Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أوروبا... صعود الشعبوية وانحسار الاشتراكية

أحزاب اليسار في موقف حرج والفكر اليميني يتصاعد

حقّق زعيم المحافظين بوريس جونسون (إلى اليمين) فوزا كاسحا في الانتخابات البريطانية بينما مُني زعيم حزب العمال جيريمي كوربين بهزيمة مدوية (أ.ف.ب)

في وقت تزداد الحركات المطلبية والثورية في مختلف أنحاء العالم، تتّجه الاشتراكية في أوروبا إلى مزيد من الانحسار وكأنها "خط سياسي عفا عليه الزمن"، وفق تقرير نشرته صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، مستندةً فيه إلى نتائج وأداء أحزاب اليسار في دول أوروبية عدة خلال عام 2019.

ويشرح التقرير أنه في ظل ازدهار الشعبوية أخيراً، يبدو أن الأيديولوجية الراديكالية العائدة إلى سبعينيات القرن الـ20 لم تستطع الحفاظ على مكانة لها وسط الظروف المتغيرة والأوقات المعاصرة. ويُرجِع الباحث في "معهد بيترسون للاقتصاد الدولي" في واشنطن جيكوب فونك كيركيغارد في حديثه مع "واشنطن بوست"، اعتلال اليسار في أوروبا إلى حقبة الحرب الباردة في أوائل السبعينيات، ويقول "لم يظهر زعيم يساري أصيل يتمتّع بكاريزما ونجح في إحداث فارق حقيقي في أوروبا منذ عهد ويلي براندت"، المستشار الألماني بين عامي 1969 و1974، الذي حاز جائزة نوبل للسلام عام 1971 لجهوده في تعزيز التعاون مع أوروبا الغربية وإبرام المصالحة بين ألمانيا الغربية ودول أوروبا الشرقية.

بريطانيا: الهزيمة المدوية لحزب العمال

ودعماً لتحليلها، عرضت "واشنطن بوست" المصاعب التي تواجهها أحزاب اليسار في دول أوروبية عدة، عشية حلول عام 2020. ففي بريطانيا، مُني حزب العمال بخسارة مدوية في انتخابات 12 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، على الرغم من وعود زعيمه جيريمي كوربين بالقيام بـ"ثورة اشتراكية" عبر تأميم أهم المرافق في البلاد. كما فقد حزب العمال مقاعد تاريخية له في مناطق عدة بشمال إنجلترا، بعدما خسر أصوات اسكتلندا قبل ذلك بسنوات.

في الانتخابات الأخيرة التي شكّل ملف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست" محورها، حقّق زعيم حزب المحافظين بوريس جونسون فوزاً كاسحاً، بعدما وعد ناخبيه بإخراج بريطانيا من الاتحاد في 31 يناير (كانون الثاني) المقبل. أمّا حزب العمال، فمُني بأكبر هزيمة له منذ عام 1935، إذ تراجع عدد مقاعده في البرلمان من 262 مقعداً إلى 191.

تراجع الحزب "الديمقراطي الاجتماعي" الألماني

أما في ألمانيا، فيشير تقرير الصحيفة الأميركية إلى أن ذوي الياقات الزرقاء، وهم العاملون بأشغال يدوية وجسدية عموماً، يميلون إلى التخلي عن أحزاب اليسار مع ازدياد حاجة الأسواق إلى ذوي المهارات، بينما يبدو آخرون من بينهم، محافظين أكثر ومعارضين للهجرة. فالحزب "الديمقراطي الاجتماعي"، أحد أقدم أحزاب ألمانيا (تأسّس عام 1963)، يكافح بوجه حزب "الخضر" لاستقطاب الناخبين الشباب الملتزمين بقضايا البيئة، وليس مستبعداً أن يحلّ هذا الأخير مكانه في المركز الرابع على قائمة أحزاب ألمانيا. وفي هذا الصدد، استشهدت "واشنطن بوست" بتحذير البروفيسورة في التواصل السياسي في مدرسة "هيرته" في برلين أندريا رومميلي، التي قالت إنه "في حال تحوّلوا (الناس) أبعد نحو اليسار، فسيتوقف الديمقراطي الاجتماعي عن أن يكون حزباً للشعب"، وجاء كلامها تعليقاً على اقتراح لفرض ضريبة على الأثرياء وزيادة الحد الأدنى للأجور.

ماكرون... مزيج بين اليسار واليمين

فرنسياً، وصفت "واشنطن بوست" الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند بالرئيس الذي "يطاوله أكبر نصيب من الكراهية" في البلاد، واستعادت تصريح رئيس الوزراء الاشتراكي السابق مانويل فالس الذي قال فيه إن الحزب الاشتراكي "مات وأصبح من الماضي". وفي الآونة الأخيرة، استفاد الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون الذي أنشأ حزباً وسطاً جمع خليطاً من اليمين واليسار، أوصله إلى سدة الرئاسة عام 2017.

أما إيطاليا، فشبّهتها الصحيفة الأميركية بـ"المختبر السياسي الأفضل"، حيث "تصعد الأحزاب وتختفي في غمضة عين"، وتُصاغ "التحالفات الأغرب على غرار تحالف الشعبويين المتنافسين". وتقول الصحيفة إن ذلك يفسّر تغيير يسار الوسط اسمه مرات عدة، ليرسو أخيراً على "الحزب الديمقراطي" المشارك في الحكومة مع حركة "خمس نجوم" الشعبوية. غير أن الحزبين حصلا معاً على عدد الأصوات ذاته تقريباً الذي حازته العصبة المناهضة للهجرة بقيادة وزير الداخلية السابق ماتيو سالفيني.

إسبانيا والبرتغال واليونان ومالطا

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في إسبانيا، تشير "واشنطن بوست" إلى فشل حزب "العمّال الاشتراكي" بالتخلص من اتكاله على الشعبويين اليساريين المتطرفين في حزب "بوديموس"، بينما تبدو البرتغال كواجهة يسارية استثنائية في أوروبا. اليونان كذلك، انتقل فيها الحكم عام 2019 من ائتلاف "سيريزا" للأحزاب اليسارية الراديكالية إلى حزب "الديمقراطية الجديدة" المحافظ. وفي مالطا، يواجه رئيس الوزراء منذ عام 2013 جوزيف موسكات غضباً شعبياً عارماً، على الرغم من الازدهار الاقتصادي الذي حققته البلاد في عهده، الأمر الذي دفعه إلى تقديم استقالته بعدما وصلت التحقيقات في قضية اغتيال الصحافية دافني كاروانا غاليزيا إلى أشخاص مقرّبين منه.

السويد والدنمارك وأوروبا الشرقية

وفي السويد، تشير "واشنطن بوست" إلى تراجع شعبية الديمقراطيين الاشتراكيين وتفوّق "الديمقراطيين السويديين" المناهضين للهجرة. أما في الدنمارك، فاستطاع "الديمقراطيون الاشتراكيون" العودة إلى السلطة عام 2019، عبر تبني بعض سياسات الحزب الشعبوي المنافس المناهض للهجرة.

وفي أوروبا الشرقية، رأت الصحيفة الأميركية أن "الأحزاب الاشتراكية دخلت في مرحلة انحدار منذ سنوات" لصالح تعزيز نفوذ الشعبويين اليمينيين، كما في هنغاريا وبولندا حيث صُوِّر المعارضون على أنّهم مدافعون عن الشيوعية. أما في رومانيا، فانهارت إدارة الحزب الديمقراطي الاجتماعي ذو الميول اليسارية في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

الهجرة... أزمة أوروبية مشتركة

وتُعدّ أزمة الهجرة واحدة من أبرز مشاكل دول القارة العجوز، وقد تكون إحدى أهم أسباب تعزيز جماهيرية أحزاب اليمين وتلك الشعبوية. فمع اندلاع أزمة الهجرة عام 2015، ازدادت أعداد اللاجئين والمهاجرين المتدفقين إلى أوروبا بشكل كبير، ومعظمهم من الهاربين من حروب بلدانهم، كالسوريين والأفغانيين، أو الساعين إلى ظروف عيش أفضل هرباً من الفقر المدقع، كالوافدين من دول أفريقيا. ومع اتجاه دول أوروبية إلى فتح أبوابها أمام المهاجرين، باتت مناهضة الهجرة، واحدة من شعارات الحملات الانتخابية في الدول الأوروبية.

ففي ألمانيا التي بادرت إلى استقبال اللاجئين من دون شروط، اضطرت المستشارة أنغيلا ميركل إلى تشديد القيود للتخفيف من أعداد الوافدين، وذلك تحت وطأة المعارضة الداخلية الشديدة لسياستها. وبعدما سجّلت برلين 745545 طلب لجوء عام 2016، لم تسجّل سوى قرابة 166 ألف طلب عام 2018. كذلك في بريطانيا، وعد رئيس الوزراء بوريس جونسون بوضع نظام جديد للهجرة يعتمد على النقاط "على الطريقة الأسترالية" إذا انتُخب، ما يشير إلى تشديد القيود على المهاجرين منخفضي المهارات. وقال جونسون حينها "ما نريد أن نفعله هو أن نواجه الهجرة، خصوصاً العمال غير المهرة الذين ليس لديهم عمل".

تفكّك الاتحاد الأوروبي؟

ويحذّر بعض المحللين من أن تؤدي أزمة الهجرة في أوروبا إلى تفكيك الاتحاد الأوروبي، إذ كتب المؤرخ البريطاني والأستاذ في جامعة "هارفارد" نيال فيرغوسن، "لن تؤدي أزمة الهجرة في أوروبا إلى اندماج بل إلى تشظ". وأضاف "إنني على قناعة متزايدة بأن المؤرخين مستقبلاً سيرون أن أزمة الهجرة هي العامل المفكك الذي قضى على الاتحاد الأوروبي... بريكست سيبدو في سجلاتهم كمجرد عارض مبكر للأزمة".

المزيد من دوليات