Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أوجه الاختلاف بين قضيتي عزل كلينتون وترمب

الأول اعتراه الخجل وأظهر بعض العدوانية... بينما الثاني يثير موجات غضب في نفي الاتهامات

ناشطون بحركة "انهض وقاوم" الأميركية يرفعون لافتة كبيرة كُتب عليها نص بند العزل في الدستور الأميركي بنيويورك (غيتي)

يبدو الشعب الأميركي هذه المرة أقلّ اهتماماً بالموضوع، بل الأسوأ أنّ ما يعتبره مناصروه فعلاً ثأرياً من الجانب الديموقراطي يمكن أن يأتي بنتائج عكسية في انتخابات العام المقبل.

أثناء متابعتي أحداث عزل الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأميركية من الضفة الأوروبية للمحيط الأطلسي، من الصعب عليّ أن لا أقول لا شعورياً "ها نحن نُعيد الكرّة".

فليس دونالد ترمب ثالث الرؤساء الأميركيين الذين يواجهون العزل فقط وثاني رئيس يتعرّض له في الزمن المعاصر، بل إن التصويت على عزله وقع قبل يوم واحد من ذكرى مرور 21 عاماً على عزل بيل كلينتون على خلفية ما سيُعرف للأبد على أنّه "فضيحة مونيكا لوينسكي".

وفي الواقع لن نتناول ذاك الموضوع مجدداً، سوى من جانب واحد فقط سوف أتطرق إليه لاحقاً، بصفتي مراسلة (الاندبندنت) في واشنطن حينها، غطّيت أحداث عزل كلينتون، والمناخ العام في ذلك الوقت كما الأمور التي وضعت على المحك يختلفان للغاية عن الآن.

في العام 1998 (أثناء ولاية كلينتون الثانية في الحكم) تحوّل مسار تحقيق مطوّل أجراه المدّعي العام المستقل كينيث ستار من مزاعم بالكذب والفساد (قضية وايت ووتر) واتهامات بالتحرّش الجنسي (رفعتها موظفة حكومية في ولاية آركنساس اسمها بولا جونز) إلى نفي كلينتون ثم اعترافه بأنه، حسب رؤيتكم للموضوع، أقام بالفعل "علاقة جنسية مع تلك المرأة، مونيكا لوينسكي".

وأقيمت جلسات الاستماع في إطار آلية العزل، التي زادت حدّتها بفضل مزيدٍ من التسريبات الإباحية، ضمن مناخ مشحون للغاية بدا فيه مستقبل كلينتون كرئيس للجمهورية في خطر فعلي.

طبعاً، بسبب طبيعة المزاعم، بلغ اهتمام الرأي العام بمجريات الأمور أقصى الدرجات. صحيحٌ أنّ كثيرين أصرّوا على أنهم لا يتابعون الموضوع فعلياً لأنهم يعتبرونه مقزّزاً (ما زالت الولايات المتحدة أكثر محافظةً من معظم الدول الأوروبية)، وأنّ البرامج الحوارية النهارية تناولت الواحدة تلو الأخرى موضوع "ماذا سنقول لأطفالنا؟"، مع ما يصاحبه من حركات الشجب والإدانة، لكن كل ذاك النفي كان كذباً يساوي كذب كلينتون نفسه، لأنّ الناس دأبوا على التهام أدقّ تفاصيل الأنباء الإعلامية.

حين أذيع تسجيل شهادة كلينتون أمام هيئة المُحلفين على شاشات التلفزيون يوم الـ21 من سبتمبر (أيلول) 1998، وقد جرى استجوابه داخل غرفة الخريطة في البيت الأبيض لتفادي المسألة المعقّدة المرتبطة بجواز استدعاء رئيس أثناء ولايته للمثول أمام المحكمة، كانت كلّ شاشات التلفزيون في كل المنازل والمكاتب التي يمكن رؤيتها من مكتب (الاندبندنت) في وسط واشنطن تعرض هذه الشهادة.

وطوال أربع ساعات استغرقتها الشهادة، عمّ الهدوء الشوارع، ولم يقتصر الموضوع على واشنطن فحسب، بل ساد البلد بأسره.

كما دار نقاشٌ مبدئي حقيقي، أذيع خلال مناقشات العزل كذلك، نظر في إمكانية اعتبار علاقة الرئيس بلوينسكي قضية خاصة، وإلى أي مدى تهدد رئاسته، وهل ترقى إلى مستوى الجُرم الذي يستوجب عزله بسببه أم أنها فحسب معضلة أخلاقيات شخصية؟

ويُضاف إلى الاهتمام الشعبي العارم طوال تلك الأشهر والإحساس بأنّ رئاسة كلينتون في خطر فعلاً، التباين الكبير بين تفاعل الرئيس مع التحقيق وتفاعل ترمب معه. فالخجل الذي اعترى كلينتون وآثار الموضوع على عائلته كانت أموراً واضحة جداً، وقلّة من الناس نسيت الصور المؤلمة لبيل وهيلاري وتشيلسي أثناء صعودهم إلى متن مروحيتهم قبل توجههم لقضاء عطلة موجعة وصعبة بلا شكّ في جزيرة مارثاز فينيارد، كما تحمّلت هيلاري كثيراً من الانتقادات من شخصيات نسوية بارزة لأنها لم تهجره.

صحيحٌ أن كلينتون أظهر أحياناً بعض العدوانية أو التحدّي أو المرارة، لكن سلوكه لا يُقارن أبداً بموجات غضب ترمب في نفيه الاتهامات الموجّهة إليه، إساءة استخدام السلطة وعرقلة عمل الكونغرس، وفي تعبيره عن ظلم آلية العزل برأيه.

وعلى الرغم من هذا، لا يُبدي الرأي العام الأميركي اهتماماً كبيراً بالموضوع، ربّما تعتبر نبرة الرسالة اللاذعة الأخيرة التي وضعها في ست صفحات ووجّهها إلى رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، أكثر حدة قليلاً من المعتاد، تماماً مثل تغريداته الغاضبة بعد التصويت على عزله، لكن كل هذا جزءٌ من ولايته الرئاسية إجمالاً، التي تشبه مباراة صراخ حادّ متواصل.

وربّما ما يبدو أنه حذر شعبي إزاء عزل ترمب بدل الاهتمام الجارف بالموضوع، هو مرآة حال القضايا المطروحة، فهي أكثر تعقيداً بالفعل وموضع تنازع أكبر، فهل أعاق الرئيس تقديم المساعدات العسكرية إلى أوكرانيا في سبيل الحصول على تعهّد بالتحقيق بأمر نجل منافسه المحتمل على الرئاسة جو بايدن؟ هل أدرك الرئيس الأوكراني الجديد هذه المقايضة أو حتى أن المساعدات عُلقت؟

لم يُفتح التحقيق في أوكرانيا إلى الحين، لكن المساعدات مع ذلك استؤنفت، هل تمتلك الولايات المتحدة أسباباً مشروعة للتحقيق في نشاطات نجل بايدن في أوكرانيا؟ ففي النهاية، دانت محكمة أميركية مساعداً سابقاً لترمب هو بول مانافورت بتهمة تبييض الأموال والتهرب الضريبي المرتبطة بعمله في أوكرانيا، وإلى أي مدى يعود القرار في هذا الموضوع للرئيس؟ وأين هو الحد الفاصل بين استخدام السلطة وسوء استخدامها؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن، النقطة المشتركة التي ذكرتها سابقاً بين عمليتي عزل الرئيسين كلينتون وترمب هي المبادرة في بدء إجراءات العزل في الحالتين من قبل جماعات تكنّ كراهية شديدة للرئيس، وتعتقد أن انتخابه خاطئ من الأساس.

وعندما يتحدّث ترمب عن حملة مطاردة، ويقول إن أعداءه يسعون إلى عزله منذ اليوم الأول لتولّيه الرئاسة، لا يجافي القول تماماً، فكلينتون حرّك العدائية الحزبية المتطرفة نفسها في نفوس شطر من الحزب الجمهوري، الذين تبيّن أنّ بعض أعضائه يعانون شوائب أخلاقية تشبه عيوبه إلى حدٍ بعيد.

وبسبب الطبيعة الحزبية لعمليات العزل هذه لم يُدن كلينتون خلال محاكمته في مجلس الشيوخ (ويعود الفضل في ذلك إلى دعم الأغلبية الديموقراطية له)، ولهذا أيضاً من غير المرجّح أن يُدان ترمب بوجود الأغلبية الجمهورية الحالية. لماذا يُعزل ترمب في هذه المرحلة من رئاسته على أي حال؟ فإذا ترشّح كما هو متوقع للانتخابات مجدداً في نوفمبر (تشرين الثاني) سوف يتسنى للناخبين أن يخرجوه من منصبه عبر السبل الديموقراطية التقليدية.

ويميل الأميركيون إلى اتّخاذ موقف جديّ وتبجيلي شديد من الدستور الذي برهن بالفعل على قدرته على مواكبة الزمن. وما حمل نانسي بيلوسي على الطلب من الديموقراطيين الامتناع عن التصفيق في ختام تصويت العزل هو سبب واحد، فهذا الفعل يوحي بأن الانتقام كان الدافع الأساسي وراء العزل (وهو ما يبدو صحيحاً) وليس إحقاق العدالة أو الذود عن مكانة موقع الرئاسة، وهذا ليس الهدف وراء إجراء العزل.

فهدفه الأساسي إزاحة رئيس أدين باقتراف "جرم عظيم أو جنحة" بعد محاكمة يقودها نظراؤه بشكل أساسي، لكن طريقة استخدام آلية العزل ضد كلينتون وترمب جعلت منها سلاحاً تستخدمه المعارضة التي تسعى إلى إطاحة رئيس من دون انتظار حكم صناديق الاقتراع، بدل أن تكون عملية شبه قضائية تتخطى نطاق السياسات الحزبية كما كان الهدف منها. إذا استمر الأمر على هذا المنوال، ربما يتوجّب إعادة النظر بالعملية برمّتها.

في حالة بيل كلينتون، تحوّل عزله إلى مصدر إلهاء، أو آفة حتى، بالنسبة لولايته الثانية ويحتمل أنه كلّف نائب الرئيس آل غور منصب الرئاسة في انتخابات العام 2000. أمّا بالنسبة إلى ترمب فسوف يكون الضرر أقل، عدا أنّ التاريخ سيذكره كرئيسٍ تعرّض للعزل، إذ تبقّت له سنة واحدة فقط من ولايته الأولى، وما يراه مناصروه بشكل كبير حركة ثأرية من الديموقراطيين يمكن أن يأتي بنتائج عكسية في انتخابات العام المقبل.

لكن احتمال تحوّل هذه النتيجة إلى سبب لثني الجهات المعارضة عن استخدام آلية العزل لأهداف سياسية حزبية في المستقبل هو مسألة أخرى.

 

© The Independent

المزيد من آراء