عندما غزا "لص بغداد" السينما الغربية بحكايات شهرزاد

معرض ملصقات يكشف صورة العرب في الافلام الاجنية

 احد ملصقات فيلم "لص بغداد"

 

لم تغزُ شخصيات "ألف ليلة وليلة" وأحداثها الغرائبية ووقائعها التي تفوق الخيال، الأدب العالمي فحسب، وتحديداً منذ أن قدّم المستشرق الفرنسي أنطوان غالان هذه "الليالي" للمرة الأولى إلى القراء الغربيين، في ترجمته الشهيرة بدءاً من العام 1704، بل هي غزت أيضاً السينما العالمية وألهمت مخيلة المخرجين منذ عصر الأفلام الصامتة حتى القرن العشرين. هذه "الظاهرة" الثقافية والفنية الفريدة يستعيدها معرض "لصّ بغداد" الذي تقيمه دار النمر في بيروت، والذي يضم سلسلة نادرة من ملصقات أفلام وصور وقصاصات صحافية يملكها الناشر عبودي أبوجودة، الذي تولّى "هندسة" المعرض وتوزيع محتوياته البصرية عبر موضوعات عدة مستوحاة من تاريخ "الظاهرة"، وأصدر كراساً مهماً ضم صوراً ومقدمة هي عبارة عن دراسة في أبعاد المعرض التاريخية والفنية. يمثل المعرض رحلة جميلة، إلى عالم الملصقات السينمائية المنتجة في الغرب الأميركي والأوربي، بين العام 1910 ونهاية القرن المنصرم، ويقدم مشهداً بانورامياً عن طرق تصوير العرب في السينما الغربية من خلال أفلام مثل "ألف ليلة وليلة"، "سندباد"، "كليوبترا"، "علاء الدين" و"شهرزاد"...

يقدم المعرض عالم "ألف ليلة وليلة" الساحر والغرائبي الذي يمتد من شواطئ طرابلس الغرب إلى واحات بغداد. هنا تظهر شهرزاد بجمالها الأخاذ، تروي حكاياتها ليلة تلو ليلة ممارسة سحرها على شهريار، هناك يطل سندباد المسافر عبر البحار الغامضة بحثاً عن مغامرات جديدة، هنالك يبرز علاء الدين على بساطه السحري حاملاً مصباحه الصغير الذي يعيش فيه جنيّ عملاق ... وهذا علي بابا في صوره المختلفة، يلقي نظرة على الراقصات الجميلات بملابسهنّ الزاهية، ويشارك في المغامرات الجاسوسية التي تم تصويرها في القرن الماضي في البلاد العربية...

ولعل أهمية المعرض هذا، تكمن في كونه يعيد السجال حول صورة العرب أو الإنسان العربي في السينما الغربية. فإذا تمّت العودة كما يشير عبودي أبو جودة في مقدمته، إلى البدايات الصناعة السينمائية في أوائل القرن الماضي، التي كانت موزعة ما بين أوروبا وأميركا، يتبدّى أن الصناعات السينمائية الأميركية كانت مسيطرة على السوق السينمائية، وكانت بدأت بتوزيع أفلامها على نطاق واسع في العالم أجمع، واستقطبت بإمكاناتها الوافرة عدداً كبيراً من الفنانين والمخرجين والكتاب من دول كثيرة، ووصل الإنتاج السينمائي لديها إلى أكثر من 700 فيلم في السنة الواحدة. ومن أجل استيعاب الإقبال على الأفلام السينمائية راحت شركات الإنتاج تستعين بروائيين ومؤلفين لكتابة مواضيع تحاكي رغبات رواد الصالات. وكان على هؤلاء الكتّاب تطويع مخيلاتهم وتصوراتهم كما يرغب المشاهدون، فكانت الروايات والقصص التاريخية عن الحضارات الماضية والمعروفة على نطاق شعبي، مدخلاً إلى رفد الصناعة السينمائية بمواضيع تثير المشاهدين وتخاطب مخيلاتهم. وكان للعرب وصورهم المتعددة في خيال بعض هؤلاء الكتّاب الذين اكتشفوها في كتابات المستشرقين والرحالة قسط كبير. وجاء نجاح فيلم "الشيخ" في العام 1921 وهو من تمثيل النجم رودولف فالنتينو، ليسهم في ترسيخ العودة إلى المخزون الروائي العربي. وخلال عقد العشرينات تم تصوير ما يقارب تسعين فيلماً تدور موضوعاتها في شكل أو آخر، حول العرب أنتجتها السينما الأميركية التي كانت آنذاك قد احتلت مكان الصدارة عالمياً.

ويكشف أبو جودة أن صورة العربي في السينما العالمية أثارت – وتثير - أكثر من إشكال على صعيدَي النقد والتحليل. فعلى الرغم من اتساع الموضوع وتشعبه، كان من الممكن تتبّع المؤثرات الفكرية الرئيسة التي صنعت في ضوئها هذه الصورة التي كثيراً ما خضعت للمفاهيم النمطية السائدة التي يحاول الغرب نشرها وترويجها عن العرب، وكثيراً ما تخضع هذه الصورة لمقياس استشراقي متعال، بعيد كل البعد من حقيقة العالم العربي. وحاولت أفلام عدة إثارة الحماسة من خلال تخيّل أرض عربية ساحرة ملأى بالكنوز والعجائب، يسكنها السحرة والحوريات والشيوخ الشجعان والمخلوقات الغريبة... وأحد الأمثال البارزة هو فيلم "لص بغداد"1924)) الذي أعيد إنتاجه ثلاث مرات (1978،1961،1940) نظراً إلى طرافة شخصيته وأجوائه الحافلة بالسحر والمغامرات. هذه الأجواء الغريبة كانت محور اهتمام المخرجين أكثر من اهتمامهم بالدقة التاريخية لأحداث هذه الأفلام. أما النسخة الثانية التي قام بإنتاجها ألكسندر كوردا في العام 1938 وصورها على مدار عامين ما بين إنكلترا والولايات المتحدة، فكان فيها الكثير من المؤثرات الفنية، وحقق هذا الفيلم نجاحاً حول العالم مما دفع المنتجين إلى إعادة توزيعه عالمياً في الأعوام 1944 و1948 و1956 و1965 و1977 و2000، وخصوصاً في العالم العربي بنسخة مدبلجة إلى اللغة العربية. ويمكن اعتبار هذه الحقبة المرحلة الأولى لذيوع صورة العربي في السينما الأجنبية. ولعل نجاح "لص بغداد" في نسخة العام 1940 حمل الكثير من المخرجين إلى الاتجاه نحو قصص "ألف ليلة وليلة"، وأنتجت أفلام كثيرة في هذا القبيل ومنها: "علي بابا والأربعون حرامي" (1944)، و"ألف ليلة وليلة (9451)، و"السندباد البحري" (1947)، ومنها فيلم بالهندية "علاء الدين والفانوس السحري1952)) وبالفرنسية "علي بابا والأربعون حرامي"، (1954) مع الممثل الكبير فرننديل واللبنانية سامية جمال.

يعود تاريخ ملصقات المعرض إلى العصر الجميل الذي سبق استخدام تقنيات الطباعة الحديثة. وهو العصر الذي كان فيه الفنانون مهتمّين بإغواء الجمهور وإبداع لوحات فنية متقنة. لكنّ بعض الفنانين كانوا يهتمّون بدرجة أقل بجودة عملهم، في حين كان فنانون آخرون يعيدون إنتاج ملصقات جميلة وجذّابة مثل الفنانين الفرنسيين والإيطاليين. حاول هؤلاء الفنانون إغواء الجمهور بأجساد مرسومة بإتقان، ومناظر طبيعية جذابة، وألوان نابضة بالحياة. وفي حين كان لدى المخرج أو المنتج أجندة تجارية وسياسية، فإن الفنان كان يقصد دائماً إبداع لوحة فنيّة رائعة. وكان هذا الفصل بين الأهداف واضحاً تماماً مما أدى إلى ابداع ملصقات ذات هوية مستقلّة عن الفيلم. وفي أحيان كثيرة، لم تركز الملصقات على محتويات الأفلام مما يشير إلى أن الفنانين ربما لم يشاهدوها قبل الرسم، لكنهم اعتمدوا فقط على خيالهم. وفي كثير من الأحيان يقرر فنان أن يأخذ أجزاء من ملصق آخر ويضيف إليه لمساته. وأدت مثل هذه المبادرات الشخصية المصحوبة بمهارات وأهداف فنية، إلى تنوع ثقافي يكشف عن أوجه التشابه والاختلاف في الجمال والأسلوب والإدراك. فمجمل الملصقات المعروضة صمّمت من أجل جذب أكبر عدد من المشاهدين لمتابعة أحداث هذه الأفلام. ملصقاتٌ استعادت النمط الاستشراقي عن صورة العرب التي تشكلت في خيال الجمهور منذ وقت طويل: صورة الصحراء المترامية الأطراف والمفتوحة على الآفاق اللامتناهية، صورة الإغراء في أجساد النساء المتمايلات في صور متتالية ومكررة ...

ولا بد أخيراً من الإشارة إلى أن عبودي أبوجودة الناشر وصاحب المجموعة، لطالما كان شغوفاً بالكتب والسينما وجمع كل أنواع الملصقات الفنية. بدأ بجمع الملصقات منذ سنوات المراهقة. وكان أول ملصق وقع عليه "رحلة السندباد السابعة" (1958) فإعجابه بالفيلم جعله يحتفظ بملصقه. ومنذ حوالي خمس عشرة سنة، راح أبوجودة يركز على موضوع التصوّر الغربي عن العرب من خلال الملصقات السينمائية. ومنذ ذلك الحين، تراكمت المجموعة لديه لتصل إلى 550 ملصقاً سينمائياً و300 صورة ودفتر إعلاني من حوالى 20 دولة.

المزيد من ثقافة