نساء تونس... القانون معهن والواقع ضدهن

بلغت مشاركة النساء في الحياة السياسية المرتبة 67 عالمياً

حراك نسائي للمطالبة بضمان الحقوق والحريات (الصفحة الرسمية لمنظمة النساء الديمقراطيات)

احتلت تونس في الفترة الأخيرة مراتب متدنية من حيث الفارق بين النساء و الرجال، وفقاً للتقرير السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي.

فعلى الرغم من المكاسب التشريعية التي حقّقتها تونس في السنوات الأخيرة، تشير آخر الإحصاءات إلى تدني مرتبتها إلى دون المتوسط العالمي في التصنيف، لتحتل المرتبة 124 عالمياً من بين 153 دولة.

أما مشاركة النساء في الحياة السياسية، فقد بلغت المرتبة 67 عالمياً، إذ شهدت نسبة استلامهن للحقائب الوزارية تدنياً من 23.1 في المئة عام 2018 إلى 10 في المئة عام 2019.

ويبقى الفارق بين النساء والرجال مرتفعاً بالنسبة إلى المشاركة الاقتصادية وفرص العمل، فقد تراجعت مرتبة البلاد إلى 142.

وكانت تونس تحتل المرتبة الثانية بين بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عام 2018 ولكن هذه المرتبة تدنت لكي تصبح الرابعة عام 2019.

 

القانون لا يكفي

لم تتفاجأ الناشطة النسوية بشرى بالحاج حميدة بنتائج هذا التقرير، وقالت في تصريح خاص "القانون شرط من شروط المساواة، لكنه غير كافٍ لتحقيقها على أرض الواقع، مضيفة "للأسف، عدم تضامن النساء في ما بينهن أدّى إلى توغّل الرجل في كل الميادين"، كما انتقدت "ممارسات بعض المنظمات التي تتبجّح بالمساواة وبشعاراتها، إلاّ أنّها في الحقيقة لا تطبّقها حتى في مكاتبها".

كما اعتبرت أنه حان الوقت لتغيير الاستراتيجية ولأن "نقول لهم بصراحة إن تشريك المرأة وتطبيق مبدأ المناصفة يسهم في مضاعفة الربح"، مستشهدةً بالدراسة التي أصدرها البنك الدولي والذي أكد فيها أن تطبيق مبدأ المناصفة في المؤسسات يسهم في تحسين الإنتاجية.

وبعد صدور التقرير، دعت جمعية "أصوات نساء" إلى تقدير قيمة المساهمة الفعلية للنساء في النشاط الاقتصادي من خلال تقييم العمل غير المدفوع لهن، كساعات العمل المنزلي غير مدفوعة الأجر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كما طالبت الجمعية بحصول النساء على الضمانات اللازمة لبعث المشاريع الاقتصادية، من خلال تيسير الحصول على التمويل اللازم وتمكينهن من المشاركة المؤثرة في سوق العمل، إضافةً إلى تحقيق تكافؤ الفرص في تقلّد المناصب العليا.

كما دعت في البيان ذاته الذي أصدرته الجمعية بمناسبة نشر التقرير، تفعيل أحكام القانون رقم 58 لعام 2017 المناهض لأشكال التمييز كافة ضد النساء، خصوصاً على المستوى الاقتصادي، مع زيادة معدل مشاركتهنّ في سوق العمل من خلال سياسات عامة لزيادة نسبة التوظيف.

وطلبت أيضاً إدراج التناصف الأفقي في القانون الانتخابي، ما يضمن المساواة بين تمثيلية النساء والرجال على الأصعدة الوطنية والجهوية والمحلية كافة.

تحت الرماد اللهيب

وتُعتبر المساواة بين النساء والرجال في كل المجالات حقاً تعهّدت تونس به في دستور 2014 والتزمت تحقيقه في مختلف المعاهدات الدولية المصادق عليها.

من جانبها، فسّرت أستاذة الحضارة في الجامعة التونسية زينب توجاني، تراجع نسبة مشاركة التونسية في المجال السياسي بعد الانتخابات الأخيرة بوجود عوامل عدّة، أولها بنية المجتمع الذكوري التي تسعى إلى تأكيد الهيمنة على النساء، والصعوبات التي تواجهها النساء في التوفيق بين طموحاتهنّ والتزاماتهنّ الاجتماعية، في غياب كلّي لمؤسسات تدعمها وتساعدها في حضانة الأطفال حين تكون أماً عاملة وفاعلة".

وأضافت في حديث خاص، أن "القوانين التي تُسنّ لفائدة النساء لا تكفي لتغيير واقعهنّ نحو المساواة التامة والفعلية في الفرص، للارتقاء والبروز وتقلّد مواقع الفعل"، موضحةً أن "هؤلاء يخيَّرنَ من جهة الانسحاب من الأنشطة التي تتّسم بالعنف والذكورية كالفضاء السياسي مثلاً، الذي انحرف عن مساره وسقط في خطاب مبتذل، وممارسة سياسية خيّبت آمال النساء، خصوصاً بعد خذلهنّ وعدم التصويت لفائدتهنّ في مشروع قانون المساواة".

وواصلت التوجاني تقديم وجهة نظرها لجهة تراجع مشاركة النساء في الحياة العامة، قائلةً "لقد أسهم كل هذا في إحباط فئات واسعة، إضافةً إلى الانقسامات والصراعات داخل الأحزاب التي انتمينَ إليها أو الجبهات التي عملنَ داخلها، فهنّ في كل الأحوال مهمّشات بفعل الذهنية والصراعات القائمة على التجاذب والعنف، التي تخيّر النساء عدم المساهمة فيها".

عقلية ذكورية مغلفة بالدين

وأوضحت أستاذة الحضارة في الجامعة التونسية أن "تأخّر تمكين النساء ناتج وبشكل واضح من تاريخ تكريس السلطة، التي أتاحت السيطرة العقلية الذكورية المغلّفة بالدين. وليس غريباً، وقد تصاعدت في هذه الفترة أصوات الشعبوية والحركة ذات المرجعية الإخوانية، أن يزداد تراجع حضور المرأة في المشاركة السياسية مثلاً، ذلك أن هذه الانتخابات أفرزت اتجاهاً لا يعبّر عنهنّ، وإنما يكرس الثقافة الشائعة وهي ثقافة أبوية محافظة، تجد في الخطابين الإخواني والشعبوي دعائم لها".

ولكن على الرغم من قتامة الصورة، ترى التوجاني أن "التونسيات اليوم فقدن دعم السلطة السياسية لهنّ بشكل جدّي، لكنهن أمسين أقوى بالتجارب المتراكمة، التي حظين بها بفضل مساهمتهنّ المستمرة منذ الثورة في الدفاع عن حقوقهنّ والمطالبة بالمزيد"، مضيفةً "هذا التردي لا يعكس حقيقة الواقع الذي يمكن أن نصفه كما يقول الشابي تحت الرماد اللهيب، بمعنى أنه على القوى التي تظن أنها ستتخلّى عن مطالب النساء بالمساواة والتمكين، أن تعلم أنهنّ لن يتخلَّين عن حقّهن في المساواة التامة، وأنهن مواطنات لا رعايا وأنهن واعيات بطبيعة العراقيل التي تعترض طريقهنّ، ولكنهن عازمات على تحدي تلك العراقيل ومواجهتها ومواجهة موجة الشعبوية والأخونة بالصمود وبإعلاء صوت النسوية المحتج على الإهانة والتمييز، والمطالِب بالعدالة والمواطنة والمساواة. ويساندهنّ في ذلك حزام مدني واسع يؤمن بمواطنتهن وحقوقهن.

المزيد من العالم العربي