سيناريوهات تشكيل الحكومة العراقية المقبلة

تغلب المصالح الحزبية على الضرورة الوطنية الملحة والمعالجة السياسية للواقع الجديد

جمع محمد توفيق أوراقه حزيناً مكسوراً معتذراً للرئيس برهم صالح ليعلن فشل مهمته (أ.ف.ب)

يقفُ الساسة الشيعة في العراق أمام فقدان زمام المبادرة لإدارة ملف الحكومة المناط بهم، إثرَ مشروع المحاصصة السائدة التي كرّستها العملية السياسية بعد عام 2003 من دون سند دستوري أو قانوني.

فأبناء الطائفة الذين يشكلون ما يربو على 65 في المئة من مجموع السكّان البالغ عددهم نحو 38 مليون نسمة، خرجوا مطالبين بإسقاط سياسييهم جراء فسادهم طوال تلك السنوات! وهذا الأمر يهدد بفقدان سيطرة المتحكّم السياسي المتمثل بالأحزاب وتيارات السلطة، ويبرزُ "أزمة حكم" غير مسبوقة، بالنسبة إلى الطبقة الحاكمة التي تسعى جاهدة الآن لفرض رئيس حكومة شيعي أسقطته مسبقاً تلك الاحتجاجات، وعصفت بمنطق المحاصصة السياسية.

علاوي: مصالح السياسيين هي السبب
هذه المعطيات وسواها حالت من دون تقدم المكلف تشكيل الحكومة في العراق محمد توفيق علاوي في استكمال كابينته الوزارية، ودفعته إلى الاعتذار للشعب من خلال خطاب متلفز ألقى فيه باللائمة على "جشع السياسيين"، الذين رجّحوا مصالحهم الخاصة على مصالح الشعب، فانتهت المهمة التي كُلّفها من قِبل رئيس الجمهورية برهم صالح وفق الأطر الدستورية، حتى قبل أن تبدأ.

لغم المحاصصة وتفجير المواقف
المحاصصة كانت حاضرة وضاغطة، وحالت من دون تشكيل حكومة من الكفاءات التي بحث عنها علاوي، فالأخير واجه خصوماً عنيدين لم يكن من ضمن أجندتهم إرضاء الشعب الغاضب، بل رضا رؤساء الكتل والأحزاب النافذة التي جاء لها علاوي موالياً حيناً وممانعاً أحياناً، حتى يسيّر عربة تشكيلته المقترحة، التي رفضها السُّنة والكرد ونصف الشيعة ممن تقاتلوا على الحقائب الوزارية ذات الميزانيات الكبرى!

علاوي حاول استرضاء الكرد باستحداث وزارة "شؤون الإقليم"، وأتاح لهم فرصة ترشيح وزراء جدد من المكون الكردي، والحال نفسه مع السُّنة العرب الذين وجدوا في تشكيلته تخطياً لإرادة المكون ومحاصصة في توزيع الوزارات التي صارت معياراً وميزاناً تقاس بها الحكومات العراقية بُعيد الاحتلال .

لكن، رغم كل ذلك سقط محمد توفيق علاوي بالنقاط، وليس كسقوط سلفه عادل عبد المهدي بالضربة القاضية المتمثلة بالتظاهرات وإصرار الشعب على تنحيه، فجمع أوراقه حزيناً مكسوراً معتذراً للرئيس برهم صالح، ليعلن فشل مهمته رغم الدعم الكبير الذي وجده من مرجعية النجف.

محمد علاوي مرشح المرجعية غير المعلن
يرجّح سياسيون عراقيون بأن ترشيح محمد علاوي مرضٍ عنه من محمد رضا نجل المرجع علي السيستاني، فقد كان والده الوزير الأسبق توفيق علاوي من دافعي الخُمس الأبرار، والمصنفين بامتياز بالتزامهم هذه القاعدة الشيعية التي ترى المرجعية بأنها معيار للتقوى للذوات المواظبين عليها على أسس شرعية، وكان المكلّف علاوي أيضاً من المصنفين بامتياز بالتزام هذه القاعدة التي دأبت عليها أسرته الثرية ذات السمعة الطيبة بين النخب الشيعية.

خيبة أمل السياسيين الشيعة
إزاء هزيمة عبد المهدي ومحمد علاوي كمرشحَين شيعيين بارزَين، شعر السياسيون الشيعة بالهزيمة والإحراج أمام جمهورهم، فبات من الصعب ترشيح شخص آخر يُقبِل عليه الجميع من المكون الشيعي المنقسم والمتقاطع مصلحياً وسياسياً في منافعه وانقساماته الأيديولوجية والحركية.

فـ"حزب الدعوة" مغضوب عليه من قِبل الطائفة، ومتهم بتكريس مجتمع الفساد، وإفقار الشيعة وإخراجهم من زمن الطفرة النفطية وتأخر حياتهم. وكذلك الأمر مع أتباع "التيار الصدري" الذي لم يتمكّن من فرض محمد توفيق علاوي بعد أن وافقوا عليه وساندوه، وكانوا المساهم الأول في إسقاط عبد المهدي والمطالبين بمحاكمته. و"قائمة البناء" بزعامة هادي العامري الموالية إيران والمتمثلة لمصالحها علناً التي أرادت فرض المكلف الجديد عبثاً، إضافة إلى ذلك يوجد "تيار الحكمة"، الذي يطالب بمواقع معينة نافذة لبعض أعضائه تستجلب لهم الإيرادات وتكرّس النفوذ.

وهكذا، ليبقى في المواجهة رئيس الحكومة المطلوب للعدالة والمعزول بإرادة شيعية - شعبية والمطلوب للمساءلة القانونية، هو ومن رشّحه وتخندق معه في ضرب المتظاهرين، وحصاد نحو سبعمئة قتيل وأكثر من ثلاثين ألفاً من شباب الانتفاضة والحراك الشعبي ممن أصيبوا وأصبحوا يعانون إعاقة جسدية.

مشهد معقد يضفي صعوبات أخرى
كل هذه الأزمات تجعل مشهد تولي رئيس حكومة جديد أكثر صعوبة بعد ضياع فرصة محمد علاوي الأخيرة التي كانت بمثابة طوق نجاة للسياسيين الشيعة لاسترضاء مكونهم، الذي حلف بالطلاق لإخراجهم من الحكم بالتظاهر والاحتجاج.

وهنا تبرز مسألتان شائكتان: الأولى المحاصصة التي لا تتيح لأي رئيس حكومة قادم أن يختار كابينته الوزارية بنفسه من كفاءات مشهودة من دون تدخل المكونات والكتل الأخرى التي توزّع الاستحقاقات في الترشيح على نتائج الأصوات البرلمانية، وبهذا تغلب المصالح الحزبية على مصالح الضرورة الوطنية المُلحة والمعالجة السياسية للواقع الجديد الذي فرضته انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، كي يرتقي بمطالب المحتجين المعتصمين في الشوارع حتى الساعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والثانية إصرار فصائل مسلّحة على فرض أسماء معينة تخدم مشروعاتها، وترضي أجندة إيران في الاستمرار بتعويم الدولة العراقية لمصلحتها ومكانتها ومشروعاتها الإقليمية، وسعيها لفرض المرشح الأكثر قدرة على الاستجابة لتنفيذ أوامرها.

فقد لوّح فصيل من كتائب حزب الله أخيراً بما وصفه "إحراق العراق" بعد فشل مهمة محمد توفيق علاوي غضباً على إسقاط المشروع، وشدد على التجديد لرئيس الوزراء عادل عبد المهدي المرفوض شعبياً، جاء ذلك على لسان الناطق باسم الكتائب المدعو أبو علي العسكري بقوله: "من الأفضل التمسُّك بعادل عبد المهدي، وإعادته إلى مكانه الطبيعي، لتجاوز ما لم يُجرَ تجاوزه"، مشيراً إلى أن رأي المرجعية وراء استقالته، وإذا جرى رفع هذا المانع سيستمر تكليفه وإتمام مهامه.

غير أن عودة عادل عبد المهدي إلى السلطة من جديد تعني إشعال حرب جديدة في الشارع العراقي الغاضب بين المحتجين والأحزاب وأجنحتها المسلحة، التي تريد كسر شوكة الاحتجاجات، وثني المحتجين من خلال هذه المسألة، وليس حباً في عادل عبد المهدي الذي خرج مبرراً مقتل وجرح الآلاف بأنه من عمل ما سمّاه بـ"الطرف الثالث"، من دون تشخيص من هو هذا الطرف الذي قتل وجرح كل أولئك المتظاهرين بأسلحة الدولة، وظلوا بلا محاكمة!

بلاسخات: اختيار رئيس الحكومة ما عاد هيناً
من جهتها أكدت هينيس بلاسخارت ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة الخاصة في العراق، أنّ ترشيح رئيس حكومة أضحى محفوفاً بالمخاطر، بسبب ما وصفته بعجز العراق كدولة أمام الفصائل المسلحة، مشيرة إلى أنّ الصورة الأمنية "معقدة وولاءات الكيانات المسلحة غير واضحة".

ودعت بلاسخارت إلى "إصلاح منظومة الانتخابات المستقلة"، واعتبرت أنها حاجة ملحة وضرورية، وأكدت أن طريق اختيار مرشح لرئاسة الوزراء "ليس سهلاً"!

مرشحون شيعة جدد
أمام هذا الواقع المر والملتهب برزت ثلاثة أسماء جديدة، يتقدمهم رئيس جهاز المخابرات مصطفى الكاظمي المدعوم أميركياً، ومن بعض القوى العلمانية، إضافة إلى نائب رئيس ديوان الرئاسة نعيم السهيل ابن عم السفيرة العراقية الشهيرة صفية السهيل، والسياسي الشيعي علي الرفيعي، وكلهم مدعومون من قِبل رئيس القائمة الوطنية إياد علاوي.

لكن، فرصة الكاظمي هي المرجّحة على حد وصف عدد كبير من الإعلاميين والمتظاهرين، لأنه كان الندّ القوي لأصحاب الأسلحة المنفلتة من خارج سيطرة الدولة، الذي كشف الجهات التي تتعرض للمتظاهرين، ووفّر نوعاً من الحماية لهم! بل قام باعتقال عدد من عناصر الميليشيات.

من هو مصطفى الكاظمي؟
وفق معلومات مؤكدة من مقربين له "هو مصطفى لطيف آل مشتت الغريباوي ولد عام 1964 في الكاظمية بغداد، معلم ترعرع ودرس في قضاء الشطرة في محافظة ذي قار، هاجر والده لطيف آل مشتت إلى بغداد سنة 1963، سكن الكاظمية، المدينة الشيعية الأهم في بغداد، أمّا مسألة إناطة مهمة رئاسة جهاز المخابرات لمصطفى فقد كانت مفاجأة للجميع بتزكية أحمد الجلبي وقتها، وقد سبق ذلك عمله في الصحافة العراقية، إذ أحرز تقدماً، وقد كان مع الرئيس برهم صالح، الذي سعى لترشيحه وتكليفه قبل محمد توفيق علاوي، لكن كانت هناك ممانعات من بعض قوى الإسلام السياسي الشيعي، فقد تعهد حال تسلمه المنصب إعادة هيبة الدولة، وحصر السلاح بيد الجيش والشرطة، والتخلص من السلاح المنفلت، ما استفز خصومه من الساسة الشيعة، الذين يعارضون ذلك، بدعوى استمرار المجابهة مع (داعش) وسواه"!

وحال بروز اسمه تلقّى أول تهديد بالتصفية من كتائب حزب الله، الذي اتهمه بالتواطؤ في مقتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، ما دفع جهاز المخابرات إلى إصدار تحذير وتهديد علني لأصحاب هذا التهديد، واتباع الصيغ القانونية لملاحقتهم.

أمّا نعيم السهيل، المرشح الآخر لمنصب رئيس الحكومة، فإنه من قبيلة تميم بغداد، وهو يشغل حالياً منصب نائب رئيس ديوان الرئاسة في جدول المحاصصة الشيعية، وقد عمل مع إياد علاوي في حركة الوفاق، وهو شخصية مرضٍ عنها، ولا ملاحظات حادة عليه.

عودة التكليف لعادل عبد المهدي
لكن، السيناريو المرجّح في حال عدم قبول هذه الأسماء يكمن في اسمين يتكرران لدى القوى الشيعية السياسية، التي تحرص على مرشح تسوية بإبقاء عادل عبد المهدي الأكثر طاعة واستجابة إلى مشروعهم، الذي أعلن موافقته على استكمال توليه المسؤولية من جديد، رغم الاستقالة السابقة حتى يحين موعد الانتخابات العامة نهاية هذا العام، والذهاب إلى حكومة مُنتخبة جديدة وفق معطيات ونتائج الأزمة الأخيرة والاحتجاجات.

لكن يقول الكاتب العراقي باسم الشيخ، إن هناك احتمالية إجراء نوع من "التجحيش" السياسي بإعلان اسم مرشح جديد، ثم إسقاطه وإرجاع محمد توفيق علاوي مرشحاً جديداً بعد أن يكون قد التقط أنفاسه، وأجرى تسوية على قائمة كابينته الوزارية.

أزمة الحكم من فعل المحكومين
كل تلك المتغيرات تكشف حجم الأزمة التي يعيشها المكون السياسي الشيعي الذي ينتفض عليه شيعة العراق ممن ملّوا فساد السلطة، وخرجوا يهتفون بعد أن أحرقوا قنصليات إيران في البصرة والنجف ومدن أخرى، ومقرات الأحزاب في المدن الشيعية، لا سيما الناصرية الثائرة، لأن أعضاء الأحزاب ظنوا خطأ أن العراق دخل في ماكينة الحرس الثوري، وصار جزءاً من آلياته من دون معرفة دقيقة بنوع المجتمع العراقي وعروبته ووطنيته المتجذرة، التي رفضت كل النظام السياسي القائم بعد أن أدركت سعيه لربط العراق بمشروع إقليمي تقوده إيران يوظّف العراق وموارده لمصلحتها، ويستنزف موارد البلاد بشراكات تنتج عنها آليات القتل والفساد، وتأخير عجلة التنمية في بلد مخرب.

إن استمرار التظاهرات رغم العنف المفرط يجعل الحاكمين الجدد غير قادرين على المتابعة في مواجهة الشعب، وإقصائه من مشهد المواجهة.

المزيد من متابعات