Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المسيحيون العرب... كتبوا معاجمنا وحفظوا لغتنا

هذا ما فعله الشدياق والبستاني والكرملي واليازجيان والشرتوني وعبد النور

تفاصيل حروفية من خان الخليلي في مصر (غيتي)

قديمة جداً هي حركة التأليف المعجمي عند العرب. إنها تعود إلى القرن الثاني الهجري، الذي كان يتميز بحراك أدبي وفكري غني ومركّب، جسّده اللغويون ورواة الأشعار والنوادر والأخبار، وكان من نتائجه بدايات التفكير والتأليف بمعجم "العين" للخليل بن أحمد الفراهيدي (100 – 175 هجرية)؛ وهو أول معجم اعتباري عربي يقيم الدليل على أن للعرب قصب السبق في ظهور علم المعجميّة واكتمالها في كتب أو مجلدات.

وثمة معاجم أخرى مهمة ظهرت في ما بعد، من أبرزها: "لسان العرب" لابن منظور، و"القاموس المحيط" للفيروزأبادي، و"تاج العروس" للزبيدي، و"تاج اللغة" و"صحاح العربية" للجوهري، و"المحكم" لابن سيده، و"العباب الزاخر واللباب الفاخر" للصغاني"... إلخ.

هذه المعاجم وغيرها ممن تُصنّف في خانة المعاجم القديمة أو التراثية، لا تزال تُستخدم حتى اليوم من جانب كثير من اللغويين والدارسين والأدباء والطلبة والإعلاميين وسواهم ممن يشتغلون باللغة والبحث في معاني ألفاظها ومترادفاتها، وهذا الأمر إن دلّ على شيء، فعلى مدى اهتمام العرب بلغتهم كقضية محورية تدخل في أسّ هويّتهم اللسانية الغنية، والتي يُشكّل المعجم فيها مرجعية كفيلة بحفظ سلامة العربية، وثروة ألفاظها، ومفرداتها، وأبنيتها التي اجتهد العلماء في نحتها، وتشكيل قواعد لها تتناقلها الأجيال العربية جيلاً عن جيل.

 طبعاً، لم يتوقف التأليف المعجمي العربي عند من ذكرنا من أسماء، بل راح المعجميّون العرب المعاصرون، ومن لحقهم، يبتكرون أوعية معجميّة جديدة، يرفدونها بما يشتقونه من ألفاظ لغتهم الحيّة، فضلاً عما يفرضه عصرهم المتطور من مفردات كثيرة، تنضم بقوة وسلاسة إلى الرصيد اللغوي العربي العام. ومن هنا صرنا نتعرف إلى أصناف جديدة من المعاجم ذات الأغراض المتعددة، لغوياً وأدبياً وعلمياً وفنياً وحتى جغرافياً، يبرع في صناعتها معجميون مسيحيون عرب كبار منذ القرن التاسع عشر وإلى يومنا هذا، وفي الطليعة بينهم: أحمد فارس الشدياق، بطرس البستاني، أنستاس الكرملي، ناصيف اليازجي، ابراهيم اليازجي، سعيد الخوري الشرتوني، جبور عبد النور، جبران مسعود.. وغيرهم.. وغيرهم. وقد وصف اللغوي الكبير د. عبد الله العلايلي هذه الكوكبة من اللغويين المسيحيين العرب بالقول "إنهم العُمُد الجدد للغة العربية، بهم تزهو ويزهون بها. وقد خدموها بكل ما أوتوا من طاقة بحث وتفتيش في جمع المادة وترتيبها، وشرح المعانى وتفنيدها، وفي المحصّلة تقديم روافعها تقديماً وافياً ومتجدّداً".

 وأضاف العلايلي يقول، خصوصاً في الثلاثي: الشدياق، البستاني، الكرملي (في حوار أجريته معه في العام 1980 ونشرته مجلة "الكفاح العربي" اللبنانية) بأنهم "روّاد المعجميّة العربية الحديثة، يساعدهم في ذلك، ليس ثقافتهم التراثية الموسوعية ومعرفتهم باللغات الأجنبية المركزية كالفرنسية والإنجليزية والإيطالية فقط، بل كونهم أيضاً من ممثلي الفكر النهضوي العربي الحديث والأصيل، والذي ينظر إلى اللغة العربية كحامل مركزي لهذه النهضة العربية المنشودة".

 الشدياق وريادة النهضة المعجميّة

يعتبر أحمد فارس الشدياق (1804 – 1887) رائد النهضة المعجمية العربية المعاصرة، وأهم ما قدمه على هذا الصعيد، هو دعوته إلى الإصلاح المعجمي، وتقديم صورة مغايرة لكيفية قيام معجم عربي حديث على قاعدة نقد المعجم العربي القديم، ممثلاً هنا بـ"القاموس المحيط" للفيروزأبادي، والذي حوّل الشدياق مؤلفه الشخصي الكبير:"الجاسوس على القاموس" إلى منصّة يقدم من خلالها نقداً تقويمياً لقاموس الفيروزأبادي، والذي يعتبره الشدياق نفسه، أفضل قاموس عربي قديم واءم حقبته أو زمنه اللغوي والثقافي، وإنه باتت الحاجة ماسة إلى ولادة معجم عربي حديث يوائم زمننا ومتطلبات ثقافتنا وتطور لساننا. يقول الشدياق (الذي تحوّل من النصرانية إلى الإسلام) في "الجاسوس على القاموس": "الحمدلله الذي جعل هذا اللسان نوراً للذهان ووسيلة للعرفان وأنطق به ألوف.. ألوف من ذوي القدر والشان، والتاج والصولجان، في كل مكان وزمان... وبعد، فإني لمّا رأيت في تعاريف القاموس للإمام القاضي مجد الدين الفيروزأبادي قصوراً وإبهاماً، وإيجازاً وإيهاماً، وترتيب الأفعال ومشتقاتها، فيه محوج إلى تعب في المراجعة، ونصب في المطالعة، والناس راوون منه، وراضون عنه، أحببت أن أبيّن في هذا الكتاب من الأسباب ما يحضّ أهل العربية في عصرنا هذا على تأليف كتاب في اللغة، يكون سهل الترتيب، واضح التعاريف، شاملاً للألفاظ التي أستعملها الأدباء والكتاب، وكل من اشتهر بالتأليف".

عبدالله العلايلي: المسيحيون العرب هم " العُمُد الجدد للغة العربية، بهم تزهو ويزهون بها. وقد خدموها بكل ما أوتوا من طاقة بحث وتفتيش في جمع المادة وترتيبها، وشرح المعانى وتفنيدها"

وفي "الجاسوس على القاموس" لم يسلم معظم المعجميين القدامى وتصانيفهم من نقد الشدياق، بمن فيهم الخليل بن أحمد الفراهيدي ومصنّفه "العين"، فـ"العين" برأيه "كتاب وعر المرتقى، صعب الملتقى، وكل من جاء بعده، وألّف في اللغة، لم يوفها حقها، فإن بعضهم اختصرها، وأجحف بها، وبعضهم أدخل فيها ما ليس منها. مثال الأول، ابن السكيت، وابن دريد، والفارابي، وابن فارس، والجوهري، والزمخشري، وربما يعتذر لابن دريد، بأن يقال إنه أملى كتاب "الجمهرة" إملاء، غير أن الإملاء إنما يحسن في نوادر الأدب لا في اللغة. ومثال الثاني الصغائي، فإنه أدخل في "العباب" أشياء كثيرة ليست من اللغة في شيء، ومثله الأزهري، وابن سيده ومثلهم، بل أكثر منهم ابن منظور صاحب "اللسان"، والشارح صاحب "تاج العروس". أما صاحب "القاموس المحيط"، فإنه جاء بالأمرين. وبالجملة، فإن العلماء، قديماً وحديثاً، استخفّوا باللغة وأهملوها، مع أنها أساس العلوم".

 على أنه وفي نهاية المطاف، ومن بين كل المعجميين العرب القدامى وصناعاتهم، ظلّ أحمد فارس الشدياق يفضّل معجم "لسان العرب" لابن منظور، فهو برأيه معجم "يغني عن سائر كتب اللغة، إذ هي بجملتها لم تبلغ منها ما بلغه.. وهو عجيب في نُقُولِهِ وتهذيبه وتنقيحه وترتيبه، إلا أنه قليل بالنسبة لغيره من المصنّفات المتداولة، وزَاحَمَ عصره عصر صاحب القاموس، رحم الله الجميع".

ونستدرك فنقول إن الشدياق في نقده للمعاجم القديمة وأربابها، أراد الانحياز إلى اللغة العربية وتطورها، وذلك من موقع أن اللغة كائن حي ينمو ويتطور، مندغماً في حياة الكائن البشري نفسها، وشروط تغيّرها.

 باختصار، الشدياق يميل إلى التأليف المستحدث للمعاجم، وجعل اللغة، مع هذه المعاجم، معدّة للاستعمال الحيّ والمتحرك، وليس للحفظ والمراجعة التقليدية فقط، وبخاصة في زمننا هذا، زمن "البلاغة الإلكترونية" الذي يغرقنا بلججه.

الباكورة الشهيّة في نحو اللغة الإنجليزية

من جانب آخر، وكدليل ثانٍ على أن الشدياق يُمثل قمة حداثة عصره بالنسبة إلى اللغة والأدب وصناعة المعاجم عند الآخرين المتقدمين، ها هو يكتب، مثلاً، في نحو وصرف اللغتين الإنجليزية والفرنسية، ويسرد مبرر ذلك بوضوح، ويبيّن إمكانية استفادتنا من ثقافة الآخر الغربي. وعليه فقد أصدر مؤلفاً في هذا المجال حمل عنوان: "كتاب الباكورة الشهيّة في نحو اللغة الإنكليزية"، نشره في مالطا عام 1836، هو الذي كان عاش في هذه الجزيرة المتوسطية الهادئة مدة 14 عاماً. نقرأ على غلاف كتابه المذكور هذين البيتين من الشعر:

من يغص أبحر اللغات يصادف/ درراً لا يقلّها الإنفاق

هي بذق الفتى إذا كان فذاً/ وغناه إن عاله إملاق

 يُقسّم الشدياق كتابه إلى أربعة أبواب هي: معرفة أحوال الحروف، تصريف الفعل والإسم، وضع الجمل والعروض.

ويقول في مقدمة كتابه: "وبعد، فإن اللغة الإنجليزية طالما كان بابها لدى أهل العربية مزلوجاً، وبضاعة نحوها عندهم لم تصادف ترويجاً، وهي أجدر بأن تكون عندهم نبهاً، وأن يطرفوها ويولعوا بها تفكهاً، فإنها مدخل علوم لا يكادون يتوصلون إليها بدونه، ووسيلة فضل من أجل أوطار ذي المعلاة المتحري المعقب... اللغة الإنجليزية التي جمعت محاسن لغات شتى، شملت كتب الأولين، وزادت عليهم أشياء لم تكن عندهم حينئذ مشهورة، وانتقت ما طلب منها سيرة وسريرة، فقلّ أن تجد كتاباً نفيساً إلا كان مترجماً فيها، ولا نبأ يفيد إلا اطلع عليه ذووها. ولا غرو، فإنهم لا يفتأون يبحثون عن الفوائد، وينشدونها عند كل شاهد، ويسعون في طلب المعالي والفرائد، حتى صاروا قيد الأوابد، وحرز كل نفيس لا يصدر عنه الوارد، وكلما ظفروا بعقيلة قيدوها، وأطلقوا ذكرها وأفادوها، بعدما استفادوها، فمن طالع كتبهم وفهمها، عرف ما لهم من الهمّة في التعقيب ولزمها".

كما أصدر الشدياق أيضاً كتاباً آخر بعنوان: "سند الراوي في الصرف الفرنساوي" بالتشارك مع المستشرق الفرنسي غوستاف دوكات. ويُصنّف الكتاب في طليعة الكتب الخاصة بتعليم اللغة الفرنسية وقواعدها.. ويتألف من فصول خمسة هي:

- في الأحرف الهجائية والأرقام

- في الكلام، الأسماء والأفعال والحروف

- أمثلة في الإعراب

- في مصطلحات خاصة باللغة الفرنسية

- محادثة في اللغة الفرنسية

المعلم بطرس البستاني

قيل عنه إنه أستاذ الجميع؛ وأن النهضة العربية التي ارتفعت أسئلتها في زمنه، غنمت الكثير..الكثير من تآليفه العلمية واللغوية والتاريخية؛ وإنه أول من وضع معجماً عربياً عصرياً مطولاً، وأول من ابتدأ بمشروع دائرة معارف عربية، صدر منها ستة أجزاء في حياته، وخمسة أجزاء بعد رحيله، على يد أبنائه وصهره سليمان خطار البستاني، وذلك كله وفق منهج علمي، يحاكي المناهج العلمية الغربية الحديثة في التأليفات المماثلة، واعتبرت "الدائرة" محاولة ندّية، معرفياً وحضارياً، لدائرة المعارف الإنكليزية.

إنه المعلم بطرس البستاني (1819 – 1883) الذي اشتغل أكثر ما اشتغل بالعلوم اللغوية، وصناعة المعاجم، فكان معجمه الشهير:" محيط المحيط" الذي طبعه في مجلدين في بيروت عام 1870، وعاودت طباعته "مكتبة لبنان" المختصّة بالقواميس والموسوعات أكثر من طبعة، كانت الأخيرة منها عام 1977، جامعة الجزءين من المعجم في مجلد واحد.

وحول سبب تسمية معجمه "محيط المحيط" يقول المعلم بطرس البستاني: "أدرجنا فيه كل ما قدرنا أن نقف عليه من مفردات اللغة، وأصولها، وفروعها واصطلاحات العلوم، والفنون، وكثيراً من كلام المولدين، واللغة الدارجة، ورصّعناه بالشواهد من القرآن والحديث والشعر وأمثال العرب، إلى غير ذلك من الفوائد والنوادر والشوارد مما لا غنى عنه للمطالع، وكان كل ذلك سبب تسميته "محيط المحيط".

وإذا كان المعلم بطرس البستاني من أوائل اللغويين العرب المعاصرين، الذين دعوا إلى تقريب الفصحى من العاميّة، حفظاً للفصحى من الجمود أو الموات، حسب رأيه، فإنّ أهم من ناقش رأيه هذا (جاء البستاني بهذا الرأي في محاضرة له في بيروت جرت في 15 فبرايرعام 1859) كان المستعرب الفنلندي الكبير يوسي آرو، بعدما أشاد كل الإشادة بمعجم "محيط المحيط" واعتبره دليله العلمي الدقيق إلى معرفة مفردات عربية كثيرة، خصوصاً لدى التحاكم إلى أصيلها من غيره. قال آرو "إن اللغة العربية الفصحى أقوى من كل اللغات الحيّة الأخرى، وهي قادرة على تطوير نفسها بنفسها عبر ألسنة كل متداوليها، وعلى رأسهم أهل اللغة والمعاجم، وفي طليعتهم بطرس البستاني، الذي أحترم شخصياً صنيعه التأليفي في المعاجم وغير المعاجم".

 وختم البروفسور يوسي آرو  كلامه بالقول لكاتب هذه السطور في حوار أجراه معه في بيروت عام 1973: "إن ثنائية الفصحى والعامية ليست عائقاً في شيء أمام الفصحى نفسها، وتطورها وتكيّفها مع الحياة العلمية الحديثة الدقيقة، وكذلك مع الحياة الأدبية المتجددة، خصوصاً على يد شعرائها وأدبائها المبدعين. وفي النهاية إن الذين يروجون لخطورة ثنائية الفصحى – العامية على مسار اللغة العربية وتطورها واستيعابها لكل ما يفرضه الحاضر والمستقبل، هم في رأيي  متحاملون على لغة قريش وجمالياتها المفتوحة".

أنستاس الكرملي وجدار العربية الصلب

هذا الكاهن المسيحي الجليل الذي يتحدّر من أب لبناني اسمه جبرائيل، وأم عراقية تدعى مريم، والذي ولد في بغداد عام 1866، وتوفي فيها عام 1947، انصرف عبر حياته كلها إلى أمرين اثنين: خدمة الكنيسة والرعية من جهة، واللغة العربية من جهة أخرى، خصوصاً من خلال معجمه الذي أطلق عليه إسم: "المساعد"؛ والذي اعتبره المعجمي اللبناني د. جبور عبد النور، "أحد أهم المعاجم العربية الحديثة التي لم يكتب لها الرواج المطلوب، وخصوصاً لجهة التبويب والترتيب الواضح للألفاظ ومعانيها المشروحة بسلاسة وضبط ما بعدهما". أما عن دواعي تأليف "المساعد" فيتحدث صاحبه قائلاً: "منذ أخذنا نفهم العربية حق الفهم، وجدنا في ما كنّا نطالع فيه من كتب الأقدمين والمولدين والمعاصرين ألفاظاً جمّة ومناحي متعددة، لا أثر لها في دواوين اللغة. ولهذا رأينا في مصنفات السلف نقصاً بيّناً، فأخذنا منذ ذلك الحين بسدّ تلكم الثغرة".

وفي دير الكرمليين في بغداد، كان الأب أنستاس ماري الكرملي (واسمه الحقيقي بطرس جبرائيل عواد) يعقد مجلساً لغوياً وأدبياً دورياً، مرة في الأسبوع، اختاره أن يكون يوم جمعة، كي يتاح لأكثر المشاركين الحضور، بعيداً عن انشغالات أيام العمل. وكان المجلس عامراً بكبار الأدباء والمثقفين واللغويين العراقيين والعرب الزائرين.

عام 1912 أنشأ الأب الكرملي مجلة "لغة  العرب"، وحرص خلالها أن تكون منبراً للدفاع عن لغة الضاد، وتقديمها على ما عداها في أولويات التدريس في المدارس والمعاهد والجامعات، وحتى على مستوى الكنيسة، وإقامة الصلوات وسائر الشعائر الدينية بواسطتها. وقد نشر في هذه المجلة كبار اللغويين والأدباء العرب منهم ميخائيل نعيمة وبشارة الزغبي، وعبد الحميد عبادي، ومحمد عمر الكبي، والياس المطران، ود. مصطفى جواد، وجهاد نوري الكاظمي، وابراهيم عمار البصري وغيرهم .. وغيرهم.

اعتبر الأب الكرملي أن اللغة والتاريخ، هما الأساسان اللذان تقوم عليهما الأمة ووحدتها، ذلك لأن الوحدة في هذين المضمارين تؤدي إلى وحدة المشاعر والميول، ووحدة الآمال والآلام، ووحدة الثقافة، الأمر الذي يجعل الناس يشعرون أنهم أبناء أمة واحدة، وهوية واحدة، لها ولا شك خصوصيتها التي تميّزها عن سائر الهويات الأخرى، التي ينبغي أن تتكامل بعضها مع بعض لخير البشرية جمعاء.

اصدر الأب أنستاس الكرملي العديد من الكتب التي تُعنى باللغة العربية، والتراث العربي، في طليعتها: "أغلاط اللغويين الأقدمين" و"نشوء اللغة العربية ونموها واكتهالها" و"النقود العربية وعلم النميات".. وله مخطوطات عديدة غير مطبوعة، كانت في طريقها للطبع لولا الحروب والأزمات الدموية الحادة التي حلّت بالعراق منذ أكثر من عقدين من الزمن.

اليازجيان الأب والإبن

ومن المشتغلين المسيحيين العرب الكبار باللغة والتجديد اللغوي، لا بدّ من أن نتحدث عن كل من القطبين اللغويين الكبيرين: ناصيف اليازجي (1800 – 1871) وابنه ابراهيم (1847 - 1906). فالأب كان من الدعاة العاملين بحماسة مشهودة لتكريس العربية بدل التركية في البلدان العربية، وهو لهذا الغرض أسهم في ترجمة الإنجيل والعهد القديم إلى لغة الضاد، معتبراً أن للكنيسة الدور الأكبر والأكثر تجذراً في معركة نشر اللغة العربية والتراث العربي بين رعاياها المسيحيين، وكذلك عموم المسلمين، على امتداد الخارطة العربية الوسيعة.

كان ناصيف اليازجي صديقاً للمعلم بطرس البستاني، وقد اختاره الأخير ليكون المصحح الأول للجزء الأول من معجم "محيط المحيط"، وذلك لشدة التأكد من تضلعه بلغة الضاد، نحواً وصرفاً وبياناً عربياً أصيلاً. ولا غرو، فقد كان ناصيف اليازجي يهوى مجاراة الشعراء واللغويين العرب القدامى، ومنهم، مثالاً لا حصراً، المتنبي وطرفة بن العبد والنابغة الذبياني وبشار بن برد. ومن بين اللغويين كان ناصيف اليازجي يميل إلى تفضيل ابن منظور في "لسان العرب"، والخليل بن أحمد الفراهيدي في "العين".

وكان لانضمام ناصيف اليازجي، صاحب المؤلفات النموذجية في الصرف والنحو والبيان واللغة والتاريخ، إلى هيئة التدريس في الكلية الإنجيلية السورية (الجامعة الأميركية في بيروت اليوم) تأثيره في خلق أجيال لغوية عربية شاركت، ليس في نهضة اللغة العربية الفصحى والانتصار لها فقط، وإنما في تكريس ظهور شباب نهضوي عربي عتيد في وطنيته وعروبته.

أما ابراهيم اليازجي، فقد سار هذا اللغوي الفذ على نهج والده في النهوض باللغة العربية، وإحياء الشعور القومي في صدور الشباب العربي. كما تألق في الترجمة، بخاصة عن السريانية والعبرية، ولاسيما حين أقدم على ترجمة "الكتاب المقدس" بتكليف من الآباء اليسوعيين، وأنجز المهمة في تسع سنوات على خير ما يرام، فطارت شهرته في بلاد الشام ومصر، وبيعت النسخ المترجمة إلى العربية من "الكتاب المقدس" بالآلاف في ذلك الزمن، وقلّده بعد ذلك ملك النرويج وسام العلوم والفنون.

 ومن أهم إنجازات ابراهيم اليازجي اللغوية معجم: "نجعة الرائد وشرعة الوارد في المترادف والمتوارد"، وقد قسّمه إلى أبواب عامة، تشتمل على فصول محدّدة، تنحو جميعها منحى الدقة في ترتيب المواد، من ألفاظ ومعانٍ ومترادفات. وقد بدأ بالباب الأول "في الخلق وذِكر أحوال الفطرة وما يتصل بها"، وتضمن الباب المذكور أقساماً عدة من أبرزها: "في الخلق"، و"في قوة البنية وضعفها"، و"في حسن المنظر وقبحه"، و"في السمن والهزال"، كأن نقرأ مثلاً: "يقال: رجل سمين، عبل، لحيم، شحيم، ربيل، جسيم، خادر، خدل، بدين، بادن ومبدان، متداخل الخلق، متراكب اللحم، غليظ الربلات.... إلخ". وربما لأجل هذا الشرح المفصّل، وغيره طبعاً، قال نقاد عصر ابراهيم اليازجي فيه "إنه أكبر عالم لغوي في عصره".

 ولا ندحة لنا عن الاعتراف، بأن ثمة لغويين ومعجميين مسيحيين عرب ثقاة ومهمين للغاية، لا يسمح لنا مجال هذه المقالة الدخول في تفاصيل نتاجاتهم اللغوية والمعجمية. ومن هؤلاء، مثالاً لا حصراً، الأب جرمانوس فرحات، ود. جبور عبد النور، وأنيس فريحة، ود. جبران مسعود (1930) الذي لا يزال على قيد الحياة، أمدّ الله بعمره، وهو صاحب معجم "الرائد"، أول معجم أبجدي عربي ضمّ بين دفتيه حوالي ستين ألف كلمة. ولقد رتبت الكلمات فيه وفقاً لحروفها الأولى مع الإشارة إلى جذورها. أما المعاني، فقد دعمت بالأمثلة والشواهد لتسهيل عملية البحث عن المعنى المقصود.

مجدداً.. عن الدور الرياديّ للمسيحيين العرب

كُتب الكثير عن دور المسيحيين العرب في النهضة العربية الحديثة، ولاسيما خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وخصوصاً لجهة استحداثهم المدارس والجامعات وإصدارهم الصحف والمجلات الفكرية والثقافية الراسخة في لبنان ومصر، ولا يزال بعضها، في المناسبة، يصدر حتى اليوم كـ"الأهرام" و"الهلال" في القاهرة... فضلاً عن تأسيسهم الجمعيات الفكرية والسياسية والثقافية، وسعيهم الدؤوب لتحرير البلدان العربية من ربقة الدولة العثمانية، وتعزيز اللغة العربية بمواجهة حالات التتريك التي كانت مفروضة على اللسان العربي لقرون طويلة خلت.

كما أسهم النهضويون المسيحيون العرب في تأسيس المسرح في بلداننا العربية، ولاسيما في مصر ولبنان، من خلال اقتباس مارون النقاش (1817 – 1855) لمسرحية "البخيل" لموليير عام 1847، ولحِق طريقته هذه في الاقتباس والمحاكاة، العديد من المؤلفين المسرحيين والمخرجين العرب، مشكّلين بذلك ظاهرة لافتة كانت أساساً في نشأة فن المسرح العربي، الذي ليس له تقاليد تاريخية تذكر في تراثنا كعرب ومسلمين.

 ولم يكتف مارون النقاش بالاقتباس والمحاكاة، بل اتجه إلى تأليف النصوص وإخراجها، مثل مسرحياته "ابو الحسن المغفل" و"هارون الرشيد" - 1849 و"الحسود السليط" - 1853. لكن الموت عاجله فمات، وهو في عز الشباب وسنوات العطاء، عن 38 عاماً.

وعلى صعيد التمثيل السينمائي والمسرحي، كان المسيحيون العرب رواداً أيضاَ في هذا المضمار الفني، ومنهم، مثالاً لا حصراً، الممثل اللبناني الكبير جورج أبيض (1880 – 1959) والذي كان غادر لبنان نهائياً إلى مصر، وهو في سن الـ18، وقدّم هناك أول فيلم غنائي مصري، واسمه "أنشودة الفؤاد" - 1932. ثم درس في "معهد الفنون المسرحية" في القاهرة، وساعده الخديوي اسماعيل في تطوير تجربته وتعميقها عن طريق ابتعاثه بمنحة حكومية لدرس أصول فن الخشبة في باريس. وكان له ما أراد، وعاد من فرنسا إلى القاهرة بزادٍ علميّ وعمليّ مكين في العام 1910... عاد وبصحبته فرقة مسرحية فرنسية تحمل اسمه الشخصي؛ ولعب هو وفرقته هذه على المسارح المصرية في القاهرة والإسكندرية أكثر من 133 مسرحية مقتبسة ومؤلفة، وعلى مدى عقدين متواصلين من الزمن. ومن أهم مسرحياته: أوديب الملك، عطيل، تاجر البندقية، ترويض النمرة، شارل السادس، أبطال المنصورة، عدو الشعب، الحاكم بأمر الله، البدوية، صلاح الدين وملكة أورشليم.. وغيرها.. وغيرها.

وما دمنا في فضاء السينما والمسرح، فلا بد من أن نشير بفخر إلى تجربة الفنان المسيحي المصري - العراقي الكبير نجيب الريحاني (1889 – 1949) والذي تألق عالياً في سماء الفن السابع، وفن الخشبة معاً، وتحوّل اسمه الى أيقونة إبداعية ذهبية عالية القيمة، داخل العالم العربي وعلى مستوى العالم كله.

وبالعودة إلى المسألة المسيحية العربية، خصوصاً لجهة التاريخ والثقافة واللغة، فلا يسعنا إلا أن نستذكر في هذا الإطار ما كان قاله المطران جورج خضر في محاضرة نوعية له في  صالة "دار الفن والأدب" في بيروت عام 1981. وما زلت أحتفظ بنسخة من تلك المحاضرة التي جاء فيها: "ما يؤهلنا حقاً أن ننعت المسيحية بالعربية، هو أن كل فرقها، بلا استثناء، منذ ألف سنة ونيف، كتبت بالعربية، وكتاب المستشرق "غراف" بالألمانية: "تاريخ الأدب المسيحي العربي" يورد أسماء الكتب المسيحية التي وضعت بالعربية عند الأقباط والسريان والنساطرة والروم والموارنة، وهي ألوف مؤلفة، ولكنها لم تنشر. وأن كشفها جميعاً ليظهر بأن العربية لم تأب أن تنتصر، وأن الحضارة العربية ستكتب كتابة جديدة إذا نشرت هذه الكنوز، أكان هذا من حيث البلاغة والشعر والفلسفة والعلوم؛ فإذا لم نلجأ إلى مقولة القومية، التي لم تكن واردة في أذهان الناس في العصور الغوابر، واكتفينا بالمفهوم الحضاري، وجب التأكيد على أن المسيحية نطقت قبل الإسلام وبعده بالعربية، وأنها جملة استخدمت جميعها بمقادير مختلفة اللسان العربي منذ ألف سنة".

ويظهر المطران خضر في محاضرته الأثيرة تلك انتماء ثقافياً وحضارياً خالصاً إلى هذه المنطقة العربية وموروثها من الماء إلى الماء عندما يقول بشفافية عالية: "غير أني على هذه الأرض ابن الحضارات التي توالت علينا منذ فجر التاريخ إلى اليوم، وورثتها جميعاً الحضارة الإسلامية. وأنا في قلب هذه الحضارة منذ بزوغها، ورافقتها، وفي القرون الأخيرة علّمتها، انطلاقاً من أديرة لبنان، منزلة اللغة العربية فيها، وكيف تعود إلى العربية لتستعيد نضارتها؛ فلاحظت، بقبول أو تردد، لست أدري، أن النصارى كثيراَ ما كانوا أفصح العرب، وأن العجمة لا تأتي منهم وحدهم بالضرورة. وأن عيسويتهم بالذات تحمل ذلك اللطف والجرح والتوثب التي هي حوافزهم إلى الجمال كله، وإلى الفكر كله، وإلى الدين كله، بحيث يستطيعون أن يدخلوا إلى صميم الحضارة التي احتضنتها دار الإسلام، فيتفهمونها بحب، ويخلقون فيها. أمِنَ الغرابة أن يكون خير كاتب في التمدن الإسلامي في عصره، وبالنسبة إلى العالم كله، مسيحي من لبنان يدعى جرجي زيدان. لم يُسلِم جرجي زيدان، ولو رأى نفسه عائشاً في إطار التمدن الإسلامي؛ ولم يسبقه أحد في معرفة أوروبا، وساد معرفته ولم تسده".

المزيد من ثقافة