ملخص
خمس دقائق قد تكون كافية لإزالة المياه البيضاء واستعادة البصر، لكن في غزة ينتظر آلاف المرضى أشهراً طويلة أمام غرف عمليات معطلة ونقص في العدسات والمستلزمات الجراحية. على بعد نحو 80 كيلومتراً، تبقى شحنات العلاج عالقة في القدس، بينما تتسع العتمة في عيون المرضى.
أكثر من 9 آلاف مريض في غزة ينتظرون إجراء عمليات العيون، في مستشفيات تضررت أجهزتها ونفدت عدساتها. وبينما تتراجع قدرة هؤلاء على الرؤية، تبقى شحنات من المستلزمات الجراحية في القدس منذ عام ونصف عام، بانتظار السماح بإدخالها إلى القطاع، وسط قيود إسرائيلية تشمل مستلزمات طبية تقول الجهات الصحية إنها ضرورية لاستعادة البصر.
تعرف زهيرة السموني أن بلاط شقتها لم يعد مستوياً منذ تضرر منزلها خلال الحرب، لكن عينيها لم تعودا تساعدانها في تمييز مواضع ارتفاع الأرض وانخفاضها.
تمسك بيد نجلها علاء قبل أن تخطو على الأرض المتضررة، وتتحسس طريقها بحذر، فقد امتدت الغشاوة البيضاء في عينيها حتى باتت عاجزة عن رؤية تفاصيل منزلها المهدد بالسقوط.
تقول زهيرة "لم أعد أستطيع رؤية أحفادي الذين يعيشون معي في الغرفة نفسها، أسمع أصواتهم حولي، لكنني لا أراهم إلا خيالات تتحرك أمامي".
لا تعاني زهيرة مرضاً مستعصياً، فالمياه البيضاء التي تعتم عدسة العين يمكن علاجها جراحياً في العادة، عبر إزالة العدسة المعتمة وزراعة أخرى صناعية شفافة مكانها، وقد تستغرق الجراحة خمس دقائق لاستعادة الرؤية.
في غزة، لم تتمكن زهيرة من الوصول إلى العلاج منذ أكثر من عامين، وبينما تنتظر دورها، تتعطل أمامها مراحل العلاج بسبب نقص أجهزة الفحص والتجهيزات الجراحية والعدسات الصناعية.
الدقيقة الأولى: تشخيص معطل
قبل الحرب، كان التحضير لجراحة المياه البيضاء يبدأ بفحص العين باستخدام جهاز إلكتروني يقيس أبعادها ويساعد الطبيب في تحديد قوة العدسة الصناعية المناسبة للمريض، قبل وضع قطرة التخدير الموضعي والاستعداد للعملية.
عند هذه الخطوة، علقت معاناة عماد أبو عون منذ أشهر طويلة، بدأت المشكلة بتشوش الحروف حين يحاول القراءة على هاتفه، ثم أخذت ملامح الوجوه المألوفة تتلاشى أمام عينيه، حتى بات يقضي معظم وقته في خيمته.
يقول أبو عون "في البداية ظننت أنه إجهاد في النظر، لكن الغشاوة البيضاء تزداد كل أسبوع، حتى صرت أمشي في الطريق أخشى الاصطدام بالمارة، وأسمع صوت من يسلم علي من دون أن أميز ملامح وجهه".
بحث أبو عون، مثل مرضى آخرين، في الصيدليات والنقاط الطبية عن قطرة يمكن أن تخفف تدهور الرؤية، لكن مدير مستشفى "سانت جون" للعيون في غزة وليد شقورة يوضح أن المياه البيضاء تنتج من تغيرات في بروتينات عدسة العين تؤدي إلى فقدان شفافيتها، ولا توجد قطرة دوائية تزيل هذه العتمة.
ويضيف "تأخر الجراحة لدى الأطفال المصابين بالمياه البيضاء الخلقية قد يؤدي إلى كسل بصري دائم، مما يحد من فرص تطور الرؤية لاحقاً".
ولا يستطيع الجراح إزالة العدسة المعتمة وزراعة أخرى بديلة مناسبة من دون فحوص تحدد قياسات العين وقوة العدسة المطلوبة، يقول مدير مستشفى العيون الحكومي في غزة عبدالسلام صباح "دقة هذه القياسات ضرورية، للحصول على أفضل نتيجة بصرية ممكنة، والخطأ في تحديد قوة العدسة قد يؤدي إلى عيوب انكسارية تؤثر في الرؤية بعد الجراحة".
تنقل أبو عون أشهراً بين مستشفيات ونقاط طبية، بحثاً عن مركز يمتلك جهازاً صالحاً لفحص عينيه، لكنه كان يعود في كل مرة من دون إجراء الفحص.
ووفق بيانات وزارة الصحة في غزة، أخرج التدمير الذي طاول المنشآت الصحية نحو 90 في المئة من أجهزة تشخيص العيون في القطاع عن الخدمة.
وكانت خدمات الرعاية البصرية تعاني تحديات قبل الحرب أيضاً، إذ تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن نسبة كبيرة من حالات ضعف البصر والعمى يمكن الوقاية منها أو علاجها، لكن حجم المشكلة في غزة ازداد مع تضرر المنشآت الطبية وتعطل خدمات التشخيص والعلاج.
الدقيقة الثانية: جراحة بإمكانات بدائية
في هذه الجراحات تبدأ الدقيقة الثانية حين يصنع الجراح ثقباً صغيراً لا يتجاوز مليمترين في طرف القرنية باستخدام جهاز الموجات فوق الصوتية "الفاكو"، ليحقن عبره مادة "الهيلون" اللزجة التي تحمي أنسجة العين من دون الحاجة إلى مشرط تقليدي أو غرز جراحية.
داخل قسم العمليات في مستشفى العيون الحكومي بحي النصر غرب غزة، لم يعد هذا الإجراء ممكناً، إذ يضطر المدير الطبي للمستشفى حسام داوود وفريقه الجراحي إلى استخدام المشارط اليدوية القديمة لفتح شق جراحي كبير في العين، في عملية تستغرق وقتاً أطول وتستلزم خيوطاً دقيقة لإغلاق الجرح.
خرج المستشفى عن الخدمة لأكثر من 14 شهراً خلال الحرب، وحين أعيد تأهيله جزئياً أواخر عام 2024، تعرض لقصف جديد في سبتمبر (أيلول) 2025 دمر مولده الكهربائي، كما خسر جميع أجهزة تفتيت المياه البيضاء الحديثة وعددها أربعة أجهزة، من بينها جهاز تبرعت به منظمة "أطباء لحقوق الإنسان" في مارس (آذار) 2023، وآخر استعاره الأطباء من مستشفى "سانت جون" ودمر خلال الاجتياح البري.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مع فقدان هذه الأجهزة وعودة المستشفى إلى العمل الجزئي بطاقة لا تتجاوز 70 في المئة أمام 200 مريض يراجعونه يومياً، تراجعت قدرته على إجراء عمليات المياه البيضاء من نحو 20 عملية يومياً قبل الحرب إلى ثماني حالات طارئة فقط.
تحت عدسة المجهر الجراحي في غرفة العمليات الوحيدة المكتملة داخل القسم، يقف داوود لساعات أمام مريض يحاول سحب العدسة المعتمة من عينه يدوياً وتثبيت أنسجتها المتضررة، فيما يحسب فريقه حساب ما تبقى على الطاولة من خيوط مجهرية وعبوات "الهيلون" الشحيحة.
يقول داوود "كنا نجري عمليات المياه البيضاء يومياً في ثلاث غرف عمليات مجهزة، أما اليوم فنعمل في غرفة ونصف بأدوات تقليدية ومستهلكات توشك على النفاد بالكامل، الطواقم الطبية قادرة على إجراء مزيد من العمليات واستيعاب أعداد أكبر، لكن نقص العدسات والخيوط الجراحية وقطع الغيار يقيدنا، وفي حال استمرار منع إدخالها فإن المستشفى قد يتوقف عن العمل تماماً خلال شهر واحد".
الدقيقة الثالثة: عتمة الانتظار
في غرفة العمليات الاعتيادية، لا تستغرق الدقيقة الثالثة سوى ثوان معدودة يتم خلالها تفتيت العدسة المعتمة وشفطها، ليغادر المريض المستشفى في اليوم نفسه.
انتظرت فايقة أبو عيطة أشهراً طويلة للوصول إلى هذه الدقيقة، إذ طاردها النزوح من منطقة إلى أخرى منذ اندلاع الحرب، حتى حجبت المياه البيضاء الرؤية في عينيها.
تقول أبو عيطة "تأجلت عمليتي مرات عدة بسبب النزوح، وخلال هذه الفترة تضاعفت معاناتي وصرت مهددة بفقدان البصر، إذ انعدم نظري بصورة شبه كاملة في كلتا عيني، حتى عندما أضع النظارة ذات العدستين المكبرتين".
وحين تمكنت أخيراً من دخول غرفة العمليات في مستشفى العيون، اضطر الأطباء إلى إجراء الجراحة في عينها اليسرى وحدها لإنقاذها في مرحلة حرجة، بينما لا تزال عينها اليمنى على قائمة الانتظار.
في أماكن النزوح، يواجه مرضى المياه البيضاء أمثال فايقة بيئة تضاعف من تدهور حالاتهم، فالمريض يعاني حساسية شديدة تجاه ضوء الشمس نهاراً وضعف الرؤية ليلاً.
ومع طول الانتظار في هذه الظروف، تزداد العتامة داخل العين، إذ يوضح مدير مستشفى العيون عبدالسلام صباح أن تأجيل جراحات المياه البيضاء يؤدي إلى زيادة كثافة العدسة المعتمة وتصلبها مع مرور الوقت، مما يجعل التدخل الجراحي لاحقاً أكثر تعقيداً، ويزيد من احتمالية حدوث مضاعفات قد تؤثر في فرص استعادة البصر حتى عند توفر العملية.
تشكل حالات المياه البيضاء وحدها 70 في المئة من إجمالي قوائم الانتظار الجراحية في مستشفى العيون الحكومي، ومن بين العالقين على هذه القوائم هنية الدغمة التي تنتظر دورها وسط تخوفات من تدهور بصرها بالكامل. تقول "لم أعد أقوى على قضاء أبسط حاجاتي اليومية بمفردي وأعتمد في كل خطوة على أسرتي، وكل ما أخشاه أن يضيع ما تبقى من نظري وأنا أنتظر دوري لإجراء العملية".
أما المريضة هبة فقد تأجلت عمليتها بسبب الحرب ونقص الإمكانات حتى فقدت بصرها بالفعل، تقول "صرت أقع حين أنهض لأنني لا أرى شيئاً، حتى الذهاب إلى الحمام صار مهمة صعبة، طال الوقت بسبب تأجيل العملية حتى فقدت بصري تماماً، وكان ذلك أصعب يوم في حياتي".
الدقيقة الرابعة: عدسات خلف الحواجز
تشهد الدقيقة الرابعة الخطوة الحاسمة في الجراحة، حين يغرس الطبيب عدسة صناعية شفافة لا يتجاوز قطرها ستة مليمترات في مكان العدسة المعتمة المسحوبة، إذ تظل العين من دون زراعة هذه العدسة الدقيقة عاجزة عن تركيز الضوء والرؤية بوضوح حتى لو أزيلت منها المياه البيضاء.
في مستشفى "سانت جون" للعيون بمدينة غزة، تتوقف العملية عند هذه الخطوة، فعلى رغم نجاح إدارة المستشفى في إعادة تأهيل الطابق الأرضي للفحوص وتجهيز طابق العمليات، لا تزال الغرف الجراحية مغلقة أمام 7 آلاف مريض على قوائم الانتظار في المستشفى بسبب غياب العدسات الصناعية والخيوط الجراحية الدقيقة.
المفارقة القاسية لدى مرضى المياه البيضاء، هي أن هذه العدسات والخيوط المجهرية موضبة بالفعل داخل صناديق الشحن في المقر الرئيس لمستشفى "سانت جون" بمدينة القدس، على بعد نحو 80 كيلومتراً فقط من غزة، منذ عام ونصف عام.
يقول مدير المستشفى في غزة وليد شقورة "جميع الأجهزة والمستهلكات اللازمة لفتح غرف العمليات فوراً وإنقاذ أبصار آلاف المرضى موجودة وجاهزة للشحن في مستشفى ’سانت جون‘ بالقدس، لكن السلطات الإسرائيلية ترفض إدخالها وتصنف طب العيون ضمن القضايا غير ذات الأولوية، وقد فشلت كل المحاولات لإدخالها عبر المؤسسات الدولية بما فيها منظمة الصحة العالمية".
ويضيف "لو سمح لشاحنة واحدة تحمل تلك الصناديق بعبور الحاجز من القدس إلى غزة، لتمكنت الطواقم الطبية من تشغيل غرف العمليات ولاستعاد آلاف المرضى أبصارهم في عمليات لا تستغرق سوى دقائق معدودة".
في المقابل، تبرر السلطات الإسرائيلية منع دخول هذه التجهيزات ومنع سفر مرضى العيون بأنها "ليست حالات إنقاذ حياة"، ويقول منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق يورام هليفي "إسرائيل لا تفرض قيوداً على إدخال الأدوية والإمدادات الطبية إلى قطاع غزة، لكن السلطات ملزمة بإخضاع المعدات والمواد التي قد يشتبه في إمكان استخدامها لأغراض عسكرية ضمن قائمة المواد ذات الاستخدام المزدوج لتدقيق أمني صارم، ولم يطرأ أي تغيير على هذه السياسة".
غير أن ممثل منظمة الصحة العالمية في الأراضي الفلسطينية ريك بيبركورن يقول "أعددنا قوائم بالمعدات الطبية الجراحية والتشخيصية العاجلة المحتجزة، ويجب منح الإمدادات والمعدات الطبية موافقة شاملة لدخول غزة وتسريع عبورها لتلبية الاحتياجات العاجلة، بدلاً من إخضاع كل شحنة لإجراءات فحص وتدقيق معقدة تعطل وصولها لأشهر، كما يجب فتح الممرات الطبية ولا سيما مع مستشفيات القدس الشرقية كما كان يحدث قبل الحرب، لأن فتح هذا المسار سيحدث تحولاً جذرياً في إنقاذ المرضى".
وأمام غرف العمليات المغلقة في المستشفى الذي يديره، يقارن شقورة الوضع بما كان عليه سابقاً "كنا قبل الحرب نجري هذه العمليات فور وصول المريض، أما اليوم فيصل المرضى إلى المستشفى من دون أن يتمكن الأطباء من إجراء أي تدخل، لأن العدسة والخيط الجراحي ممنوعان من الدخول".
الدقيقة الخامسة: تعاف ناقص
تكتمل الدقيقة الخامسة من جراحة المياه البيضاء حين يضع الطبيب قطرات المضاد الحيوي ومضادات الالتهاب في عين المريض لحمايتها من العدوى قبل تغطيتها بالضمادة، لتصل نسبة نجاح العملية إلى 99 في المئة.
غير أن المرضى الذين يتمكنون من إجراء العملية في غزة يواجهون بعد الجراحة أزمة شح القطرات الوقائية اللازمة لالتئام الجرح، ثم يعودون بأعينهم المفتوحة جراحياً إلى بيئة نزوح تفتقر للتعقيم والمياه النظيفة، مما يهدد بإصابة القرنية بتقرحات بكتيرية خطرة.
يقول استشاري العيون المصري محمد توفيق، الذي تطوع لإجراء جراحات المياه البيضاء في القطاع خلال الحرب، "نعمل بأقل الإمكانات، ونواجه تحديات صعبة بسبب نقص الأدوية في المستشفى، حتى إن قطرة العين التي يجب وضعها للمريض كل ساعة أصبحت توضع كل خمس ساعات".
أما الآلاف العالقون على قوائم الانتظار ممن لم يصلوا إلى الدقيقة الخامسة ولم يتمكنوا من السفر بعد توقف التحويلات الطبية، فيواجهون مصير الشابة وئام زينو التي امتدت معاناتها مع فقدان البصر لعامين ونصف من دون علاج حتى حرمتها العتمة من رؤية ملامح طفلتها.