Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المرحلة الانتقالية في اليمن (4)

"أراني متشائماً من نتائج مؤتمر الحوار الوطني"

الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح (رويترز)

كان الحماس الذي أبداه المجتمع الدولي لمجريات الحوار داخل قاعات فندق الموفينبيك الفاخرة، لكنه لم يكن مدركاً لتفاصيل ما يجري على الأرض، وكان يراه أشبه بمحاولة لنزع فتيل انفجار داخلي محتمل، يعلمون أن آثاره لن تقف داخل الحدود، لكنهم كانوا متغافلين عن أن المؤتمر كان بالفعل يهيئ العوامل الكاملة لتحققه.

أثناء جلسات الحوار، ألقيتُ محاضرة في النادي الثقافي بمسقط مطلع شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2013، وقلتُ "أراني متشائماً من نتائج مؤتمر "الحوار الوطني"، وأخشى أنْ يكون "القشَّةَ" التي قد تقصم ظهر اليمن، وتجعله عُرضةً لرياح عاتية تمزقُه شرَّ مُمَزَّقٍ"، ولم يكن ذلك لرغبة شخصية وإنما لأنني كنتُ أقرأ المشهد عن بعد من دون مؤثرات، ودونما حرص على الانسياق وراء المشاعر الشخصية التي تجعل التحليل السياسي مرتبكاً وبعيداً من منطق الأحداث.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في دراسة أعدتها جامعة Radboud الهولندية عن نتائج مؤتمر الحوار، أرجعت فشله مؤتمر في منع الصراع إلى عوامل عدّة، منها غياب الشفافية في إجراءات إشراك الأعضاء غير الحزبيين، والفشل في تحييد وتجريد الجماعات المسلحة قبل بدء المؤتمر، ولكن أهم سبب، في نظري، ذكرته الدراسة هو "عدم تمتع قيادة مؤتمر الحوار بالديمقراطية والميل كلياً في اتجاه المبعوث الدولي إلى تحديد مسار القضايا المصيرية"، كما أنّ المخصصات المالية التي كانت تُصرف للمشاركين مصدر إفساد مبكر، ومنحت الأمين العام للمؤتمر أحمد عوض بن مبارك نفوذاً متزايداً، فارتفع فجأة سقف طموحه، وهو القادم من خارج الطبقة السياسية، وما كان معروفاً على الصعيد الوطني قبل انخراطه في ساحة التغيير بصنعاء التي حوت كل معارضي صالح والمطالبين برحيله، وانضم إلى شباب الساحات، ومن قاعات فندق الموفينبيك، صار بن مبارك متحكماً في اختيار الأعضاء غير الحزبيين، وكان يأمل في أن يشكّل منهم حزباً سياسياً بعد انتهاء أعمال المؤتمر، لكنه فضّل الطريق الأقصر بالاقتراب من الرئيس حد التماهي، فصار الأكثر حظوة والأشد قرباً وتأثيراً.

هكذا صار بن مبارك والمبعوث الدولي جمال بنعمر والسفير الأميركي جيرالد فيرستاين الشخصيات المحورية التي تتحكم في تحديد المسارات السياسية، بعيداً من مؤسسات الدولة وفي غياب كلي لرئيس الحكومة الأستاذ باسندوة، إذ كانوا وحدهم قادرين على لقاء الرئيس في أي وقت يريدون، وكان بدوره يعبر لزائريه عن ابتهاجه بهذا الأمر ويتباهى به أمام ضيوفه اليمنيين، ويكرر أنه مطمـئن لدعم المبعوث والسفير وعلى تواصل دائم معهم عبر الأمين العام لمؤتمر الحوار.

تعامل الرئيس هادي مع القضايا الداخلية، في الشمال خصوصاً، من دون خبرة عن تاريخها وجذورها، ولم يكن ينظر بأي قلق إلى تحركات الجماعة الحوثية المسلحة، ولم يتابع نشاطاتها، وكان يرى أنهم خصوم لخصومه، خصوصاً الرئيس الراحل، ولكن المـؤكد أن تواصله معهم كان مستمراً عبر أحمد بن مبارك وجمال بنعمر، وليست مؤكدة حقيقة التفاهمات التي تكررت المعلومات أنها تمت معهم، وإن كان اليقين أنه لم ير في تحركات الحوثيين العسكرية خطراً على الدولة، ولم يستمع إلى تحذيرات بعض العسكريين وبعض السياسيين الذين التقوه في تلك الفترة، فتساهل في اتخاذ أي إجراءات احتياطية لحفظ أمن العاصمة خصوصاً، ولم يصرح بالاعتراض على هذه التحركات أو لربما كان عاجزاً حسبما يقول أنصاره، وفي كل الأحوال، فإنه يتحمل المسؤولية الوطنية والدستورية.

وحين بدأ مسلحو جماعة أنصار الله التحرك نحو محافظة عمران بعد انتهاء مؤتمر الحوار، كان واضحاً أنهم في طريقهم إلى صنعاء سيُضطّرون للدخول في مواجهة مسلحة مع أبناء الشيخ الراحل عبد الله بن حسين الأحمر، ومن تبقّى معهم من المسلحين المؤيدين لهم، وهم الذين كانوا يمثلون أكبر مشيخ في قبيلة حاشد. وبالفعل، تمكن الحوثيون عبر تحالفات قبلية من الوصول بسهولة إلى قرية "الخمري" التي بها منزل الشيخ الأحمر وفجروه في الثاني من فبراير (شباط) 2014 ليؤكدوا سيطرتهم على تلك المساحة الصغيرة، لكنها كانت تعبيراً يجسد تحولاً في تاريخ الصراعات وانتقال الزعامات وتبدل الولاءات بين القبائل.

كان كثيرون في اليمن ينظرون إلى تدمير منزل الشيخ الأحمر كعمل بطولي وجزاء مستحق، منطلقين في تقبل واستحسان العملية من رغبتهم في تقليص دور القبيلة عموماً، التي كانت تمثل في قناعاتهم معوقاً للتطور الطبيعي ومصدراً لعدم الاستقرار ومفسدة للحياة السياسية، باعتبار أنها كانت السند الحقيقي للرئيس الراحل في مراحل حكمه المختلفة، لكن ما أخطأ فيه هؤلاء ولم يدركوا تبعاته، هو أنهم لم يستدعوا الذاكرة اليمنية التاريخية الممتلئة بمثل هذه الأفعال البشعة وأهمية مقاومتها أو الاحتجاج عليها، لكن التبرير والتفسير الشخصيين للأحداث ورغبة الانتقام تغلبت مجتمعة على النظرة الوطنية الشاملة. وللأسف، أن هذا لم يقتصر على العامة، بل شمل عدداً من القيادات الحزبية والشخصيات العامة.

ولم يكن تدمير بيت الشيخ الأحمر حادثة عابرة يمكن تجاوزها لأنها حملت رمزية كبيرة في أن أهانت مكانة أكبر شيخ قبلي عرفه اليمنيون، كما أبرزت مؤشرات عجز الجيش عن كبح جماح جماعة مسلحة تمثل فريقاً شارك في الحوار الوطني ووافق على مخرجاته، ولقد سمعت تفاصيل كثيرة عما حدث بعد تدمير المنزل وقبله. وكانت الأحداث تروى من زاوية يغلب عليها الجانب الشخصي، ولم تتطابق الروايات إلاّ بالقول إن الرئيس لم يقم بواجباته الوطنية، وإن الجيش اليمني لم يتمكن من التدخل لعدم وجود قرار سياسي أو لعدم القدرة على  الحسم لأسباب ما زالت تحتاج إلى دراسة موضوعية قبل إصدار حكم صادق وجاد حولها. وهكذا، كان كثيرون يعتقدون أن الرئيس كان ينظر إلى الأمر كما لو كانت نيراناً تشتعل في دولة بعيدة ولن تبلغ آثارها منازل الجميع وأولها منزل الرئيس نفسه، مصحوبة بدماء ودمار.

لم تمر سوى أسابيع قليلة على تدمير بيت الشيخ الأحمر، حتى بدأ مسلحو أنصار الله (الحوثيون) من التقدم نحو محافظة عمران التي تبعد عن صنعاء مسافة لا تزيد على 50 كيلومتراً، وحاصروا المدينة مطالبين بتغيير قائد اللواء المدرع 315 الشهيد العميد حميد القشيبي الذي كان مقرباً من الفريق علي محسن، المستشار العسكري للرئيس بعد إبعاده عن قيادة المنطقة الشمالية الغربية، كما طالبوا بإقالة محافظها الشيخ الراحل محمد حسن دماج، القيادي في حزب الإصلاح الذي وافق على التخلي عن موقعه لإدراكه بحسه السياسي ومعرفته بمنهجية عمل القبائل، أن المقاومة ستلحق دماراً ودماء لم يكن مستعداً لتحمل مسؤوليتها الأخلاقية مقابل البقاء محافظاً، لكن القرار في صنعاء كان معارضاً لرغبته على الرغم من أنه غادر عمران واستقر في منزله بصنعاء، وأقاله هادي من منصبه رسمياً في شهر يونيو (حزيران) وعيّن العميد محمد صالح شملان بديلاً عنه.

المزيد من آراء