذلك الذي اخترع ملايين القطع للنساء، في استحضار أنوثة مبكرة للطفلات.

فقد استوقفتني أخيراً فيديوهات أمهات على وسائل التواصل يضعن سروالاً قصيراً للبنت فوق آخر للصبي، ويسوين الخصرين أمام الكاميرا للمقارنة. فتبرز القطعة السفلى من تحت العليا، بمعنى أن قطع ملابس الفتاة أصغر، مع أن البطاقتين تعدان بلباس طفلين في العمر نفسه.

 

سنتيمترات تحت المجهر

في الفترة الماضية عرضت صانعة المحتوى كات، صاحبة حساب Hack or Wack، شورتين من "بيبي غاب" لعمر سنتين، فبلغ طول الساق الداخلي في السروال القصير للصبي ست بوصات، في مقابل ثلاث للبنت، أي نحو 15 سنتيمتراً في مقابل 7.6 للبنت، في حين يضع جدول الشركة لهذا المقاس نطاقاً واحداً للطول والوزن.

لكن تطابق المقاس يصف الجسم الذي تستهدفه القطعة، من دون ذكر أبعاد متطابقة على كل تصميم. وتوضح "غاب" أن الملاءمة قد تختلف باختلاف نوع الملابس والقماش، إذ يمكن أن يناسب شورتان مختلفان طفلين ضمن النطاق نفسه. وتكررت تجربة كات مع أم في الهند وأخرى في أستراليا حول الملاحظة نفسها، مما يظهر أنه لدينا شكاوى متكررة وعينات من متاجر وأعمار مختلفة.

وفي فيديو آخر تظهر كات أن ثياب الصبي لا تدعو الناس إلى الاقتراب ولمس الصدر، في حين قميص الطفلة الذي يحمل شخصية آرييل من ديزني ملونة وعليها تصميم بالبلاستيك جذاب، وكأنها تدعو طفلاً أو شخصاً إلى لمس هذا الجزء الحساس من جسد الطفلة، وغيرها من الملابس التي تظهر بطن الطفلة وأجزاء من جسمها وتتحفظ على جسم الطفل الذكر.

لكن يبقى السؤال عن تخصيص القصة الأقصر للبنت، وعن الخيارات المتاحة لها إذا احتاجت إلى اتساع أكثر أثناء اللعب من دون جواب واضح، على رغم أن الأمهات يحاولن إيجاد حلول بديلة عبر المرور إلى قسم الصبيان لتجد ما يناسب شقاوة طفلتها.

استجابة للزبونة

ليست شكوى الأمهات وليدة فيديو رائج، ففي عام 2014، قارنت "إيه بي سي نيوز" ملابس في متجر "تارغت" بنيويورك، فوجدت شورتات للبنات أقصر بنحو ثلاث بوصات من قطع للصبيان من المقاسات والعلامات التجارية نفسها، إضافة إلى سراويل وقمصان أكثر التصاقاً بالجسم، وجاءت المقارنة بعد اعتراض الأم والمدونة ستيفاني غيز على اختلافات لاحظتها في ملابس بعمر أربع وخمس سنوات.

حينها تواصلت "تارغت" مع غيز، وعرضت الاستماع إلى ملاحظاتها على عينات والتحدث إلى أحد المصممين. وقالت للشبكة إنها ستأخذ الملاحظات في الاعتبار، من دون تقديم تفسير تقني للاختلاف. هذه مقارنات محدودة، لكنها تظهر أن الشكوى سبقت الفيديوهات المتداولة بسنوات، وأنها تشمل ملابس لأطفال في أعمار مختلفة.

وقد تقترح أم على أخرى شراء مقاس أكبر، فتربح بعض الطول لكنها تخسر ثبات الخصر وجمالية القطعة، فالمشكلة في القصة لا يعالجها دائماً تغيير المقاس. لذلك من الأفضل أن تذكر الشركات أبعاد القطعة نفسها، ومنها طول الساق الداخلي إلى جانب قياسات الجسم. فعبارة "لعمر سنتين" قد لا تكون دقيقة بما فيه الكفاية، إذ لا نعرف كم مرة ستحتاج الصغيرة إلى شد الشورت أو رفعه خلال نهارها.

ويظهر الفرق حين نراقب ما يحدث بعد الشراء، حين تضطر الطفلة إلى أن تنشغل بترتيب ثيابها كلما تحركت بدل الانشغال بلعبتها. وقد نخفض يدها كي لا يرتفع القميص ونشد الحافة حين تجلس، ثم نستغرب تذمرها.

 

الراحة احتاجت إلى دفاع

وللشد والجذب بين المظهر والحركة تاريخ أطول من سراويل الصغيرات، في عام 1851 تبنت الأميركية إليزابيث سميث ميلر سروالاً فضفاضاً على الطراز الشرقي التركي تحت تنورة أقصر لترتاح في حركتها خاصة عندما تعمل في حديقتها. وروجت أميليا بلومر للزي في صحيفتها "ذا ليلي"، فاشتهر باسمها "بلومرز" حتى اليوم على رغم أنها لم تخترع هذا السروال.

وكان إصلاح الملابس حينها جزءاً من اهتمام ناشطات حقوق النساء، وله أسباب عملية تماماً، إذ تشرح خدمة المتنزهات الوطنية الأميركية كيف كانت التنانير الطويلة تعلق بالنباتات وتبتل، وقد تشتعل أثناء الطبخ على النار خلال الرحلات، وعلى رغم ذلك أثار الزي العملي السخرية والاعتراض على احتشامه. وتعرضت مرتدياته لهجوم جعل بعض الناشطات يتخلين عنه، بعدما أخذ النقاش حول ملابسهن يزاحم مطالبهن.

أما في الشرق فقد اختلف الأمر، ففي اللباس النسائي العثماني كان "الشلوار" أي السروال الفضفاض، يرتدى مع قميص ورداء طويل، وتحتفظ المتاحف بنماذج من هذه الأزياء تعود للقرنين الـ18 والـ19. وفي بلاد الشام عرفت النساء الشروال، وتوثق مجموعات الأزياء نماذج نسائية سورية، ويذكر المتحف البريطاني سراويل نسائية فلسطينية شبيهة ببعض سراويل الرجال.

وتحتفظ مجموعة المتروبوليتان بأقمشة سراويل نسائية إيرانية من القرن الـ18، كما عرفت جنوب آسيا تنويعات السروال مع القميص الطويل، واختلفت القصات وطرق الارتداء. وحين نتحدث عن معركة النساء لارتداء السروال، ينبغي أن نحدد أي نساء، وفي أي مجتمع، فتاريخ خزائن النساء يختلف بحسب الجغرافيا.

إذ يروي متحف المتروبوليتان للفنون، في مدينة نيويورك، أيضاً أن سيدة تدعى نان كيمبنر منعت من دخول مطعم في المدينة عام 1968، لأنها كانت ترتدي بدلة بسروال من إيف سان لوران، فخلعت السروال ودخلت بالسترة كأنها فستان قصير. وكان المصمم قد قدم بدلة "لو سموكينغ" النسائية عام 1966، ولكن بعض حراس الأنوثة لم يقتنعوا بها فتعثر السروال عند الباب. وهذا يذكر بقصة الممثلة الأميركية كاترين هيبورن في ثلاثينيات القرن الماضي، وكانت ترتدي السراويل باستمرار في استوديوهات هوليوود، فحاولوا منعها من ذلك مراراً بإخفاء سراويلها، فما كان منها إلا أن تجولت في استوديو التصوير بملابسها الداخلية إلى أن أعادوا لها سراويلها.

وفي ملابس الصغيرات أيضاً، قد يغيب حتى الجيب الذي يفترض أن يكون تفصيلاً بسيطاً. وقد تحتاج الطفلة إلى مكان لحصاة أو ورقة شجر أو شيء لا نعرف سبب الاحتفاظ به، وليس عليها انتظار الهاتف والمفاتيح كي تستحقه. أما الخط المخيط الذي يوحي بوجود جيب، فيجيد التنكر أمام المرآة بطريقة منافقة، ثم يتركنا نحمل مقتنياتها عنها.

الزهري للصبيان والأزرق للبنات

لا تبدأ التعليمات بطول قطعة الثياب أو اتساعها فقط أو وجود جيب حقيقي، إذ يسبق اللون لإعلان هوية صاحبته، فالزهري الذي نراه مناسباً للبنت لم يحمل دائماً هذه الدلالة. وتنقل مؤرخة الملابس جو باوليتي توصية تجارية أميركية عام 1918 بالزهري للصبيان باعتباره أقوى، وبالأزرق للبنات لأنه أرق. بعدها اختلفت التوصيات بين المتاجر، ولم تكن تلك قاعدة موحدة انقلبت لاحقاً. لكن اللونين اللذين نوزع بهما الهدايا لم يتسلما مهمتهما الحالية من الطبيعة، وكثيراً ما عبرا في أذواق وتوصيات متناقضة حتى استقرا كدستور لا يقبل الجدل في عصرنا، على رغم محاولة بعضهم التملص منهما إلى ألوان أكثر حيادية كالأصفر والبرتقالي والأبيض والبيج والأحمر.

ويمكن أن تختار البنت الزهري وتظل قادرة على تسلق شجرة، كما أن إلباسها الأزرق لا يحررها تلقائياً من توقعات الأنوثة المنتظرة. وما يضيق عليها هو أن يصبح اللون شهادة على انتمائها بجدارة إلى البنات، وأن يحتاج خروجها عنه إلى تفسير.

جنسنة الثياب

وفي دراسة "ارتداء الجاذبية الجنسية: تحليل محتوى لوجود خصائص تضفي طابعاً جنسياً على ملابس الفتيات"، المنشورة في "سيكس رولز" عام 2011، فحصت سامانثا غودين وزميلاتها المعروض على مواقع 15 متجراً أميركياً، بمقاسات تقع عموماً بين السادسة والـ14. وجدن في نحو 30 في المئة سمات صنفنها ضمن "الجنسنة"، كإبراز أجزاء من الجسد واستعارة تفاصيل مرتبطة بالإغراء في أزياء البالغات. وقد جمعت معظم القطع المصنفة كذلك هذه السمات مع عناصر طفولية، قد تحمل القطعة رسماً طفولياً وقصة تستعير تفاصيل أزياء البالغات في الوقت نفسه.

وعندما نقول إن الطفلة اختارتها بنفسها، ننسى أحياناً من الذي انتقى الثياب المعروضة قبل وصولها، وما الذي غاب عن الرف من خيارات، إذ يسبق اختيار الطفلة وأمها مصمم ومتجر وإعلان وأحياناً خط تصميم كامل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أميرة باهتمامات أخرى

وفي حكايات ما قبل النوم التي ورثناها، يساعد الثوب سندريلا في الوصول إلى الحفلة وتغيير حياتها، فيما يتولى الحذاء الزجاجي مهمة التعرف إليها. نجح الحذاء في تدبير الزواج أكثر مما نجح في الهرب على الدرج. وقد يكون من أطرف الكاريكاتيرات على وسائل التواصل اليوم، عندما يأتي الأمير ليقيس الحذاء الزجاجي لقدم سندريلا ويصرخ أنها هي، تغضب لأنه استطاع تمييز قدمها ولم يحفظ وجهها.

المهم، أننا حين نشتري نسخة للصغيرة من ثياب وإكسسوارات الأميرات، علينا أن نتذكر أن صاحبة الفستان ستحتاج إلى دخول الحمام وصعود الأرجوحة واللعب بالتراب قبل وصول أي أمير!

خصوصاً أن لفستان الأميرة تعليمات للمحافظة عليه، والانتباه لهندامه وحجمه والقطع المرصوصة عليه، إضافة إلى ضرورة عدم اتساخه ليبقى حاضراً للصورة، وننسى أن الأميرة الصغيرة في ذهنها ألعاب وشتى وخطط لتسلق شجرة ربما.

لا يتوقف الأمر فقط على اللباس، إذ يمتد أكثر بالألعاب التي تتاح للأطفال، وفي بحث "خصائص ألعاب الصبيان والبنات" عام 2005، وجدت جوديث بلايكمور ورينيه سنترز أن تقييمات لبالغين ربطت ألعاب البنات بالمظهر والرعاية والمهارات المنزلية، وألعاب الصبيان بالمنافسة والإثارة والعنف، ونالت الألعاب المحايدة جندرياً أو المرتبطة بالصبيان بدرجة معتدلة تقييمات تعليمية أعلى.

هذا الفصل بين الألعاب يبدو وكأنه يوجه الطفلة في سنينها الأولى لتنتهج الصورة التي يحبذها لها المجتمع عندما تكبر، على رغم وجود حيثيات أخرى لدمج الألعاب بين الأطفال بحيث يختار كل طفل ميله للعبة معينة من دون أحكام جاهزة عما إذا كانت ستؤثر بميوله الجنسي لاحقاً. فلا بأس بأن يتسع المطبخ الصغير لأخ يطعم الدمية، وبأن تجد أخته قطعاً تبني بها شيئاً إلى جانب الأطباق التي رتبتها، وأن يشتركا في بناء برج.

أمهات أمام الخزانة

وفي البيوت تتداخل هذه الأسئلة مع ذكريات الأمهات وأذواقهن وما تستطيع كل واحدة التفاهم عليه مع ابنتها، بعضهن يرين في الزينة متعة افتقدنها، وبعضهن يميزن بين فستان للمناسبة وثياب لنهار طويل.

وحين سألت أمي، بدأت من خزانة كانت ملابسها تنتقل بين الأطفال، قبل أن يكون لكل جنس رف خاص. إذ تستعيد أمي قطعاً كنا نتوارثها في العائلة، بين صبي وبنت، من دون التدقيق في هوية مرتديها السابق، وتتذكر ملابس أساسية مشتركة في الأسواق أكثر مما تراه اليوم. كانت تحب إلباسي وأختي الفساتين في الزيارات والمناسبات والأعياد، وتقول "كنت أحب أن أراكما بالفساتين، لكن ليس كل يوم. كيف ستلعبان وتركضان بها؟ ستتسخ أو تتمزق". كانت تفكر بالغسيل والتمزق، في حين تسبق الصورة أحياناً هذه الحسابات في مشترياتنا اليوم.

أما هنادي مالك، الأم لثلاثة صبيان، فكانت تنتظر ابنة في كل حمل. اشترت ملابس للبنات مرتين قبل معرفة جنس الجنين، ولم تلبسها لأبنائها بعدما ولدوا، لأنها رأت فيها أنوثة لا تناسبهم. ما زالت تستمتع بشراء هدايا لبنات أخواتها، وتجد خيارات الصبيان متشابهة وفقيرة بالإبداع والتصميم.

تتضح رغبتها حين تتحدث عن طفولتها، فتاة بشعر قصير وأذنين بلا أقراط، ولقب "حسن صبي"، لا تتذكر صوراً تظهر فيها بالهيئة الأنثوية التي كانت تتمناها. تقول إنها لو أنجبت ابنة لمنحتها الشرائط والفساتين والأحذية والألعاب التي افتقدتها، وتسأل "لماذا لا نظهر أنوثة البنت منذ صغرها؟ ولماذا لا تشعر بأنها أميرة؟".

وترى هنادي السروال القصير أجمل على البنت، وتستشهد بثقب أذني المولودة ووضع الأقراط فيهما لإظهار أنها أنثى في العمر الذي يصعب فيه التمييز بين الجنسين. ولا ترفض مكياج الصغيرات، معتبرة أنه جزء مما يشاهدنه ويطلبنه، لكنها تشترط سلامة المنتجات وألا يتحول المظهر إلى هوس. ووراء رغبتها في التزيين طفلة تتذكر ما افتقدته، وتتخيل تعويضه في ابنة لم تأت.

وتحب بتول كركوز، أم ياسمينا وسارة، التطريز والدانتيل في فساتين بناتها للزيارات والمناسبات، لكنها تفرق بينهما وبين اللباس اليومي. تقول "لا أرى ضرورة لأن ترتدي البنت فستاناً وحذاء باليرينا كل يوم، المهم أن تكون مرتاحة، وأن تبدو ملابسها جميلة ومرتبة". وتلاحظ، عند مقارنة محال الثياب، أن ثياب الصبيان أوسع أو أطول أحياناً.

تركت بتول لابنتيها حرية اختيار الألعاب، فياسمينا، التي تبلغ اليوم 15 سنة، أحبت باربي والأميرات والبيوت والمطابخ الصغيرة، وأحبت أيضاً الليغو والطائرات والسيارات والحافلات، مفضلة الزهري في معظمها. أما سارة، ذات السنوات الثماني، فتميل إلى البلايستيشن والألعاب الإلكترونية والفك والتركيب، ولم تشغلها باربي كثيراً.

 

ولم ينسحب هذا الاختلاف على المكياج كما قد نتوقع، فلقد خفت اهتمام ياسمينا به مع الوقت، بعدما كانت أمها تتحفظ عليه ثم سمحت بمنتجات مسوقة للأطفال. أما سارة فتحب أن تكون علبتها جاهزة في غرفتها، ولو لم تستخدمها بكثرة. تسمح بتول بذلك ما دام الاستخدام محدوداً، والأخت التي أحبت الأميرات فقدت حماستها للمكياج، والأقل اكتراثاً بهن تحتفظ به قريباً منها.

من جهتها أحبت ريزا داوود الكشكش ومشابك الشعر على ابنتها ساشا، وترفض تفسير اختيارها بوصفه محاولة لإضفاء جاذبية جنسية عليها. كانت تريدها طفلة لطيفة كالدمية، وتحرص على راحتها. ولم تنشغل بغياب الجيوب عن ملابسها، إذ وجدت حقيبة الظهر عملية. لكنها اليوم تفرح هي بفستان تشتريه لنفسها إن كان مزوداً بجيوب، وتسارع إلى ذكر الميزة حين يمتدحه أحد. فللجيب في فستان امرأة وقع اكتشاف يستحق الإعلان!

وكان موقف ريزا أشد من الألعاب، فرفضت باربي لارتباطها في ذهنها بالمظهر، وأعادت الهدايا التي تلقتها ابنتها إذا كانت من الغسالات والمكانس وأدوات المكياج إلى أصحابها. واختارت ألعاباً تعليمية لساشا ولأخيها راوول، كما رفضت مسدسات الألعاب له أيضاً. لم ترد تدريب واحدة على التنظيف والآخر على إطلاق النار، تحت عنوان تسلية الأطفال.

وفي عمر السابعة تركت لساشا اختيار ملابسها، فمالت الفتاة إلى الأسود والدانتيل وبعض ملامح الأسلوب القوطي، فاحترمت أمها ذوقها وإن لم تشاركها إياه. أما مستحضرات التجميل وطلاء الأظافر والأظافر الاصطناعية، فمنعتها كلياً في طفولتها، وكانت تكثر من الإطراء على عينيها وشفتيها لتقنعها بأنها جميلة من دون إضافات.

في الـ14 من عمرها، طلبت ساشا استخدام الأيلاينر مثل صديقاتها، فوافقت ريزا. أرادت أن تفهم ابنتها الفرق بين استعماله لأنها تحبه، والشعور بأنها تحتاج إليه لتصبح جميلة بما يكفي.

في حقيبة أمها

قبل أن تصبح مستحضرات التجميل موضوع أخذ ورد بين الطفلات والأمهات، وقبل أن تفرد لها المنصات صفحات وفيديوهات، وينتعش منها سوق كامل، تكتشف الصغيرة خزانة أمها. فتنتعل حذاء تغيب فيه قدماها، وتجر حقيبة كبيرة، وتوزع أحمر الشفاه بكرم يتجاوز حدود الفم ويصل أحياناً إلى الأثاث. نضحك ونقول إنها تشبه أمها، في حين قد تمر محاولتها تقليد أمها وهي تقرأ أو تعمل أو تصلح شيئاً باهتمام أقل، مع أن المرأة التي تقلدها تفعل هذه الأشياء أيضاً، ولا تقضي يومها كله أمام المرآة.

ثم نشتري للطفلة حقيبة تجميل تخصها، ربما أملاً في إنقاذ أدواتنا. فتبدو الهدية امتداداً لخط مزاح الطفولة المبهج، لكنها تحمل اختيارنا كأن هذا نشاط يستحق أن نجهز الطفلة له، بدل أن تبقى مجرد لعبة عابرة، تتحول إلى اهتمام متكرر نغذيه بالهدايا والصور والتعليقات.

وخارج حدود الهدايا المنزلية، هناك حسابات أكبر. إذ تقدر شركة "TechSci Research" السوق العالمية لمستحضرات تجميل الأطفال بنحو 1.79 مليار دولار عام 2025، وتتوقع بلوغها 2.45 مليار عام 2031. يشمل التقدير التجاري العناية بالبشرة والعطور والمكياج للأطفال، وليس مكياج البنات وحده. لكنه في الواقع يخبرنا أن سوقاً موازياً لسوق المستحضرات المخصصة للسيدات بات ينتظر مستهلكه الصغير الذي لا يملك ثمن الأغراض، لكنه قادر على استدرارها من جيوب الأهل.

وفي ظاهرة "طفلات سيفورا"، تتحول المستحضرات إلى أسماء محفوظة وروتين مصور وجمهور يراقب ويعلق. استعارت هذه الظاهرة اسم سلسلة المتاجر، لكن الكاميرا تنقلها إلى غرف الصغيرات، إذ يمكن لخطوات استعمال المنتجات أن تصبح محتوى تقدمه الطفلات أحياناً بإرشاد ومساعدة الأمهات، وأحياناً يصبح المردود المالي أو الشهرة محفزاً لإنتاج حلقات جديدة وشراء لمستحضرات جديدة.

ويبدو المكياج مثل الألعاب ومثل الثوب يحاول حشر الطفلات في مسار الأنوثة المفترضة منذ الصغر، كأنه يخشى أن يكون لهن أنوثتهن الخاصة التي يخترنها، وقد تحرم المجتمع الاستهلاكي حصته من جيوبهن عندما يكبرن.

مكان للطفلة داخل الثوب

في هذه السوق الاستهلاكية عرضت شركة "Primary" ملابس للرضع والأطفال، من دون تقسيمها إلى صبيان وبنات. وتشرح مسؤولة التصميم التقني لوري إيدسو، في مقابلة نشرتها الشركة عام 2024، أنها لا تحتاج إلى تصميم منفصل للجنسين في المقاسات حتى السابعة، ثم تأخذ قياسات إضافية للأجسام الأكبر. وتترك اتساعاً حيث لا يلزم الالتصاق بالجسم، وتختبر القطع على أطفال، وتستمع إلى شعورهم فيها قبل طرحها في السوق.

وتربط إيدسو بين الفصل في التصميم وصعوبة توريث الملابس بين الأطفال، مما يدفع إلى شراء المزيد. قطعة يستطيع أن يرتديها الأخ بعد أخته توفر على البيت نفقة جديدة، وليست كل أسرة قادرة على اختيار علامة متخصصة أو دفع ثمن اعتراضها على المعروض، ولهذا تعتبر أن البدائل في المتاجر اليومية مهمة، إذ يشتري الناس ما يسمح به دخلهم.

وتبيع "Princess Awesome" فساتين للعب بجيوب وطبعات ديناصورات ومواضيع علمية، ويبدو الجمع بين هذه الأشياء بسيطاً، لكنه يعيد للفستان احتمالات ضيقتها لها الرفوف، إذ يمكن لصاحبته أن تحب دورانه وتحب الديناصورات وتحتاج إلى حفظ حجر في جيبه في آن.

أعود لابنتي، وأعرف أنني سأضعف مجدداً أمام قطعة جميلة. لا أريد لخزانتها أن تحمل مهمة إصلاح المجتمع، لكنني أستطيع أن أنتبه إلى اللحظة التي يصبح فيها إعجابي بالثوب عبئاً عليها. إن احتاجت إلى شده كلما جلست، أو توقفت عن اللعب خوفاً عليه، فهناك شيء يستحق التبديل قبل أن أطلب منها أن تنتبه، وسيكون الثوب حتماً!

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات