تهديد بروكسل بمعاقبة لندن بعد بريكست... الود التجاري معها أو مع واشنطن مستبعد  

توقع بريطانيا منافع مرتبطة بالتجارة نتيجة خروجها من الاتحاد الأوروبي قد يؤدّي إلى نقيض ذلك تماما

ساعة بيغ بن الشهيرة تشير إلى موعد الخروج من الاتحاد الأوروبي يوم الجمعة عند الساعة 1100 (أ.ف.ب) 

أعلم أن من المفترض علينا أن نكون جميعاً وراء مسألة الخروج البريطاني من الاتّحاد الأوروبي، وقد جعل رئيس الوزراء بوريس جونسون من مهمّته الشخصية تنشيط ما يحبّ أن يطلق عليه "تعويذة بريطانيا"، وأيّاً كان ذلك، فإنه في الحقيقة لا يبدو رائعا.

فمن الممكن تماماً في الواقع، ألا تكون للمملكة المتّحدة، مع حلول الوقت الذي يسعى فيه رئيس الوزراء إلى تجديد ولايته في حدود السنة 2024، أي صفقاتٍ تجارية ذات معنى مع أيّ طرف، وربما يجد نفسه في وسط حروب تجارية سيئة للغاية.

في ما يتعلّق أولاً بالاتّحاد الأوروبي، يبدو أن الجميع يفترض بأن المملكة المتحدة ستتوصّل بسرعة مع بروكسل إلى اتّفاقٍ بسيطٍ على تجارة حرّة بينهما بحلول نهاية السنة، لا توجد رسوم جمركية أو حصص أو إغراق (بمعنى تصدير منتجات بسعر أقلّ ممّا تكون عليه في البلد المستورد). هذا للمناسبة هو ما اعتدنا أن نطلق عليه تسمية "الخروج البريطاني الصعب من الاتّحاد الأوروبي"، وقد كان مصدر خشيةٍ كبيرة حتى من جانب معظم مؤيّدي المغادرة. حتى إذا كان الجدول الزمني قصيرا، وفي الواقع إن الجدول الزمني قصير والموعد النهائي صعب، فإن الضغط السياسي والاقتصادي على الجانبين لتسوية جميع القضايا سيكون مكثّفا، وسيتمّ التوصل إلى "صفقة" لا تختلف عمّا كانت عليه في الخريف الماضي.

ربما من الصعب تصديق أن ذلك قد يحدث، لكن قد تكون هناك بعض المضاعفات. فقد حذّرت شخصياتٌ ليس أقلّها ستيفان دو رينك من ذلك. فكثير منّا لا يعرفون هذا "اليوروقراطي" الرائع، فهو كبير مستشاري ميشيل بارنييه كبير مفاوضي الاتّحاد الأوروبي، وشخص يتوجّب على بريطانيا أن يكون لديها سبب للخوف منه. فالخبير دي رينك يتحدّث علناً عن "عقوبات" غير محدّدة يمكن أن يفرضها الاتّحاد الأوروبي على بريطانيا، إذا فشلت المملكة المتّحدة في الوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاقية الانسحاب، أو معاهدة التجارة والأمن الأوروبية البريطانية الجديدة (على افتراض وجود معاهدة). وعلى سبيل المثال، لن يكون هناك "تراجع" عن الضوابط الحدودية بين بريطانيا العظمى وإيرلندا الشمالية، وهو الأساس لاتّفاق الخروج بين المملكة المتّحدة والاتّحاد الأوروبي الذي سيصادق عليه البرلمان قريبا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كان لدي انطباع دائماً بأن بوريس جونسون لم يكن صادقاً أبداً في هذه الأمور، وبأنه قد يجد طريقة لتجاهلها أو إهمالها، وبأن الاتّحاد الأوروبي إما يتظاهر بعدم التنبّه إليها، أو بعدم اهتمامه بها. فرئيس الوزراء البريطاني نفى في النتيجة، أن تكون هناك حاجة إلى إجراء مثل هذه التدقيقات، وأنه سيتمّ تطبيقها ظاهرياً على الأراضي البريطانية، وبالتالي يمكن تعديلها بسهولة من جانب سلطات المملكة المتّحدة. هل هي Pefidius Albion (تعبير لاتيني يصف خداع الأمبراطورية البريطانية في تعاطيها الديبلوماسي)؟

يدرك ستيفان دو رينك الذكي هذا الخطر، وقد تحدّث عنه علناً بالفعل، وعن عدم تسامح الاتّحاد الأوروبي مع هذا التراجع. فرئيسته التي تقود مفوّضية الاتّحاد الأوروبي أورسولا فون دير لاين، تحدّثت عن هذا الموضوع بالمقدار نفسه، وإن كان بديبلوماسية أكثر. وستتم ممارسة اليقظة نفسها من جانب الاتّحاد الأوروبي في شأن حقوق مواطني دول الاتّحاد في المملكة المتّحدة، بعد خروج بريطانيا من الكتلة، إذا على سبيل المثال، كان هناك فشل في الوفاء بالموعد النهائي للتسجيل. والأمر نفسه ينطبق على مختلف المحاولات الأخرى التي قام بها البريطانيّون للابتعاد عن معايير الاتّحاد الأوروبي في ما يتعلّق بحقوق العمّال والبيئة وما إلى ذلك.

لذا، من أجل الجدل، إذا قرّر البريطانيّون إضعاف حقوق العمّال الأوروبيّين والانتقال إلى سوق عمل أكثر إيقاعاً على نمط سوق العمل الأميركية لجهة التوظيف والطرد، فقد تعتبر بروكسل أن هذا "إغراقاً اجتماعياً" لجهة الحصول على ميّزة الكلفة المصطنعة وغير العادلة. وفي مثل هذه الظروف، قد يشعر الاتّحاد الأوروبي بأن هناك ما يبرّر تسوية إطار اللعب مرّةً أخرى من خلال فرض تعريفاتٍ جمركية على بعض السلع البريطانية، أو سحب إذن الوصول إلى أسواق بلدانه لخدمات معينة. وقد يحظر الاتّحاد الأوروبي تصدير الأغذية من المملكة المتّحدة إلى أسواقها إذا استخدم البريطانيّون على سبيل المثال، الحبوب الأميركية المعدّلة وراثياً في تصنيع تلك الأغذية. وقد تصبح مثل هذه الحجج مسألةً تخصّ "منظّمة التجارة العالمية"، لكن هذه الهيئة تعاني أساساً من خطر التلاشي، وحتى لو لم يكن الأمر كذلك، فإن المسألة قد تستغرق سنواتٍ لتسوية النزاع.

ما يمكن أن يكون أسوأ، هو احتمال قيام حرب تجارية متزامنة مع الولايات المتّحدة. وهذا ليس بمستبعد  كما يبدو، لأن هذه الحرب باتت قريبة الاندلاع. فقد أظهر البريطانيّون تحدّيهم المعتاد وأعلنوا أنهم سيمضون قدماً في فرض الضريبة الرقمية على عمالقة أميركيّين مثل "أمازون" و"غوغل" و"آبل". وأعرب الأميركيّون عن استيائهم ورغبتهم في فرض ضرائب استيراد عقابية على صادرات السيّارات البريطانية. وأعلنت المملكة المتّحدة أيضاً أنها لن تسمح بدخول الدجاج المغسول بمادة الكلوراين أو الأغذية المعدّلة جينيّاً إلى المملكة المتّحدة. لكن مرّة أخرى، تعتبر الولايات المتّحدة مثل هذه الممارسات غير عادلة وتمييزية وغير محتملة. وإضافةً إلى ذلك، إذا كانت هيئة "الخدمات الصحّية الوطنية" البريطانية NHS "غير مطروحة للبيع" على ما يبدو، فلا يوجد الكثير بالنسبة إلى واشنطن، هل يوجد هناك شىء آخر؟

إن سياسة "نثق في ترمب" هي سياسة سيئة للغاية لأسباب أخرى. فأولا، لا يمكنك الوثوق حقّاً برجل هدفه المعلن هو "أميركا أولا،" ولا يرغب في منح صفقةً مفيدة من بعد لأي طرف، باستثناء الولايات المتّحدة. ثانيا، قد لا يستمر في منصبه بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وعلى الرغم من إحداث بعض الضجيج البنّاء في شأن إبرام صفقة تجارية بريطانية أميركية، فمن غير الواضح ما قد تفعله الرئيسة إليزابيث وارين أو الرئيس جو بايدن أو الرئيس بيرني ساندرز، في حال فوز أحدهم بانتخابات الرئاسة الأميركية.

قد يتّخذ هؤلاء وجهة نظر أكثر حمائية (من المؤكد أن الكونغرس قد يلجأ إلى ذلك)، ويعودون إلى الموقف نفسه الذي أظهره الرئيس السابق باراك أوباما عندما طلب رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون مساعدته في حملة استفتاء العام 2016، وقال له في حينه: "اعتقدتُ أنك قد ترغب في الاستماع إلى رئيس الولايات المتّحدة يقول ما أعتقد أن الولايات المتحدة تريد أن تفعله."

وقد يقول أحد هؤلاء إذا ما وصل إلى كرسي الرئاسة: "في ما يتعلق بهذا الأمر، على سبيل المثال، أعتقد أن من الإنصاف القول إنه ربما إلى حدّ ما قد تكون هناك اتفاقية تجارية بريطانية أميركية، لكنها لن تحدث في وقتٍ قريب، لأن تركيزنا سيكون منصبّاً على التفاوض مع كتلة كبيرة هي الاتّحاد الأوروبي، بقصد إنجاز اتفاق تجاري... وستكون المملكة المتّحدة في الجزء الأخير من قائمة الانتظار."

بعبارة أخرى، إن أميركا يقودها "الديموقراطيّون" ستعود إلى الموقف الذي كانت تعتمده حيال كلٍّ من المملكة المتّحدة والاتّحاد الأوروبي منذ ستينيّات القرن الماضي، الذي يقوم على تفضيل أوروبا موحّدة تكون فيها بريطانيا حليفاً مؤثّراً بقوّة داخل الاتّحاد الأوروبي. إن المصالح الاستراتيجية للولايات المتّحدة لا تخدمها على نحو أفضل مملكة متّحدة مستقلّة تقوم بعملها الخاص، أو حتى بلدا بسيطا تابعا لأميركا.

لذلك بعيداً من الحصول على كعكتنا وتناولها في ظلّ صفقة الخروج من الاتّحاد الأوروبي، قد ينتهي بنا المطاف من دون أيّ كعكة على الإطلاق سواء لتناولها أو لحفظها. وفيما يحاول الجميع إخبار البريطانيّين بأنه ستكون هناك خيارات وكلفة لا تنتهي للمبادلات التجارية، أشعر بأسف للقول إننا لن ننجز الخروج البريطاني من الاتّحاد الأوروبي.

© The Independent

المزيد من آراء