Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لهذه الأسباب لا يتحول الحراك الشعبي العراقي مشروعا يفرض التغيير؟

الأحزاب الحاكمة تستثمر الانقسامات المجتمعية لإطالة أمد بقائها في السلطة

لا يمكن تخيل تلاشي حركة الاحتجاج العراقية الواسعة، من دون أن تصنع مشروعاً سياسياً جديداً، مغايراً، يتظاهر من أجله عشرات الآلاف منذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وقدموا في سبيله آلاف القتلى والجرحى والمعوقين والمغيبين، لكن الواقع أن التفاؤل بإمكان الوصول إلى هذه النتيجة ليس كبيراً.

منذ بدء الحراك الشعبي العراقي، قيل على نطاق واسع، إنه يجب أن يظل بلا قيادة، وهدف ذلك تضييع فرصة الطبقة السياسية وأحزابها من أن تسعى وراء رؤوس التظاهرات باستمالتهم أو ترويعهم أو تصفيتهم، كما حدث مع كثيرين. ومع أن الدعوة إلى تغليب القيادة الجماعية على الفردية، كان لها الأثر الأبرز في نجاح جهود التحشيد وإقناع السكان بأن هذه التظاهرات تمثل إدارة شعبية صرفة، بعيداً من الأيديولوجيات الدينية والسياسية وغيرها، إلا أنها في إحدى جوانبها القاتمة، تركت حركة الاحتجاج من دون موجّه، ما أضرّ بها كثيراً، لجهة الانقسامات الكبيرة والخلافات المستمرة حول عدد من الأمور الصغيرة.

انقسامات التحرير

جسدت ساحة التحرير في بغداد، عمق الأزمة التي تعانيها حركة الاحتجاج منذ أيامها الأولى، ولأنها قلب التظاهرات في عموم البلاد، أصبح الحصول على موطئ قدم فيها، مسألة جوهرية لأطراف تعتقد أنها جزء من الشارع العراقي، كالحركات المدنية والشيوعية وبعض التيارات الإسلامية. ما فتح الباب باكراً على المنافسة الخفية في ما بينها، حتى صارت عملية إصدار بيان يمثل المتظاهرين داخل الساحة أمراً معقداً يتطلب توافق جهات متعارضة من الأساس ولا يطيق بعضها بعضاً.

استمر هذا التنافس الخفي بين المجموعات والتيارات المدنية واليسارية والدينية داخل ساحة التحرير طيلة أيام الاحتجاج، وأصبح عاملاً حاسماً في الرد على المطالب المتزايدة بضرورة فرز قيادات واضحة للحراك، تقوده وتوجهه نحو تحقيق أهدافه وتساعده في تلمس بوصلته خلال الانتخابات، التي أعد البرلمان قانوناً جديداً لها.

تطور النقاش في هذا الشأن حتى تحول خلافاً علنياً، إذا ما تقاطعت التيارات في ما بينها داخل التحرير، وبدأ بعضها يضرب الآخر إعلامياً، فتعمّق الانقسام، وتحوّل إلى خصومة، استلهمت قوتها من إرث العلاقات بين الأطراف.

كان هذا الواقع كفيلاً بتدمير أي مشروع لصناعة قادة لهذا الحراك أو بناء مشروع سياسي يستلهم زخمه، وهو أمر بات من المسلمات بالنسبة إلى النشطاء، الذين آمنوا بأن الانقسامات والتناقضات التي تشتمل عليها حركة الاحتجاج أكبر من أن تسمح بتوجيهها لصنع التغيير.

قيادة من خارج التحرير

أمام هذا الواقع، حاول ساسة ونشطاء من خارج ساحة التحرير، أن يطرحوا أنفسهم ممثلين عن الحراك كله أو جزء منه، كما فعل النائب عن التيار المدني فائق الشيخ علي، والناشط الحقوقي مهند الكناني والناشط المدني علاء الركابي.

تبنى الشيخ علي خطاباً حاداً ضد السلطات العراقية بعد تورطها في قمع المتظاهرين، ولاحقاً حمّل الميليشيات الموالية لإيرانية مسؤولية الاعتداءات التي تطاول المحتجين من قنص ورصاص حي وقنابل مميتة واغتيال واختطاف وترهيب، ما منحه مساحة شعبية واضحة في ساحة التحرير، وضمن إدراج اسمه مع قائمة المرشحين لرئاسة الحكومة الجديدة، خلفاً للمستقيل عادل عبد المهدي.

وحتى الآن، هناك من يعتقد أن الشيخ علي، ربما وسّع من دائرة شعبيته، وقد يحصد عدداً من المقاعد في أي انتخابات تشهدها البلاد قريباً.

ينتمي مهند الكناني وعلاء الركابي إلى صلب الحراك، أكثر من الشيخ علي، وبدا أنهما ينسقان أدوارهما، بعدما أعلن كل منهما على حدة، ترشيح نفسه لتشكيل الحكومة الجديدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويحظى كل من الكناني الذي ينحدر من مدينة كربلاء والركابي الذي ينحدر من مدينة الناصرية في جنوب البلاد، بمتابعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ يحرص كل منهما على التواصل مع الجمهور لبث الحماسة أو إطلاق التوجيهات.

ولكن، على الرغم من الاهتمام الذي يحظى به كل من الكناني والركابي، إلا أن أياً منهما لم يتحول رمزاً شعبياً يوحد جماهير الساحات في بغداد والمحافظات.

ويقول مراقبون إن كلاً منهما ربما يفتقر إلى الكاريزما والحنكة السياسيتين، فضلاً عن نشاط كل منهما بعيداً من ساحة التحرير، في بغداد، ما يحدّ من فرصهما للوصول إلى الزعامة الوطنية.

استمرار الأحزاب الحاكمة

ويطرح هذا الواقع، حقيقة أن جزءاً من الحياة السياسية العراقية، وربما هو الأكبر، سيكون من إنتاج الأطراف السياسية التي يتظاهر العراقيون ضدها منذ خمسة أشهر، لسببين رئيسيين، الأول هو قدرة هذه الأحزاب على المناورة والصمود وتقديم التضحيات للنجاة من الضغوط، والانقسامات الكبيرة في المجتمع العراقي، التي تعرقل تشكيل تيار واسع، يفرض التغيير على القوى المتحكمة في المشهد.

المزيد من العالم العربي