ملخص
بعد أن أدرجت اليونسكو "الأراجوز" على قائمة الصون العاجل للتراث غير المادي كمفردة ثقافية مصرية، حمل المركز القومي المصري لثقافة الطفل على عاتقه مسؤولية تجديد دماء هذا الفن الشعبي، فزاد عدد فنانيه إلى 100 بعد أن كانوا لا يتجاوزون ثمانية أشخاص قبل نحو سبع سنوات.
"الأراجوز" هو من فنون الفرجة الشعبية، وتطلق هذه المفردة على دمية خشبية حسمت اليونسكو مصريتها، بينما كانت تركيا تطالب بأن تنسب إليها.
وفي كتابه "الأراجوز: سنوات من الصون العاجل" (المجلس الأعلى للثقافة – القاهرة 2025)، يقدم الكاتب المسرحي محمد عبد الحافظ ناصف، تفاصيل التجربة المصرية في صون الأراجوز، من خلال جهود المركز القومي المصري لثقافة الطفل، الذي ينظم سنوياً "ملتقى الأراجوز والعرائس التقليدية".
وإضافة إلى تلك الجهود "الرسمية" هناك نشاط ملموس لـ "فرقة مضة لفنون الأراجوز وخيال الظل"، التي يديرها الكاتب والمخرج نبيل بهجت، الذي يعتبر أبرز المتخصصين في هذا المجال أكاديمياً وحِرفياً. وتقدم هذه الفرقة عروضها في أنحاء مختلفة من العالم، وتعتبر المشارك الأبرز في العروض التي تقدّم في سياق "مهرجان الأراجوز المصري".
واكب صدور كتاب ناصف الدورة السابعة لملتقى "الأراجوز والعرائس التقليدية" التي أقيمت من 26 إلى 28 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. ولاحظ ناصف غياب دور اليونسكو ولجنته في مصر، (حتى الآن) في دعم الدور الذي يلعبه المركز القومي لثقافة الطفل في صون الأراجوز بوصفه أحد أشكال فنون الفرجة الشعبية التقليدية.
ويرى ناصف أن فن "الأراجوز"، الذي يؤكد مختصون أن له أصولاً لدى قدماء المصريين، "يمكنه البقاء في المشهد الفني والتراثي العالمي؛ عبر آفاق جديدة تتوافق والتطور التكنولوجي". وإضافة إلى المسرحيات التي كتبها، ومنها "طلوع النهار أول الليل"، "وداعاً قرطبة"، "الفلنكات"، و"امرأة العزيز"، فقد كتب ناصف أعمالاً عدة تقدم تصورات حديثة لفن الأراجوز، مثل "الأراجوز الجديد"، "الأراجواز يعظ"، و"مملكة الأراجوز".
الرقمنة والتوثيق
وحول فرص ازدهار الأراجوز من جديد في ظل التكنولوجيا، يرى ناصف أن أولها يتمثل في "الرقمنة والتوثيق"، إذ يمكن استخدام التكنولوجيا لتوثيق عروض الأراجوز وتحويلها إلى محتوى رقمي جذاب قادر على شد الأطفال من خلال الصورة والمضمون المتسق مع هذا العصر؛ ونشر تلك الفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي.
وصور المركز القومي لثقافة الطفل ما يقرب من 35 فيديو وتم نشرها على قناته على اليوتيوب، وشارك في أدائها الفنانان ناصر عبد التواب وأحمد جابر. ويؤكد ناصف أن تلك الفيديوهات تحقق نسب مشاهدة جيدة، "وإن كانت تحتاج للترويج أكثر حتى تصل لأكبر عدد من المشاهدين" ويضيف أن من الضروري في هذا السياق تصوير العروض الأراجوزية التراثية القديمة بأسلوب سينمائي وحفظها مع التأكيد مع كل عرض لها على بعض الملاحظات التي يجب التوقف عندها كملحوظة التنمر وبعض العنف اللفظي".
ويرى ناصف أن "الأراجوز المصري" هو من الشخصيات الفنية التراثية التي يمكن أن تصبح فاعلة ومحورية ومتحركة في عدد من الفيديوهات ضمن سيناريوهات منفصلة متصلة لتقديم مجموعة من المضامين التي يحتاجها الأطفال، بخاصة في مرحلة الطفولة المبكرة، من خلال الرسوم الكرتونية.
ويضيف أنه يمكن تطوير تطبيقات وقصص وألعاب تفاعلية يحبها الأطفال تعتمد على شخصية الأراجوز وتشجع على التعليم من خلال الترفيه والمتعة التي من الممكن أن تكون الطريق الأسهل لنظرية التعلم من خلال التسلية مع استخدام أحدث تقنيات العالم الرقمي كالواقع الافتراضي والواقع المعزز.
في انتظار الدعم
ويتضمن الكتاب مشروعاً لتخريج 100 لاعب أراجوز، سنوياً، في حال توفر الميزانيات اللازمة في إطار اهتمام وزارة الثقافة المصرية بحفظ وصون التراث كأحد أهدافها المهمة. ويهدف المشروع إلى "إعداد لاعب أراجوز يمتلك مفردات تراثه متسلحاً بأدوات العصر فكرياً وتقنياً، لتحقيق هدف الصون العاجل للأراجوز المصري بدعم من اليونسكو".
ويشتمل المشروع المقترح على تنظيم ورش تدريب لإعداد جيل جديد من فناني الأراجوز، ونشر ثقافة الأراجوز وصناعته، ودعم كل الجهات التي تريد استخدام فن الأراجوز في توصيل رسائلها. وتعزيز استخدام الأراجوز كوسيلة ترفيهية وتعليمية تفاعلية ومفردة ثقافية من مفردات التراث غير المادي الشعبي.
ويهدف المشروع إلى الوصول بعدد فناني الأراجوز إلى 500 فنان في غضون خمس سنوات ووضع منهج علمي للتدريب على صناعة عروسة الأراجوز والإطار البصري لعروضها الفنية، وعلى كتابة نصوص تلك العروض.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وإلى جانب "ملتقى الأراجوز والعرائس التقليدية"، يقام سنوياً "مهرجان الأراجوز المصري" الذي أقيمت فعاليات دورته الرابعة من 1 إلى 8 يوليو (تموز) الماضي بالتعاون بين مكتبة الإسكندرية وأكاديمية الفنون المصرية. ومؤسس المهرجان ومديره هو نبيل بهجت الذي يعتبر أحد أبرز دارسي فنون الأراجوز.
رافد اقتصادي
وتضمنت توصيات الدورة الرابعة لـ "مهرجان الأراجوز المصري"، الدعوة إلى دمج التراث الشعبي في خطط التنمية الوطنية، عبر دعم الحرف اليدوية والفنون الشعبية كرافد اقتصادي مستدام، يفتح فرص عمل ويسهم في الحفاظ على الهوية، وتحفيز الإبداع الفني المستلهم من التراث من خلال تشجيع إنتاج أعمال فنية معاصرة (مسلسلات، أفلام، موسيقى، تصميمات) تعيد إحياء السير والرموز الشعبية.
وأوصى المهرجان كذلك بتأسيس متحف حيّ لفن الأراجوز وفنون خيال الظل، وإنشاء مركز تفاعلي يقدم عروضاً يومية، ويُقيم ورشاً تدريبية ويحتوي على أرشيف رقمي شامل للفن الشعبي. كما طالب بتعزيز التعاون بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، عبر تأسيس سياسات ثقافية مستدامة تدعم الاقتصاد الإبداعي وتضمن حقوق الملكية الفكرية، وتنشيط السياحة الثقافية عبر الفنون الشعبية، بإقامة إقامة مهرجانات سنوية ومسارات سياحية تربط بين المواقع التراثية والعروض الفنية الشعبية. وأوصى المشاركون في الفعاليات النقاشية لتك الدورة بتحويل المهرجان إلى منصة إقليمية سنوية للتراث الحي، ليصبح ملتقى سنوياً للإبداع، التدريب، النقاش الثقافي، والترويج للتراث المصري والخبرات العربية.
وفي السياق ذاته أكد نبيل بهجت أنه بهذه التوصيات، يتطلع "مهرجان الأراجوز المصري"، إلى تعزيز دوره كمحرك ثقافي واجتماعي واقتصادي، يحفظ التراث ويربطه بالحاضر والمستقبل. وهو الأمر الذي ترى وزارة الثقافة المصرية أنه يتطلب عوناً مادياً من اليونسكو لتفعيل قرارها الخاص بإدراج الأراجوز في قائمة الصون العاجل للتراث غير المادي، عبر إنشاء معهد لتدريب كوادر شابة على هذا الفن، وربطهم بالسوق الفني، على مستوى العالم.